الحَمدُ للهِ مُسبِغِ النِّعمِ، ومُسوِّغِ القِسَمِ، والمُنفرِدِ بالقِدمِ وبارِئِ النَّسَمِ، ومُوجِدِنا بعدَ العَدمِ، وباعِثِ العِظامِ الهامِدةِ والرِّممِ، والمُخالِفِ بينَ الهَيئاتِ والشِّيمِ، حِكَمُه تاهَت في فَهمِها عُقولُ ذَوي الحِكمِ، خلَقَ الأَجسامَ من أَضدادٍ مُتَنافِرةٍ ابتَدَعها بقُدرتِه، وألَّفَ نَقائِضَها بحِكمتِه، حتى أبرَزَها للعَيانِ مُتغايرةَ الصُّورِ والألوانِ، مُتقنةَ الأَشكالِ، مُخترعةً على غيرِ مِثالٍ، وخالَفَ بينَ الآراءِ والاعتِقاداتِ، كما خالَفَ بينَ الصُّورِ والهَيئاتِ، وأخبَرَنا بما في ذلك من واضِحٍ فقالَ تَعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)﴾ [الروم: ٢٢] وقالَ ﷻ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩].
وبيَّنَ لنا أنَّه قَديرٌ على غيرِ ما أجرَى العادةَ به فقالَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥].
ونبَّهَنا ألطَفَ تَنبيهٍ على ما في هذا الخِلافِ المَوجودِ في البَشرِ، المَركوزِ في الفِطَرِ، من الحِكمةِ البالِغةِ، وأنَّه جعَلَه إحدَى الدَّلائلِ على صِحةِ البَعثِ
[ ١ / ١٢٣ ]
الذي أنكَرَه مَنْ ألحَدَ في أَسمائِه، وكفَرَ بسَوابغِ نَعمائِه، فقالَ -وقَولُه الحَقُّ ووَعدُه الصِّدقُ-: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾ [النحل: ٣٨، ٣٩] وهذه الآيةُ ممَّا تَضمَّنَه القُرآنُ الكريمُ من الأدِلةِ البُرهانيةِ على صِحةِ البَعثِ.
ووَجهُ البُرهانِ المُنفِكِّ من هذه الآيةِ التي لا يَقدُرُها حَقَّ قَدرِها إلا العالِمونَ، ولا يَنتبِهُ لغامِضِ سِرِّها إلا المُستبصِرونَ، أنَّ اختِلافَ الناسِ في الحَقِّ لا يُوجِبُ اختِلافَ الحَقِّ في نَفسِه وإنَّما تَختلِفُ الطُّرقُ المُوصِّلةُ إليه، والقياساتُ المُركَّبةُ عليه، والحَقُّ في نَفسِه واحِدٌ.
فلمَّا ثبَتَ أنَّ ههنا حَقيقةً مَوجودةً لا مَحالةَ، وكانَ لا سَبيلَ لنا في حَياتِنا هذه إلى الوُقوفِ عليها وُقوفًا يُوجِبُ لنا الائتِلافَ، ويَرفعُ عنَّا الاختِلافَ، إذْ كانَ الاختِلافُ مَركوزًا في فِطَرِنا، مَطبوعًا في خِلَقِنا، وكانَ لا يُمكِنُ ارتِفاعُه وزَوالُه، إلا بارتِفاعِ هذه الخِلقةِ، ونَقلِنا إلى جِبلَّةٍ غيرِ هذه الجِبلَّةِ، صَحَّ ضَرورةً أنَّ لنا حَياةً أُخرى غيرَ هذه الحياةِ فيها يَرتفعُ الخِلافُ والعِنادُ وتَزولُ من صُدورِنا الضَّغائنُ الكامِنةُ، والأَحقادُ، وهذه هي الحالُ التي وعَدَنا اللهُ تَعالى بالمَصيرِ إليها فقالَ تَعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. ولا بدَّ من كَونِ ذلك باضطِرارٍ، إذْ كانَ وُجودُ الاختِلافِ يَقتَضي وُجودَ الائتِلافِ؛ لأنَّه ضَربٌ ونَوعٌ من المُضافِ، وكانَ لا بُدَّ من حَقيقةٍ، وإنْ لم نَقُلْ ذلك صِرْنا إلى مَذهبِ السُّوفِسطائيةِ
[ ١ / ١٢٤ ]
في نَفيِ الحَقائقِ، فقد صارَ الخِلافُ المَوجودُ في العالَمِ كما تَرى أوضَحَ الدَّلائلِ على كَونِ البَعثِ الذي يُنكِرُه المُنكِرونَ، ويُنازِعُ فيه المُلحِدونَ الكافِرونَ.
