القِسمُ الأولُ: حُكمُ الماءِ المُختلِطِ بنَجسٍ وتَغيرَ أحدُ أَوصافِه:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الماءَ إذا خالَطَه نَجاسةٌ، وغيَّرَت أحدَ أَوصافِه، كانَ الماءُ نَجسًا، سَواءٌ أكانَ الماءُ قَليلًا أم كَثيرًا.
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الماءَ القَليلَ والكَثيرَ إذا وقَعَت فيه نَجاسةٌ فغيَّرَت للماءِ طَعمًا أو لَونًا أو رِيحًا، نُجِّسَ ما دامَ كذلك (^٢).
_________________
(١) «المغني» (١/ ٣٨).
(٢) «الإجماع» (٢١)، و«مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٠).
[ ١ / ٢١٣ ]
القِسمُ الثاني: حُكمُ الماءِ المُختلِطِ بنَجسٍ ولم يَتغيرْ أحدُ أَوصافِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الماءِ إذا خالَطَته نَجاسةٌ ولم يَتغيرْ أحَدُ أَوصافِه، لَونُه أو طَعمُه أو رائِحتُه، هل يَجوزُ التَّطهُّرُ به أو لا؟ على قَولَينِ:
القَولُ الأولُ: أنَّه طاهِرٌ سَواءٌ أكان كَثيرًا أم قَليلًا، وهذه رِوايةٌ عن الإمامِ مالِكٍ وإحدَى الرِوايَتينِ عن الإمامِ أحمدَ اختارَها طائِفةٌ من أَصحابِه ونصَرَها ابنُ عَقيلٍ واختارَها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ، وبه قالَ بعضُ الشافِعيةِ كابنِ المُنذرِ والغَزاليِّ والرُّويانِيِّ (^١).
واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه أبو سَعيدٍ الخُدريُّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قيلَ له: أنتوَضَّأُ من بِئرِ بُضاعةَ؟ وهي بِئرٌ يُطرحُ فيها الحَيضُ ولَحمُ الكِلابِ والنَّتنُ؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «الماءُ طَهورٌ لا يُنجِّسُه شَيءٌ» (^٢).
قالوا: وهذا اللَّفظُ عامٌّ في القَليلِ والكَثيرِ، وهو عامٌّ في جَميعِ النَّجاساتِ (^٣).
قالَ الدُّسوقيُّ: إنَّ الماءَ اليَسيرَ -وهو ما كانَ قَدرَ آنيةِ الوُضوءِ أو الغُسلِ فما دونَهما- إذا حلَّت فيه نَجاسةٌ قَليلةٌ كالقَطرةِ ولم تُغيرْه؛ فإنَّه يُكرهُ استِعمالُه في رَفعِ حَدثٍ أو في حُكمِ خَبثٍ ومُتوقِّفٌ على طَهورٍ كالطَّهارةِ المَسنونةِ والمُستحبةِ.
_________________
(١) «بداية المجتهد» (١/ ٤٦)، و«مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٠، ٣٣)، و«المجموع» (٢/ ٧٣)، و«المغني» (١/ ٥٠)، و«كفاية الأخيار» ص (٥٦)، و«الإفصاح» (١/ ٣٧).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: سبَق تَخريجُه.
(٣) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٣).
[ ١ / ٢١٤ ]
وأمَّا استِعمالُه في العاداتِ فلا كَراهةَ فيه، فالكَراهةُ خاصةٌ بما يَتوقفُ على طَهورٍ.
ثم قالَ: الحاصِلُ أنَّ الكَراهةَ مُقيَّدةٌ بقُيودٍ سَبعةٍ:
أنْ يَكونَ الماءُ الذي حلَّت فيه النَّجاسةُ يَسيرًا، وأنْ تَكونَ النَّجاسةُ التي حلَّت فيه قَطرةً فما فَوقَها، وألَّا تُغيِّرَه، وأنْ يُوجدَ غيرُه، وألَّا يَكونَ له مادةٌ كبِئرٍ، وألَّا يَكونَ جاريًا، وأنْ يُرادَ استِعمالُه فيما يَتوقفُ على طَهورٍ كرَفعِ حَدثٍ وحُكمِ خَبثٍ وأَوضيةٍ واغتِسالاتٍ مَندوبةٍ؛ فإنِ انتَفى قَيدٌ منها فلا كَراهةَ (^١).
القَولُ الثاني: فَرقٌ بينَ كَونِ الماءِ قَليلًا وبينَ كَونِه كَثيرًا؛ فإنْ كانَ الماءُ قَليلًا يُنجَّسُ، وإنْ كانَ كَثيرًا لا يُنجَّسُ.
