بعدَ عَرضِنا لأَسبابِ اختِلافِ الفُقهاءِ نَلحَظُ الأُمورَ الآتيةَ:
أولًا: أنَّ اختِلافَهم ﵏ لم يَكنْ ناشِئًا عن هَوًى في نُفوسِهم أو لتَحقيقِ رَغباتٍ شَخصيةٍ، أو مَنافعَ ماديةٍ، وإنَّما كانَ ناشِئًا عن دَليلٍ استنَدَ إليه كلٌّ منهم فيما ذهَبَ إليه، أو بِناءً على فَهمٍ مُعيَّنٍ اقتنَعَ به كلٌّ منهم، واعتمَدَ عليه، ما دام هذا الفَهمُ لا يَتعارضُ مع كِتابِ اللهِ تَعالى وسُنةِ نَبيِّه ﷺ وما اجتمَعَت عليه الأُمةُ. وهذا ما يَلحَظُه كلُّ قارِئٍ لأَسبابِ اختِلافِهم.
ثانيًا: أنَّ الاختِلافَ في ذاتِه ليسَ عَيبًا إذا كانَ قائِمًا على دَليلٍ وفَهمٍ صَحيحٍ، فقد اختَلفَ الصَّحابةُ ﵃ في كَثيرٍ من اجتِهادِهم مع قُربِهم من زَمنِ النُّبوةِ ونُزولِ الوَحيِ على مُحمدٍ ﷺ، الذي فتَحَ لهم البابَ للاختِلافِ وتَعدُّدِ الآراءِ، بل عد اختِلافَ الأُمةِ رَحمةً من اللهِ تَعالى.
ومَظهرُ الرَّحمةِ في الاختِلافِ هو وُجودُ أكثَرَ من رَأيٍ في المَسألةِ، وأكثَرَ من حَلٍّ للقَضيةِ الواحِدةِ فيَتخيَّرُ المُسلمُ أو وَليُّ الأمرِ منها ما يُحقِّقُ
[ ١ / ١٥٦ ]
مَصلحةً أكثَرَ من غيرِه وما يَكونُ أقرَبَ إلى كِتابِ اللهِ تَعالى وسُنةِ نَبيِّه ﷺ وما أجمَعَت عليه الأُمةُ.
وقد قالَ القاسِمُ بنُ مُحمدٍ ﵀: لقد وسَّعَ اللهُ على الناسِ باختِلافِ أَصحابِ مُحمدٍ ﷺ، أيَّ ذلك أخَذتُ لم يَكُنْ في نَفسي منه شَيءٌ (^١).
وقالَ عُمرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ ﵀: ما أُحبُّ أنَّ أَصحابَ مُحمدٍ ﷺ لم يَختلِفوا؛ لأنَّه لو كانَ قَولًا واحِدًا كانَ الناسُ في ضِيقٍ، وإنَّهم أئِمةٌ يُقتَدى بهم، وإذا أخَذَ الرَّجلُ بقَولِ أحدِهم كانَ في سَعةٍ (^٢).
ثالثًا: أنَّ الفُقهاءَ وأئِمةَ المَذاهبِ حين يَختلِفونَ في قَضيةٍ أو مَسألةٍ مُعيَّنةٍ ويَكونُ لكلٍّ منهم رأيُه الخاصُّ به لم يَكونوا يَتعصَّبونَ لآرائِهم، بل وكانوا يُحذِّرونَ تَلاميذَهم من التَّعصُّبِ لآرائِهم أو تَقديسِ أَقوالِهم فقد رُويَ عن الإِمامِ أبي حَنيفةَ قَولُه: «رَأيُنا صَوابٌ يَحتملُ الخَطأَ، ورَأيُ غيرِنا خَطأٌ يَحتملُ الصَّوابَ» كما رُويَ عن الإِمامِ مالِكٍ قَولُه: «كلُّ أحدٍ يُؤخذُ من قَولِه ويُردُّ إلا قَولَ صاحِبِ هذه الرَّوضةِ» يَقصدُ الرَّسولَ ﷺ.
ورُويَ عن الإِمامِ الشافِعيِّ قَولُه: «إذا صَحَّ الحَديثُ فاضرِبوا بقَولي عُرضَ الحائِطِ» أي: جانِبَه.
_________________
(١) «الفقيه والمتفقه» (٢/ ١١٦) للخطيب البغدادي، و«الاعتصام» (٢/ ١٧٠) للشاطبي، و«إجمال الإصابة» (٨٠).
(٢) «إجمال الإصابة» ص (٨٠).
[ ١ / ١٥٧ ]
ورُويَ عن الإِمامِ أَحمدَ قَولُه: «هذا كِتابُ اللهِ وهذه سُنةُ رَسولِ اللهِ ﷺ ولا مَقالَ لأحدٍ بعدَ اللهِ ورَسولِه».
