مالِكُ بنُ أَنسٍ ﵀، نَجمُ السُّننِ، ووارِثُ العُلومِ النَّبويةِ، والسُّننِ المُصطَفويةِ، في مَدينةِ رَسولِ اللهِ ﷺ.
قالَ الإمامُ الذَّهبيُّ: قد كانَ هذا الإمامُ من الكُبراءِ والسُّعداءِ، والسادةِ العُلماءِ ذا حِشمةٍ وتَجمُّلٍ وعَبيدٍ، ودارٍ فاخِرةٍ، ونِعمةٍ ظاهِرةٍ، ورِفعةٍ في الدُّنيا والآخِرةِ، كانَ يَقبلُ الهَدايا، ويَأكلُ طَيبًّا ويَعملُ صالِحًا، وما أَحسَنَ قَولَ ابنِ المُبارَكِ فيه:
صَموتٌ إذا ما الصَّمتُ زيَّنَ أَهلَه … وفتَّاقُ أبَكارِ الكَلامِ المُختَّمِ
وَعى ما وَعى القُرآنُ من كلِّ حكمَةٍ … وسِيطَت له الآدابُ باللَّحمِ والدَّمِ (^١)
وقالَ أَبو مُصعبٍ: كانوا يَزدحِمونَ على بابِ مالِكٍ، حتى يُقتَتلوا من الزَّحمِ، وكُنا نَكونُ عندَه فلا يُكلِّمُ ذا ذا، ولا يَلتفِتُ ذا إِلى ذا، والناسُ قابِلونَ برُءوسِهم هكذا، وكانَت السَّلاطينُ تَهابُه، وهم قابِلونَ منه ومُستمِعونَ، وكانَ يَقولُ: لا ونَعم، ولا يُقالُ له: من أين قُلتَ هذا؟! (^٢).
وقالَ بعضُهم واصِفًا مالِكًا ﵀:
يَدعُ الجَوابَ ولا يُراجَعُ هَيبَةً … والسَّائلُونَ نَواكِسُ الأَذقانِ
نورُ الوَقارِ وعزُّ سُلطانِ التُّقى … فهُو المَهيبُ وليسَ ذا سُلطانِ
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ١٣٣)، وقوله: «وسِيطَت»، أي: مُزجَت.
(٢) «تاريخ الإسلام» (١١/ ٣٢٢).
[ ١ / ٣١ ]
والدَّارسُ لتَرجَمةِ الإمامِ يَقفُ على شيءٍ من أَسبابِ هذه الهَيبةِ وهذا القَبولِ، وقد أشَرْنا إلى شيءٍ من ذلك في غُضونِ التَّرجَمةِ، فمِن ذلك أنَّه كانَ كَثيرَ التَّعظيمِ لحَديثِ النَّبيِّ ﷺ، فإذا أَرادَ أن يُحدِّثَ اغتَسلَ، وتَطيَّبَ، وسرَّحَ لِحيتَه، وجلَسَ على منصَّةٍ، ولا يَزالُ يُبخرُ بالعودِ حتى يَفرغَ، ومَن أَعزَّ دِينَ الله أَعزَّه اللهُ، ومَن نصَرَ دِينَ اللهِ نصَرَه اللهُ، قالَ تعالَى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، ومِن ذلك قُوةُ حُجتِه في نَصرِ السُّنةِ، وشِدتُه على أَهلِ الأَهواءِ والبِدعةِ، ومن ذلك احتِااطُه في الرِّوايةِ؛ نُصرةً للشَّريعةِ، فلا يَروِي إلا عن ثِقةٍ، ولا يَروِي إلا عمَّن عُرفَ بالرِّوايةِ، وأنَّه من أَهلِ الحَديثِ، وهو الذي قالَ: لا يُؤخذُ العِلمُ عن أَربعةٍ: سَفيهٍ يُعلِنُ السَّفهَ، وإن كانَ أَروى الناسِ، وصاحبِ بِدعةٍ يَدعو إلى هَواه، ومَن يَكذِبُ في حَديثِ الناسِ، وإن كنتُ لا أَتَّهمُه في الحَديثِ، وصالحٍ عابدٍ فاضلٍ، إذا كانَ لا يَحفظُ ما يُحدِّثُ به (^١).
قالَ ابنُ أَبي حَاتمٍ: كانَ مالِكٌ ﵀ أولَ مَنْ انتَقى الرِّجالَ من الفُقهاءِ بالمَدينةِ، وأعرَضَ عمَّن ليسَ بثِقةٍ في الحَديثِ، ولم يَكنْ يَروِي إلا ما صحَّ، ولا يُحدِّثُ إلا عن ثِقةٍ، معَ الفقهِ والدِّينِ والفَضلِ والنُّسكِ (^٢).
بقِيَ أنْ تَعرِفَ أنَّ أَصحَّ الأَسانيدِ: مالِكٌ عن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ.
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٦٨، ٦٧).
(٢) «الثقات» لابن أبي حاتم (٧/ ٤٥٩).
[ ١ / ٣٢ ]
وأَصحُّ الكُتبِ المُصنَّفةِ في زَمانِه «موطَّأ» مالِكٍ، كما أَشارَ الشافِعيُّ ﵀، وذلك قبلَ تَصنيفِ «الصَّحيحَينِ»، واللهُ ﷿ يَغفِرُ لنا وله، ويُدخلُنا وإِياهُ جَنةً عاليةً قُطوفُها دانِيةً.