وإلى هذا ذهَبَ الحَنفيةُ، وهي الرِّوايةُ الثانيةُ عن مالِكٍ، وهي المَذهبُ عندَ الشافِعيةِ، وهو المَشهورُ عندَ الحَنابِلةِ (^٢).
لكنَّ أَصحابَ هذا القَولِ اختَلَفوا في الحَدِّ الفاصِلِ بينَ القَليلِ والكَثيرِ على ثَلاثةِ أَقوالٍ:
_________________
(١) «حاشية الدسوقي» (١/ ٧٠، ٧١).
(٢) «مختصر القدوري» (١٣)، و«بدائع الصنائع» (١/ ٢٥٠، ٢٥٣)، و«حاشية ابن عابدين» (١/ ٣٤٠)، و«المجموع» (٢/ ٧٠، ٧٢)، و«مغني المحتاج» (١/ ٨٤، ٨٥)، و«بداية المجتهد» (١/ ٤٦)، و«كفاية الأخيار» ص (٥٦)، و«المغني» (١/ ٤٧)، و«مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٠)، و«الإفصاح» (١/ ٣٧).
[ ١ / ٢١٥ ]
القَولُ الأولُ: وهو مَذهبُ الحَنفيةِ أنَّ الماءَ إنْ كانَ بحالٍ يَخلُصُ بَعضُه إلى بَعضٍ، أي: يَتمازجُ الماءُ بَعضُه ببَعضٍ فهو قَليلٌ، وإنْ كانَ لا يَخلُصُ فهو كَثيرٌ.
فكلُّ ما لا يَخلُصُ بَعضُه إلى بَعضٍ فهو كَثيرٌ لا يُنجَّسُ بوُقوعِ النَّجاسةِ فيه، أي: لا يَتحركُ أحَدُ طَرفَيه بتَحرُّكِ الطَّرفِ الآخَرِ، وما يَخلُصُ بَعضُه إلى بَعضٍ فهو قَليلٌ يُنجَّسُ بوُقوعِ النَّجاسةِ فيه.
وحَدُّه بالمِساحةِ عَشرةُ أذرُعٍ في عَشرةِ أذرُعٍ؛ فإنْ كان دونَها فيُنجَّسُ وإنْ لم يَظهرْ أثَرُ النَّجاسةِ فيه، أو جاريًا وظهَرَ فيه أثَرُها.
والأثَرُ: طَعمٌ أو لَونٌ أو رِيحٌ؛ لأنَّها لا تَبقى مع الجَريانِ.
ولا بدَّ أنْ يَكونَ عُمقُه بحالٍ لا تَنكشِفُ أرضُه بالغَرفِ منه.
إلا أنَّ الحَنفيةَ اختَلَفوا في تَفسيرِ الخُلوصِ.
قالَ الكاسانِيُّ: اختَلَفوا في تَفسيرِ الخُلوصِ فاتَّفقَت الرِّواياتُ عن أَصحابِنا أنَّه يُعتبَرُ الخُلوصُ بالتَّحريكِ، وهو أنَّه إنْ كانَ بحالٍ لو حُركَ طَرفٌ منه يَتحركُ الطَّرفُ الآخَرُ فهو مما يَخلُصُ.
وإنَّما اختَلَفوا في جِهةِ التَّحريكِ، فرَوى أبو يُوسفَ عن أبي حَنيفةَ أنَّه يُعتبَرُ التَّحريكُ بالاغتِسالِ من غيرِ عُنفٍ، ورَوى مُحمدٌ عنه أنَّه يُعتبَرُ التَّحريكُ بالوُضوءِ، وفي رِوايةٍ باليَدِ من غيرِ اغتِسالٍ ولا وُضوءٍ.
أمَّا الغَديرُ العَظيمُ الذي لو حُركَ طَرفٌ منه لا يَتحركُ الطَّرفُ الآخَرُ إذا
[ ١ / ٢١٦ ]
وقَعَت في أحدِ جانبَيه نَجاسةٌ جازَ الوُضوءُ من الجانِبِ الآخَرِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ النَّجاسةَ لا تَصلُ إليه (^١).
واستدَلُّوا بما ورَدَ عن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا استَيقظَ أحدُكم من نَومِه فلا يَغمِسْ يَدَه في الإناءِ حتى يَغسلَها ثَلاثًا؛ فإنَّه لا يَدري أين باتَتْ يَدُه» (^٢).
