هذه مَسألةٌ مُهمةٌ تَكلَّمَ فيها العُلماءُ قَديمًا وحَديثًا، وأنا أذكُرُ هنا ما قالَه الخَطيبُ البَغداديُّ ﵀ في هذا المَوضوعِ لنَفاستِه قالَ ﵀:
بابُ الكَلامِ في أَقوالِ المُجتهِدينَ وهل الحَقُّ في واحدٍ أو كلُّ مُجتهدٍ مُصيبٌ.
إذا اختَلفَ المُجتهِدونَ من العُلماءِ في مَسألةٍ على قَولَينِ أو أكثَرَ، فقد ذُكرَ عن أبي حَنيفةَ أنَّه قالَ: كلُّ مُجتهدٍ مُصيبٌ والحَقُّ ما غلَبَ على ظَنِّ المُجتهدِ. وهو ظاهِرُ مَذهبِ مالِكِ بنِ أنَسٍ، وذكَرَ عن الشافِعيِّ أنَّ له في ذلك قَولَينِ: أحدُهما مِثلُ هذا، والثاني: أنَّ الحَقَّ في واحِدٍ من الأَقوالِ وما سِواه باطِلٌ.
وقيلَ: ليسَ للشافِعيِّ في ذلك إلا قَولٌ واحِدٌ، وهو أنَّ الحَقَّ في واحِدٍ من أَقوالِ المُختلِفينَ، وما عَداه خَطأٌ إلا أنَّ الإِثمَ مَوضوعٌ عن المُخطئِ فيه. ورُويَ عن عبدِ اللهِ بنِ المُبارَكِ مِثلُ هذا.
أخبَرَنا مُحمدُ بنُ الحُسَينِ بنِ مُحمدٍ المَتُوثيُّ، أخبَرَنا عُثمانُ بنُ أَحمدَ ابنِ عبدِ اللهِ الدَّقاقُ، حدَّثَنا مُحمدُ بنُ إِبراهيمَ بنِ يُوسفَ المَرُّوذيُّ، نا علِيُّ ابنُ الحَسنِ بنِ شَقيقٍ، قالَ: سأَلتُ عبدَ اللهِ -يَعني ابنَ المُبارَكِ- عن اختِلافِ أَصحابِ مُحمدٍ: كلُّه صَوابٌ؟ فقالَ: الصَّوابُ واحِدٌ والخَطأُ
[ ١ / ١٦٢ ]
مَوضوعٌ عن القَومِ أرجو. قُلتُ: فمَن أخَذَ بقَولٍ من الأَقاويلِ فهو أيضًا مَوضوعٌ عنه؟ قالَ: نَعَمْ، إلا أنْ يَكونَ رَجلٌ اختارَ قَولًا حَتمًا ثم نزَلَ به شَيءٌ فتَحوَّلَ منه إلى غيرِه تَرخُّصًا للشَّيءِ الذي نزَلَ به.
وحَكى أبو إِبراهيمَ المُزنِيُّ أنَّ هذا مَذهبُ مالِكِ بنِ أنَسٍ واللَّيثِ ابنِ سَعدٍ.
واحتَجَّ من نصَرَ القَولَ الأولَ -أنَّ كلَّ مُجتهدٍ مُصيبٌ- بأنَّ الصَّحابةَ اجتَهَدوا واختَلَفوا وأقَرَّ بعضُهم بعضًا على قَولِه وسوَّغَ له أنْ يَعملَ به، وإنْ كانَ مُخالِفًا لقَولِه ولمُؤدَّى اجتِهادِه، وسوَّغوا للعامةِ أنْ يُقلِّدوا مَنْ شاؤُوا منهم.
حتى قالَ القاسِمُ بنُ مُحمدِ بنِ أَبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ: كانَ اختِلافُ أَصحابِ رَسولِ اللهِ مما نفَعَ اللهُ به، فما عمِلتَ منه مِنْ عَملٍ لم يَدخلْ نَفسَك منه شَيءٌ.
وقالَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ ﵀: ما يَسرُّني أنَّ أَصحابَ مُحمدٍ لم يَختلِفوا … وعن أُبيٍّ عن قَتادةَ أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزيزِ كانَ يَقولُ: ما سرَّني لو أنَّ أَصحابَ مُحمدٍ لم يَختلِفوا لأنَّهم لو لم يَختلِفوا لم يَكُنْ رُخصةً.