وجاءَ في كِتابِ «حُجة اللهِ البالِغة» للدَّهلَويِّ نَقلًا عن الإِمامِ السُّيوطيِّ: أنَّ الخَليفةَ المَنصورَ لمَّا حَجَّ والتَقى مع الإِمامِ مالِكٍ قالَ له: عزَمتُ أنْ آمُرَ بكُتبِك هذه التي صنَّفتَها فتُنسَخَ ثم أبعَثَ في كلِّ مَصرٍ من أَمصارِ المُسلِمينَ منها نُسخةً، وآمُرَهم بأنْ يَعمَلوا بما فيها ولا يَتعدَّوْه إلى غيرِه، فقالَ مالِكٌ: يا أَميرَ المُؤمنينَ لا تَفعَلْ هذا، فإنَّ الناسَ قد سبَقَت إليهم أَقاويلُ وسمِعوا الحَديثَ ورَوَوْا رِواياتٍ فأخَذَ كلُّ قَومٍ بما سبَقَ إليهم من اختِلافِ الناسِ، فدَعِ الناسَ وما اختارَ كلُّ بَلدٍ منهم لأنفُسِهم.
وقيلَ: إنَّ الذي فعَلَ ذلك مع الإمامِ مالِكٍ هو هارونُ الرَّشيدُ، وشاوَرَ مالِكًا في أنْ يُعلِّقَ كِتابَ المُوطَّأِ في الكَعبةِ ويَحملَ الناسَ على العَملِ بما فيه، فرفَضَ مالِكٌ ذلك، ورُبَّما يَكونُ هذا الأمرُ قد حدَثَ مَرتَينِ: مَرةً من الخَليفةِ المَنصورِ ومَرةً أُخرى من الخَليفةِ هارونَ الرَّشيدِ (^١).
وأيًّا كانَ الذي فعَلَ ذلك وطلَبَه من الإمامِ مالِكٍ فهو يَدلُّ على تَواضُعِ مالِكٍ وعَدمِ تَعصُّبِه لآرائِه وتَقديرِه لآراءِ غيرِه من الفُقهاءِ حتى إنِ اختَلفَ مع آرائِه.
_________________
(١) «حجة الله البالغة» (١/ ٣٠٧)، ونقَلَ ذلك أيضًا ابنُ عبدِ البَرِّ في «جامع بيان العلم وفضله» (١/ ١٣٢)، والذهبيُّ في «السير» (٨/ ٧٨).
[ ١ / ١٥٨ ]
وهكذا كانَ مَسلكُ الفُقهاءِ والأئِمةِ من السَّلفِ الصالِحِ ﵃ عندَما كانوا يَختلِفونَ في حُكمِ القَضايا والمَسائلِ الاجتِهاديةِ يُقدِّرُ بعضُهم بعضًا ولا يَتعصَّبونَ لآرائِهم، بل يَعمَلونَ بما اتَّفَقوا عليه، ويَعذِرُ بعضُهم بعضًا فيما اختَلَفوا فيه.
يَقولُ الدُّكتورُ البيانونِيُّ في كِتابِه القَيِّمِ «الاختِلافات العِلمية»: قد اقتَضَت حِكمةُ الشارِعِ أنْ يَأتِيَ الدَّليلُ الشَّرعيُّ صَريحًا قاطِعًا في أُمَّهاتِ المَسائلِ الشَّرعيةِ، والأُصولِ العِلميةِ؛ دَرءًا لمَفسدةِ الخِلافِ فيها، والافتِراقِ حَولَها، وأنْ يَأتِيَ الدَّليلُ الشَّرعيُّ غالِبًا مُحتمَلًا ظَنيًّا في المَسائلِ الفَرعيةِ، والفُروعِ العَمليةِ، تَحقيقًا لمَصلحةِ إِعمالِ الرأيِ والاجتِهادِ فيها.
وفي بَيانِ هذه الحَقيقةِ يَقولُ الإِمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: وأكثَرُ افتِراقِ أهلِ السُّنةِ في الفُتيا، ونُبذٍ يَسيرةٍ في الاعتِقاداتِ (^١).
ويَقولُ الإِمامُ المَحلَّاويُّ في كِتابِه «تَسهيل الوُصولِ» نَقلًا عن الإِمامِ الزَّركَشيِّ ﵀: اعلَمْ أنَّ اللهَ تَعالى لم يَنصِبْ على جَميعِ الأَحكامِ الشَّرعيةِ أدِلةً قاطِعةً، بل جعَلَها ظَنيَّةً قَصدًا للتَّوسيعِ على المُكلَّفينَ لئلَّا يَنحصِروا في مَذهبٍ واحِدٍ لقيامِ الدَّليلِ القاطِعِ.
وذلك لأنَّ اللهَ بحِكمتِه جعَلَ مُعظمَ أدِلةِ العَقيدةِ صَريحةَ الدِّلالةِ على المُرادِ منها، وهو مَا يُقلِّلُ ويُضيِّقُ مَيدانَ الاجتِهادِ فيها، خِلافًا لأدِلةِ الفِقهِ،
_________________
(١) «الفصل في الملل والنحل» (٢/ ٨٨)، وانظُرْ: «فتح الباري» (١٣/ ٣٤٦).