قالوا: فلو كانَ ماءُ الإناءِ لا يُنجَّسُ بالغَمسِ لم يَكنْ للنَّهيِ -لوَهمِ النَّجاسةِ- مَعنًى، ومَعلومٌ أنَّ ماءَ الإناءِ إذا حرَّكَه آدَميٌّ من أحدِ طَرفَيْه سرَتِ الحَركةُ فيه إلى الطَّرفِ الآخَرِ.
وكذا الأخبارُ مُستفيضةٌ بالأمرِ بغَسلِ الإناءِ من وُلوغِ الكَلبِ مع أنَّه لا يَتغيَّرُ لَونُه ولا طَعمُه ولا رِيحُه (^٣).
القَولُ الثاني: وهو مَذهبُ الإمامِ مالِكٍ، ويَرى أنَّه إنْ تغيَّرَ لَونُه أو طَعمُه أو ريحُه فهو قَليلٌ، وإنْ لم يَتغيرْ فهو كَثيرٌ (^٤).
القَولُ الثالِثُ: وهو مَذهبُ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ أنَّ الماءَ إذا بلَغَ قُلَّتينِ فهو كَثيرٌ، وإلا فهو قَليلٌ.
واستدَلُّوا على هذا بما رَواه ابنُ عُمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ
_________________
(١) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٥٢، ٢٥٣)، و«مختصر القدوري» (١٣).
(٢) رواه مسلم (٨٧).
(٣) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٥١)، و«تحفة الفقهاء» (١/ ٥٦)، و«مختصر القدوري» (١٣).
(٤) «بداية المجتهد» (١/ ٤٦)، و«الشرح الكبير» (١/ ٧١).
[ ١ / ٢١٧ ]
سُئلَ عن الماءِ يَكونُ في الفَلاةِ من الأرضِ وما يَنوبُه من السِّباعِ والدَّوابِّ قالَ: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «إذا كانَ الماءُ قُلَّتينِ لم يَحملِ الخَبثَ» وفي رِوايةٍ: «لم يُنجسْه شَيءٌ» (^١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وتَحديدُه بالقُلَّتينِ يَدلُّ على أنَّ ما دونَهما يُنجَّسُ، إذ لو استَوى حُكمُ القُلَّتينِ وما دونَهما لم يَكُنِ التَّحديدُ مُفيدًا (^٢).
وقالَ الشِّيرازيُّ ﵀: ولأنَّ القُلَّتينِ يُمكنُ حِفظُهما من النَّجاسةِ في الظُّروفِ، والكَثيرُ لا يُمكنُ حِفظُه من النَّجاسةِ فنَجعلُ القُلَّتينِ حَدًّا فاصِلًا بينَهما (^٣).
تَنبيهٌ:
قالَ الحافِظُ ﵀: قَولُه: «لم يَحمِلِ الخَبَثَ» مَعناه: لم يُنجَّسْ بوُقوعِ النَّجاسةِ فيه، كما فُسرَ في الرِّوايةِ الأُخرى التي رَواها أبو داودَ وابنُ حِبانَ
_________________
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه النسائي (١/ ٤٦)، وأبو داود (٦٣، ٦٤)، والترمذي (٦٧)، وابن ماجه (٥١٧)، وأحمد (٢/ ٢٧)، والدارمي (٧٣١)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٢٢٤)، وقالَ: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، والبيهقي في «الكبير» (١/ ٢٦١)، والدارقطني (١/ ١٩، ٢٠)، وابن حبان صححه (١٢٤٥)، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٥٦)، وحسنه النووي في «المجموع» (٢/ ٧٠)، وقالَ الخطابيُّ: ويَكفي شاهِدًا على صحَّتِه أن نُجومَ أهلِ الحَديثِ صحَّحوه وقالوا به واعتَمدوه في تَحديدِ الماءِ وهم القُدوةُ وعليهم المُعولُ في هذا الباب. «المجموع» (٢/ ٧٦).
(٢) «المغني» (١/ ٥٢).
(٣) «المجموع» (٢/ ٧٠).
[ ١ / ٢١٨ ]
وغيرُهما: «إذا بلَغَ الماءُ قُلَّتينِ لم يَتنجَّسْ»، والتَّقديرُ: لم يَقبلِ النَّجاسةَ، بل يَدفعُها عن نَفسِه، ولو كانَ المَعنى: أنَّه يَضعُفُ عن حَملِه لم يَكنْ للتَّقيُّدِ للقُلَّتينِ مَعنًى ما دونَهما أَولى بذلك، وقيلَ: مَعناه: لا يَقبلُ حُكمَ النَّجاسةِ كما في قَولِه تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] أي: لم يَقبَلوا حُكمَها (^١).