مُتقبَّلًا وسَعيَهم مَشكورًا، ولم تَزلِ الأَئمةُ الأَعلامُ -قَديمًا وحَديثًا- كلٌّ منهم مُذعِنٌ لفَضلِهم، ومُشتغِلٌ بقِراءةِ كُتبِهم.
من أجلِ ذلك قُمتُ بتَأليفِ كِتابي هذا «مَوسوعةُ الفقهِ على المَذاهبِ الأَربعةِ»، جمَعتُ فيه أَقوالَ المَذاهبِ الأَربعةِ بدءًا من الأَئمةِ إلى كلِّ عُلماءِ المَذاهبِ مِنْ المُتقدِّمينَ والمُتأخرِّينَ، وكانَ عمَلي في هذا الكِتابِ (بعدَ تَرجمةٍ عن الأَئمةِ الأَربعةِ ومُقدمةٍ ذكَرتُ فيها أَسبابَ اختِلافِهم، وهل الحقُّ واحدٌ أو كلٌّ مُجتهدٌ مُصيبٌ) ما يلي:
أولًا: أَجمعُ أَقوالَ المَذاهبِ الأَربعةِ في كلِّ مَسألةٍ.
ثانيًا: أَذكرُ الأَدلةَ التي استَدلُّوا بها سواءٌ أكانَت صَحيحةً أم ضَعيفةً، وسواءٌ من جهةِ النصِّ -قُرآنًا وسُنةً- أو مِنْ جِهةِ القِياسِ أو مِنْ غيرِها.
ثالثًا: أَذكرُ جَميعَ الأَقوالِ في كلِّ مَذهبٍ: الراجحَ والمَرجوحَ والمَشهورَ وغيرَ المَشهورِ في المَذهبِ، وكذلك الرِّواياتِ عن الإِمامِ الواحدِ أَذكرُها وأُبيِّنُ مَنْ اختارَها مِنْ أَصحابِه.
رابعًا: أَذكرُ المَصادرَ التي وَقفْتُ عليها ونقَلتُ منها أَقوالَ العُلماءِ في الهامشِ.
خامسًا: اعتَمدتُ على أَقوالِ كلِّ مَذهبٍ من كُتبِ المَذهبِ نفسِه، سواءٌ المُتقدِّمينَ منهم أم المُتأخِّرينَ.
[ ١ / ٨ ]
سادسًا: أُبيِّنُ الصَّحيحَ والمُعتمَدَ والمَشهورَ في كلِّ مَذهبٍ في كلِّ مَسألةٍ وكذا الأَقوالُ الأُخرَى غيرُ المُعتمَدةِ والصَّحيحةِ في كلِّ مَذهبٍ، ولا أُرجِّحُ المَسألةَ تَرجيحًا من عِندي وإنما أُبيِّنُ الراجِحَ والمُعتمَدَ في المَذاهبِ.
سابعًا: أَقومُ بتَخريجِ الأَحاديثِ التي استدَلّوا بها وأُبيِّنُ صَحيحَها من سَقيمِها.
ثامنًا: أَعتمِدُ على كَلامِ الشيخِ الأَلبانِيِّ ﵀ في الأَحاديثِ التي خارجَ الصَّحيحَينِ صِحةً وضَعفًا في جُلِّ الكِتابِ إن لم يَكنْ في كلِّه؛ لكيْ يَكونَ الكِتابُ على وَتيرةٍ واحِدةٍ؛ فكلُّ حَديثٍ قُلتُ فيه: صَحيحٌ أو ضَعيفٌ أو حَسنٌ أو أيُّ حُكمٍ عليه فجُلُّه على أَحكامِ الشيخِ الأَلبانِيِّ ﵀، والسَّببُ الذي جعَلَني أَعتمِدُ على تَحقيقِ الشيخِ الأَلبانِيِّ دونَ غيرِه أنه الوَحيدُ الذي له حُكمٌ على أَغلبِ أَحاديثِ الأَحكامِ؛ لتَحقيقِه السُّننَ الأَربعةَ التي عليها مَدارُ الأَحكامِ بعدَ الصَّحيحَينِ، ولأنِّي لمَّا قُمتُ في البِدايةِ بتَحقيقِ الأَحاديثِ بنَفسِي تَوسَّعَ الأمرُ جدًّا فوجَدْت أنَّ المَوسوعةَ ستَكونُ ضِعفَ ما هي عليه الآنَ وستَخرجُ عما وُضعَت له من بَيانِ الأَحكامِ الفِقهيةِ لا الحَديثيةِ.