[ ١ / ١٥٩ ]
فإنَّه جعَلَ مُعظمَها ظَنيًّا مُحتمِلًا للمَعاني والأَقوالِ المُتعدِّدةِ، لمَا اقتَضَته طَبيعةُ الحَياةِ العَمليةِ من خِلافٍ وسَعةٍ في الجُزئياتِ (^١).
ويَقولُ الإِمامُ ابنُ تَيميةَ ﵀ في الفَتاوى: واتَّفَق الصَّحابةُ في مَسائلَ تَنازَعوا فيها على إِقرارِ كلِّ فَريقٍ للفَريقِ الآخَرِ، على العَملِ باجتِهادِهم، كمَسائلَ في العِباداتِ والمَناكحِ والمَواريثِ والعَطاءِ والسِّياسةِ وغيرِ ذلك. ثم قالَ: وهذه المَسائلُ منها أحدُ القَولَينِ خَطأٌ، ومنها المُصيبُ في الأمرِ نَفسِه.
واحدٌ عندَ الجُمهورِ أَتباعِ السَّلفِ، والآخَرُ مُؤدٍّ لمَا وجَبَ عليه بحُسنِ قُوةِ إِدراكِه، ومن الناسِ مَنْ يَجعلُ الجَميعَ مُصيبِينَ، ومَذهبُ أهلِ السُّنةِ والجَماعةِ أنَّه لا إثمَ على من اجتَهدَ، وإنْ أخطَأَ (^٢).
يَتبيَّنُ أنَّ مَيدانَ الاختِلافِ العِلميِّ بينَ العُلماءِ هو الأدِلةُ الظَّنيةُ، إذْ أخَذَ كلٌّ منهم بما ارتَضاه ووصَلَ إليه اجتِهادُه، مع احتِرامِهم لأَداءِ الآخَرينَ ولو كانوا مُخطِئينَ في اجتِهادِهم، وقالَ سُفيانُ الثَّوريُّ ﵀: ما اختَلفَ فيه الفُقهاءُ فلا أنهَى أحدًا من إِخواني أنْ يأخُذَ به (^٣).
ويَقولُ الدُّكتورُ البيانونِيُّ: ذلك لأنَّ مِحورَ الخِلافِ قائِمٌ على طَبيعةِ دَليلِ المَسألةِ العِلميةِ، من قَطعيةٍ أو ظَنيةٍ، فما كانَ دَليلُها قَطعيًّا ثُبوتًا ودِلالةً،
_________________
(١) انظُرْ: «البحر المحيط» (٤/ ٤٠٦) للزركشي، و«إرشاد الفحول» (١/ ٤٥٥) للشوكانِيِّ.
(٢) «مجموع الفتاوى» (١٩/ ١٢٢، ١٢٣).
(٣) «الفقيه والمتفقه» (٢/ ١٣٥).
[ ١ / ١٦٠ ]
لم يَجرِ فيه الخِلافُ أبَدًا، وما كانَ دَليلُها ظَنيًّا ثُبوتًا ودِلالةً، أو ظَنيًّا في أحدِهما، جَرى فيها الخِلافُ، وهو مَقبولٌ من صاحِبِه أَصابَ فيه أو أَخطأَ، ما دامَ صادِرًا عن أهلِ العِلمِ والاجتِهادِ في المَسألةِ.
ويَقولُ: اقتَضَت حِكمةُ اللهِ تَعالى في شَرعِه أنْ يَكونَ كَثيرٌ من نُصوصِ القُرآنِ والسُّنةِ مُحتمِلةً لأكثَرَ من مَعنًى واحِدٍ، إذ أُنْزِلَ القُرآنُ الكَريمُ بلِسانٍ عَربيٍّ مُبينٍ، واحتِمالُ الأَلفاظِ في اللُّغةِ العَربيةِ أمرٌ مُسلَّمٌ به، وهو ما تَمتازُ به لُغتُنا عن اللُّغاتِ الأُخرَى، كما اقتَضَت حِكمتُه في خَلقِه أنْ يَجعلَهم مُتفاوِتينَ في عُقولِهم ومَدارِكِهم ليَكونَ مَيدانُ التَّفاضلِ والتَّمايزِ بالعِلمِ والعَقلِ.
ولا يَشكُّ عاقِلٌ في أنَّ هذَين الأَصلَينِ إنَّما يُؤدِّيانِ إلى نَتيجةٍ حَتميةٍ بَدَهيةٍ وهي الاختِلافُ في الآراءِ والأَحكامِ، فهي طِبقًا للمُعادلةِ:
«نُصوصٌ مُحتمَلةٌ» + «عُقولٌ وأَفهامٌ مُتفاوِتةٌ» = «آراءٌ مُختلِفةٌ» (^١).
_________________
(١) «أسباب اختلاف الفقهاء» المؤلف أ. د. مَحمود بِلال مَهران.
[ ١ / ١٦١ ]