فسُبحانَ مَنْ أودَعَ كِتابَه الكريمَ تَصريحًا وتَلويحًا، كلَّ لَطيفةٍ لمَن قَدَرَه حَقَّ قَدرِه، ووُفِّقَ لفَهمِ غَوامِضِ سِرِّه.
وليس غَرضي من هذا المَوضوعِ أنْ أَتكلَّمَ في الأَسبابِ التي أوجَبَت الخِلافَ الأعظَمَ بينَ مَنْ سلَفَ وخلَفَ من الأُممِ، وإنَّما غَرضي أنْ أذكُرَ الأَسبابَ التي أوجَبَت الخِلافَ بينَ أهلِ مِلَّتِنا الحَنيفيةِ التي جعَلَنا اللهُ تَعالى من أَهلِها، وهَدانا إلى واضِحِ سُبلِها، حتى صارَ من فُقهائِهم الحَنفيُّ المالِكيُّ والشافِعيُّ والحَنبليُّ ومن ذَوي مَقالاتِهم، ولا غَرضي أيضًا أنْ أَحصُرَ أَصنافَ المَذاهبِ والآراءِ وأُناقضَ ذَوي البِدعِ المُضلِّلةِ والأَهواءِ؛ لأنَّ هذا الفَنَّ من العِلمِ قد سبقَ إليه ونبهَ في مَواضِعَ كَثيرةٍ عليه، وإنَّما غَرضي أنْ أُنبِّهَ على المَواضعِ التي منها نشَأَ الخِلافُ بينَ العُلماءِ حتى تَبايَنوا في المَذاهبِ والآراءِ (^١).
لأنَّ مَعرفةَ أَسبابِ اختِلافِ الفُقهاءِ من أهَمِّ المَسائلِ التي تَدفعُ الشُّكوكَ عن المَذاهبِ الفِقهيةِ، وتُوقِفُ العالِمَ وطالِبَ العِلمِ على مَسالِكِ الأئِمةِ في الاجتِهادِ والمُوازنةِ بينَها، ولتَطمئنَّ النَّفسُ إلى ما تَميلُ إليه من الأَحكامِ الشَّرعيةِ، وكما قالَ الإِمامُ أبو عَمرِو بنُ عبدِ البَرِّ ﵀:
_________________
(١) يُنظرُ: «الإنصاف» للبطليوسي ص (٢٥، ٣٢).
[ ١ / ١٢٥ ]
والواجِبُ عندَ اختِلافِ العُلماءِ طَلبُ الدَّليلِ من الكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ والقياسِ على الأُصولِ منها، وذلك لا يُعدَمُ، فإنِ استَوَت الأدِلةُ وجَبَ المَيلُ مع الأَشبهِ بما ذكَرنا بالكِتابِ والسُّنةِ، فإذا لم يَبِنْ ذلك وجَبَ التَّوقُّفُ ولم يَجُزِ القَطعُ إلا بيَقينٍ (^١).