وعن عَونِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ قالَ: قالَ لي عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ: ما يَسرُّني باختِلافِ أَصحابِ مُحمدٍ حُمرُ النَّعمِ لأنَّا إنْ أخَذنا بقَولِ هؤلاء أصَبْنا، وإنْ أخَذنا بقَولِ هؤلاء أصَبْنا.
قالوا: ولا يَجوزُ أنْ يُجمِعوا على إِقرارِ المُخطئِ على خَطئِه، والرِّضا بالعَملِ به، والإذنِ في تَقليدِه.
[ ١ / ١٦٣ ]
وأيضًا فإنَّ اللهَ تَعالى لو عيَّنَ حُكمًا من بعضِ ما اختُلفَ فيه ونصَبَ عليه دَليلًا وجعَلَ إليه طَريقًا وكلَّفَ أهلَ العِلمِ إصابَتَه لوجَبَ أنْ يَكونَ المُصيبُ عالِمًا به قاطِعًا بخَطأِ مَنْ خالَفَه، ويَكونَ المُخالِفُ آثِمًا فاسِقًا، ووجَبَ نَقضُ حُكمِه إذا حكَمَ به، ويَكونَ بمَنزلةِ مَنْ خالَفَ دَليلَ مَسائلِ الأُصولِ من الرُّؤيةِ والصِّفاتِ والقَدرِ وما أشبَهَ ذلك، وبمَنزلةِ مَنْ خالَفَ النَّصَّ، ولمَّا اجتَمَعنا على أنَّ المُخالفَ لا يَقطعُ على خَطئِه ولا إثمَ عليه فيه، ولا يَنقضُ حُكمَه إذا حكَمَ به دَلَّ ذلك على أنَّ كلَّ مُجتهدٍ مُصيبٌ.
ولأنَّ العامِّيَّ إذا نزَلَت به نازِلةٌ كانَ له أنْ يَسألَ عنها مَنْ شاءَ من العُلماءِ وإنْ كانوا مُختلِفينَ، فدَلَّ على أنَّ جَميعَهم على الصَّوابِ.
واحتَجَّ من قالَ بأنَّ الحَقَّ في واحِدٍ وإليه يُذهبُ بقَولِ اللهِ ﷾: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩]. فأخبَرَ أنَّ سُليمانَ هو المُصيبُ وحمِدَه على إِصابتِه، وأثْنى على داودَ في اجتِهادِه ولم يَذُمَّه على خَطئِه، وهذا نَصٌّ في إِبطالِ قَولِ مَنْ قالَ إذا أخطَأَ المُجتهدُ يَجبُ أنْ يَكونَ مَذمومًا.
ويَدلُّ عليه أيضًا قَولُ النَّبيِّ المَشهورُ: «إذا اجتهَدَ الحاكِمُ فأصابَ فله أَجرانِ اثنانِ وإذا اجتهَدَ فأخطَأَ فله أجرٌ واحِدٌ» وقد سُقنا هذا الحَديثَ بإِسنادِه فيما تَقدَّمَ وفيه دَليلٌ على أنَّ المُجتهدَ بينَ الإِصابةِ والخَطأِ.
وأخبَرَنا أَبو نُعيمٍ الحافِظُ، نا عبدُ اللهِ بنُ جَعفرِ بنِ أَحمدَ بنِ فارِسٍ، نا يُونسُ بنُ حَبيبٍ، نا أَبو داودَ نا الصَّعقُ بنُ حَزنٍ عن عَقيلٍ الجَعديِّ عن أَبي
[ ١ / ١٦٤ ]
إِسحاقَ عن سُوَيدِ بنِ غَفلةَ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «يا عبدَ اللهِ، أتَدري أيُّ الناسِ أعلَمُ؟» قُلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ. قالَ: «فإنَّ أعلَمَ الناسِ أعلَمُهم بالحَقِّ إذا اختَلفَ الناسُ وإنْ كانَ مُقصِّرًا في العَملِ وإنْ كانَ يَزحفُ على استِهِ» (^١).