وفي الخِتامِ .. يَعلمُ اللهُ أنِّي قد اجتهَدتُ في هذا الكِتابِ قدرَ استِطاعَتي وشمَّرتُ عن ساعدِ الاجتِهادِ، وطلَبتُ من اللهِ المَعونةَ والسَّدادَ، والهِدايةَ إلى سَبيلِ الرَّشادِ، وأَستَغفرُ اللهَ تَعالَى عما يَقعُ لي من الخَللِ في بعضِ المَسائلِ، فإنَّ الإِنسانَ مَحلُّ النِّسيانِ، وأَسألُ مَنْ وقَفَ عليه أن يستُرَ زلَلي؛
[ ١ / ٩ ]
فإنَّ بِضاعَتي مُزجاةٌ، ولستُ من أهلِ هذا المَيدانِ، ولكنِّي مُتطفِّلٌ على ذلك، لستُ من فُرسانِ تلك المَسالكِ، وإنِّي أَسألُه تَعالى أنْ يَعفوَ مِنْ صَحائفِنا ما زلَّ به البَنانُ، أو أَخلَّ به البَيانُ، وأنْ يَتقبَّلَ مِنا ما سطَّرْناه، وأنْ يجعَلَه حُجةً لنا لا حُجةً علينا حتى نَتمَنى أنَّنا ما كتَبْناه وما قرَأْناه، اللَّهمَّ يا مُحوِّلَ الأَحوالِ حوِّلْ حالَنا إلى أَحسنِ حالٍ بحَولِك وقُوتِك يا عَزيزُ يا مُتعالِ.
وقد انتهَيْت من هذه المَوسوعةِ في أوَّلِ العَشرِ من ذي الحِجةِ لِلعامِ ١٤٤٣ من هِجرةِ سَيدِ الأَنامِ مُحمدِ بنِ عبدِ اللهِ ﷺ، المُوافقِ ٣٠/ ٦/ ٢٠٢٢ من مِيلادِ المَسيحِ عليه وعلى نَبيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنا في هذا الوَقتِ لم أَبلغِ الأربَعينَ من عمُرِي؛ فقد بدَأتُ في هذه المَوسوعةِ في بلَدي «مصرَ» مُحافظةِ «دِمياط» الحَبيبةِ وأنا ابنُ الرَّابعةِ والعِشرينَ، وانتَهيتُ منها في بلَدي الثانِي «تُركيا» في مَدينةِ «إِسطَنبول» وأنا في نِهايةِ عقدِي الرابِعِ ومُشرِفٌ على الأربَعينَ من عمُرِي، فاستَغرَقَت مني ما يَقرُبُ من ستةَ عشرَ عامًا، مرَرَت فيها بكلِّ ما يَتخيَّلُه الإِنسانُ وما لا يَتخيَّلُه، من مَشقَّةٍ وتَعبٍ، وسهَرِ اللَّيالي الطِّوالِ، ومن فقرٍ وبُعدٍ عن الأهلِ والأَوطانِ، والانتِقالِ من مَكتبةٍ لأُخرَى ومن مَكانٍ لآخرَ، فله الحَمدُ على أن أَكرمَني بإِتمامِها على أَكملِ وجهٍ فهو وحدَه العالِمُ كيف حبَّرْتُها تَحبيرًا، وكيف تعِبتُ فيها حتى تَخرجَ مُتقنَةً غايةَ الإِتقانِ في نَقلِ المَذاهبِ والمُعتمَدِ منها وغيرِ المُعتمَدِ، معَ
[ ١ / ١٠ ]
سُهولةِ العِبارةِ والتَّفنُّنِ في كَيفيةِ عرضِ المَسألةِ بحيثُ تَسهُلُ على طالبِ العِلمِ الاستِفادةُ منها، فأنا أَعلمُ ما يُعانِيه من كُتبِ الفقهِ المُقارَنِ مِنْ صُعوبةٍ وسُوءِ عَرضٍ، فأَسألُه ﷾ أن يُباركَ في عمُرِي، وأن يَنفعَ بهذه المَوسوعةِ العِبادَ في عامَّةِ البِلادِ، وأن يَسلُكَ بي سَبيلَ الرَّشادِ، وأن يُلهِمَني التَّوفيقَ والسَّدادَ.
هذا وصَلِّ اللهُمَّ وسلِّمْ على سَيدِنا مُحمدٍ سَيدِ الأَنامِ، وعلى آلِه وأَصحابِه البَررةِ الكِرامِ، وأَتباعِه إلى مُنتهَى الإِسلامِ.
كتَبَه
ابنُ النَّجارِ الدِّمياطِيّ
أَبو عَمارٍ يَاسرُ بنُ أَحمدَ بنِ بَدرِ بنِ النَّجارِ
٠٠٩٠٥٣٨٩١٠٨٤٣٢
yasserbadr29@gmail.com
Yasserbadr40@yahoo.com
[ ١ / ١١ ]