ولم أجِدْ فيما وقَفتُ عليه من كَلامٍ أحسَنَ ولا أجمَلَ ولا أدَقَّ من كَلامِ شَيخِ الإِسلامِ أَحمدَ بنِ عَبدِ الحَليمِ، ابنِ تَيميةَ ﵀ في هذا المَوضوعِ في رِسالتِه الماتِعةِ «رَفع المَلام عن الأئِمةِ الأَعلامِ» التي تكلَّمَ فيها بكَلامٍ هو غايةٌ في النَّفاسةِ في هذا البابِ، وكيف استَطاعَ ﵀ أنْ يُوقِفَنا على أهَمِّ هذه الأَسبابِ بمُنتَهى السُّهولةِ والسَّلاسةِ، وأنا أحبَبتُ أنْ أذكُرَ كَلامَه هنا؛ ليَسترشدَ به طَلبةُ العِلمِ وغيرُهم من أهلِ الحَقِّ، حتى لا يُساءَ إلى بَعضِهم بدونِ عِلمٍ خُصوصًا في أَيامِنا هذه، التي شَنَّ فيها العِلمانِيونَ واللِّبرالِيونَ وغيرُهم حَربًا عليهم وعلى الدِّينِ، وأَساؤُوا إلى العُلماءِ الرَّبانيِّينَ من الأئِمةِ المَهديِّينَ؛ لأنَّهم اختَلَفوا في الأَحكامِ، ولا يَعلمُ هؤلاء أنَّ اختِلافَهم في الأَحكامِ كانَ من رَحمةِ رَبِّ البَرياتِ على هذه الأُمةِ المَيمونةِ المُباركةِ.
قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀:
الحَمدُ للهِ على آلائِه وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَه لا شَريكَ له في أرضِه وسَمائِه، وأشهَدُ أنَّ مُحمدًا عَبدُه ورَسولُه وخاتَمُ أَنبيائِه صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وأَصحابِه صَلاةً دائِمةً إلى يَومِ لِقائِه وسلَّمَ تَسليمًا.
_________________
(١) «جامع بيان العلم» (١/ ٨٠).
[ ١ / ١٢٦ ]
وبعدُ؛ فيَجبُ على المُسلِمينَ -بعدَ مُوالاةِ اللهِ ورَسولِه ﷺ مُوالاةُ المُؤمِنينَ كما نطَقَ به القُرآنُ، خُصوصًا العُلماءَ الذين هُمْ وَرثةُ الأَنبياءِ، الذين جعَلَهم اللهُ بمَنزلةِ النُّجومِ، يُهتَدى بهم في ظُلماتِ البَرِّ والبَحرِ. وقد أجمَعَ المُسلِمونَ على هِدايتِهم ودِرايَتِهم.
إذْ كلُّ أُمةٍ قبلَ مَبعثِ مُحمدٍ ﷺ عُلماؤُها شِرارُها، إلا المُسلِمينَ، فإنَّ عُلماءَهم خيارُهم، فإنَّهم خُلفاءُ الرَّسولِ ﷺ في أُمتِه، والمُحيونَ لمَا ماتَ من سُنَّتِه، بهم قامَ الكِتابُ وبه قاموا، وبهم نطَقَ الكِتابُ وبه نَطَقوا.
وليُعلَمْ أنَّه ليسَ أحدٌ من الأئِمةِ المَقبولين -عندَ الأُمةِ قَبولًا عامًّا-يَتعمَّدُ مُخالَفةَ رَسولِ اللهِ ﷺ في شَيءٍ من سُنتِه، دَقيقٍ ولا جَليلٍ.
فإنَّهم مُتَّفِقونَ اتِّفاقًا يَقينيًّا على وُجوبِ اتِّباعِ الرَّسولِ ﷺ، وعلى أنَّ كلَّ أحدٍ من الناسِ يُؤخذُ من قَولِه ويُتركُ، إلا رَسولَ اللهِ ﷺ.
ولكنْ إذا وُجدَ لواحِدٍ منهم قَولٌ، قد جاءَ حَديثٌ صَحيحٌ بخِلافِه، فلا بدَّ له من عُذرٍ في تَركِه.
وجَميعُ الأَعذارِ ثَلاثةُ أَصنافٍ:
أحدُها: عَدمُ اعتِقادِه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَه.
والثاني: عَدمُ اعتِقادِه إرادةَ تلك المَسألةِ بذلك القَولِ.
والثالِثُ: اعتِقادُه أنَّ ذلك الحُكمَ مَنسوخٌ.
وهذه الأَصنافُ الثَّلاثةُ تَتفرَّعُ إلى أَسبابٍ مُتعدِّدةٍ:
[ ١ / ١٢٧ ]