أخبَرَني الحَسنُ بنُ عليِّ بنِ مُحمدٍ الواعِظُ، حدَّثَنا عُمرُ بنُ أحمدَ المَرُّووذيُّ، حدَّثَنا عبدُ اللهِ بنُ سُليمانَ، نا موسى بنُ عامِرِ بنِ خُرَيمٍ، نا الوَليدُ، يَعني ابنَ مُسلمٍ، نا بُكَيرُ بنُ مَعروفٍ، نا مُقاتِلُ بنُ حَيَّانَ عن القاسِمِ ابنِ عبدِ الرَّحمنِ عن أبيه عن جَدِّه عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، قالَ: قالَ لي رَسولُ اللهِ: «هل تَدري أيُّ المُؤمِنين أعلَمُ؟» قُلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ. قالَ: «إذا اختَلَفوا -وشبَّكَ رَسولُ اللهِ بينَ أَصابعِه- أبصَرُهم بالحَقِّ وإنْ كانَ في عِلمِه تَقصيرٌ وإنْ كانَ يَزحفُ على استِه زَحفًا» (^٢).
فقد نَصَّ رَسولُ اللهِ ﷺ على أنَّ الحَقَّ يُصيبُه بالعِلمِ بعضُ أهلِ الاختِلافِ، ومنَعَ أنْ يُصيبَه جَميعُهم مع اختِلافِهم.
ويَدلُّ على ذلك أيضًا أنَّهم إذا اختَلَفوا على قَولَينِ مُتضادَّينِ مِثلَ تَحليلٍ وتَحريمٍ، وتَصحيحٍ وإِفسادٍ، وإِيحابٍ وإِسقاطٍ، فلا تَخلو من أحدِ ثَلاثةِ أَقسامٍ:
_________________
(١) رواه الطيالسي (٣٧٨)، وابن أَبي شَيبة (١/ ٢١٨)، والطبراني في «الأوسط» (٤٤٧٩) وغيرهم. قالَ الهَيثميُّ في «المجمع» (١/ ١٦٣): وفيه عَقيلُ بنُ الجَعدِ. قالَ البُخاريُّ: مُنكَرُ الحَديثِ.
(٢) انظُرِ السابِقَ.
[ ١ / ١٦٥ ]
إمَّا أنْ يَكونَ القَولانِ فاسِدَينِ، وإما أنْ يَكونَا صَحيحَينِ، وإمَّا أنْ يَكونَ أحدُهما فاسدًا والآخَرُ صَحيحًا.
فلا يَجوزُ أنْ يَكونا فاسِدَينِ لأنَّه يُؤدِّي إلى اجتِماعِ الأُمةِ على الخَطأِ، ولا يَجوزُ أنْ يَكونا صَحيحَينِ لأنَّهما مُتضادَّانِ فيَمتنِعَ أنْ يَكونَ الشَّيءُ الواحِدُ حَرامًا حَلالًا، وواجِبًا غيرَ واجِبٍ، وصَحيحًا باطِلًا.
وإذا بطَلَ هذانِ القِسمانِ ثبَتَ أنَّ أحدَهما صَحيحٌ والآخَرُ فاسِدٌ، فإنْ قالَ المُخالِفُ: هما صَحيحانِ ولا يُؤدِّي إلى التَّضادِّ ولا تَستحيلُ صِحتُهما إلا أنَّ ذلك إنَّما يَستحيلُ على شَخصٍ واحِدٍ في وَقتٍ واحِدٍ، وإمَّا على شَخصَينِ أو فَريقَينِ فإنَّ ذلك لا يَستحيلُ، كما ورَدَ الشَّرعُ بإِيجابِ الصَّلاةِ على الطاهِرِ وإِسقاطِها عن الحائِضِ، ووُجوبِ إِتمامِ الصَّلاةِ على المُقيمِ، والرُّخصةِ في القَصرِ للمُسافرِ.
وعندَنا أنَّ كلَّ واحِدٍ من المُجتهِدينَ يَلزمُه ما أدَّى إليه اجتِهادُه، فيَحرمُ النَّبيذُ على مَنْ أدَّى اجتِهادُه إلى تَحريمِه، ويَحلُّ لمَن أدَّى اجتِهادُه إلى تَحليلِه، وتَجبُ النِّيةُ للوُضوءِ على مَنْ أدَّى اجتِهادُه إلى وُجوبِها، وتَسقطُ عمَّن أدَّى اجتِهادُه إلى سُقوطِها، ويَصحُّ النِّكاحُ بلا وَليٍّ في حَقِّ مَنْ أدَّى اجتِهادُه إلى صِحتِه، ويَفسُدُ في حَقِّ مَنْ أدَّى اجتِهادُه إلى فَسادِه. وإذا كانَ كذلك لم يَكُنْ فيه تَضادٌّ.
