الطَّهارةُ واجِبةٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ، وإنَّها شَرطٌ في صِحةِ الصَّلاةِ لا تَصحُّ الصَّلاةُ فَرضًا أو نَفلًا بدونِها.
أمَّا الكِتابُ:
فقَولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].
وقَولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣].
وأمَّا السُّنةُ:
فقد دَلَّت الأَخبارُ الكَثيرةُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ على وُجوبِ فَرضِ الطَّهارةِ للصَّلاةِ وعلى أنَّها شَرطٌ لصِحةِ الصَّلاةِ.
_________________
(١) «كفاية الأخيار» (٥٢).
(٢) «المغني مع الشرح» (١/ ٢٩)، و«كشاف القناع» (١/ ٢٤).
[ ١ / ١٧٧ ]
فمِن ذلك قَولُه: «لا يَقبَلُ اللهُ صَلاةً بغَيرِ طُهورٍ» (^١).
قالَ النَّوويُّ: هذا الحَديثُ نَصٌّ في وُجوبِ الطَّهارةِ للصَّلاةِ (^٢).
وأمَّا الإِجماعُ:
فقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الصَّلاةَ لا تُجزئُ إلا بطَهارةٍ إذا وجَدَ المَرءُ إليها السَّبيلَ (^٣).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: وقد أجمَعَت الأُمةُ على أنَّ الطَّهارةَ شَرطٌ في صِحةِ الصَّلاةِ.
قالَ القاضِي عِياضٌ: واختَلَفوا متى فُرضَت الطَّهارةُ للصَّلاةِ، فذهَبَ ابنُ الجَهمِ إلى أنَّ الوُضوءَ في أولِ الإِسلامِ كانَ سُنةً ثم نزَلَ فَرضُه في آيةِ التَّيممِ، قالَ الجُمهورُ: بل كانَ قبلَ ذلك فَرضًا، قالَ: واختَلَفوا في أنَّ الوُضوءَ فَرضٌ على كلِّ قائِمٍ إلى الصَّلاةِ أو على المُحدِثِ خاصةً، فذهَبَ ذاهِبونَ من السَّلفِ إلى أنَّ الوُضوءَ لكلِّ صَلاةٍ فَرضٌ، بدَليلِ قَولِه تَعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] الآيةَ، وذهَبَ قَومٌ إلى أنَّ ذلك قد كانَ ثم نُسخَ، وقيلَ: الأمرُ به لكلِّ صَلاةٍ على النَّدبِ، وقيلَ: بل لم يُشرعْ إلا لمَن أحدَثَ ولكنَّ تَجديدَه لكلِّ صَلاةٍ مُستحَبٌّ، وعلى هذا أجمَعَ أهلُ
_________________
(١) مسلم (٢٢٤).
(٢) «شرح صحيح مسلم» للنووي (٣/ ٨٤).
(٣) «الإجماع» (١٩)، و«الأوسط» (١/ ١٠٩)، ونقله أيضًا ابن هبيرة في «الإفصاح» (١/ ٣٥).
[ ١ / ١٧٨ ]
الفَتوى بعدَ ذلك، ولم يَبقَ بينَهم فيه خِلافٌ، ومَعنى الآيةِ عندَهم: إذا كُنْتُمْ مُحدِثينَ. هذا كَلامُ القاضِي ﵀.
وأجمَعَت الأُمةُ على تَحريمِ الصَّلاةِ بغَيرِ طَهارةٍ من ماءٍ أو تُرابٍ ولا فَرقَ بينَ الصَّلاةِ المَفروضةِ والنافِلةِ وسُجودِ التِّلاوةِ وسُجودِ الشُّكرِ وصَلاةِ الجِنازةِ إلا ما حَكى عن الشَّعبيِّ ومُحمدِ بنِ جَريرٍ الطَّبريِّ من قَولِهما: تَجوزُ صَلاةُ الجِنازةِ بغيرِ طَهارةٍ، وهذا مَذهبٌ باطِلٌ وأجمَعَ العُلماءُ على خِلافِه.
ولو صلَّى مُحدِثًا مُتعمِّدًا بلا عُذرٍ أثِمَ ولا يَكفرُ عندَنا وعندَ الجَماهيرِ، وحَكى عن أبي حَنيفةَ ﵀ أنَّه يَكفرُ لتَلاعبِه، ودَليلُنا أنَّ الكُفرَ للاعتِقادِ، وهذا المُصلِّي اعتِقادُه صَحيحٌ، وهذا كلُّه إذا لم يَكنْ للمُصلِّي مُحدِثًا عُذرٌ (^١).
_________________
(١) «شرح صحيح مسلم» (٣/ ١٠٢، ١٠٣).
[ ١ / ١٧٩ ]