والجَوابُ: أنَّ هذا خَطأٌ لأنَّ الأدِلةَ إذا كانَت عامَّةً لم يَجُزْ أنْ يَكونَ مَدلولُها خاصًّا، والدِّلالةُ الدَّالةُ على كلِّ واحِدٍ منها عامَّةٌ في الجَميعِ فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ حُكمُها خاصًّا، وإذا كانَت الأَحكامُ عامَّةً ثبَتَ التَّضادُّ.
[ ١ / ١٦٦ ]
وأيضًا: فإنَّه يَلزمُ مَنْ يَذهبُ إلى أنَّ كلَّ مُجتهدٍ مُصيبٌ إذا أداه اجتِهادُه إلى شَيءٍ، وغيرُه من المُجتهِدينَ على ضِدِّ قَولِه في ذلك الشَّيءِ، أنْ يَكونَ مُخيَّرًا فيهما، كالذي تَلزمُه كَفارةُ يَمينٍ لمَّا كانَت الحُقوقُ البَيِّنةُ مُتساويةً في كَونِها مما يَجوزُ التَّكفيرُ بها، والكلُّ مُرادٌ، كانَ مُخيَّرًا فيها، فلمَّا لزِمَ المُجتهدَ أنْ يَعملَ بما يُؤدِّي اجتِهادُه إليه دونَ ما خالَفَه من اجتِهادِ غيرِه بَدا أنَّ الحَقَّ في واحِدٍ من القَولَينِ.
ودَليلٌ آخَرُ يَدلُّ على أنَّه ليسَ كلُّ مُجتهدٍ مُصيبًا، وهو أنَّا وجَدنا أهلَ العِلمِ في كلِّ عَصرٍ يَتناظَرونَ ويَتباحَثونَ، ويَحتجُّ بعضُهم على بعضٍ، ولو كانَ كلُّ واحدٍ منهم مُصيبًا كانَت المُناظرةُ خَطأً ولَغوًا لا فائِدةَ فيها.
فإنْ قالَ المُخالِفُ: إنَّما يُناظِرُ أحدُ الخَصمَينِ الآخَرَ حتى يَغلِبَ على ظَنِّه ما أدَّى اجتِهادُه إليه، فيَرجعَ إلى قَولِه.
فالجَوابُ: أنَّه لا فائِدةَ في رُجوعِه من حَقٍّ إلى حَقٍّ، وكَونُه على ما هو عليه وانتِقالُه إلى ظَنٍّ آخَرَ سَواءٌ لا فَرقَ بينَهما، وتَحمُّلُ التَّعبِ والكُلفةِ والتَّنازُعِ والتَّخاصُمِ لما ذكَرَه المُخالِفُ ليسَ من فِعلِ العُقلاءِ، وقد وَجَدنا الأُمةَ مُتَّفقةً على حُسنِ المُناظرةِ في هذه المَسائلِ، وعَقدِ المَجالسِ بسَببِها فسقَطَ ما قالَه.
وأمَّا الجَوابُ عما احتَجَّ به من إِجماعِ الصَّحابةِ فهو أنْ يُقالَ له: أقُلتَ هذا نَصًّا أو استِدلالًا؟ فإنْ قالَ: نَصًّا، لم يَجِدْ إليه طَريقًا؛ لأنَّه لم يُنقَلْ عن أحدٍ منهم أنَّه قالَ لصاحِبِه: أقرَرتُك على خِلافِك، وأجَزتُ لكَ أنْ تَعملَ به، وسوَّغتُ للعامةِ أنْ يُقلِّدوك. وإنْ قالَ: استِدلالًا، طُولِبَ به.
[ ١ / ١٦٧ ]
فإنْ قالَ: لو كانَ المُخالفُ مُخطِئًا لقاتَلوه، قيلَ: ليسَ في ذلك قِتالٌ؛ لأنَّ المُخطئَ فيه مَعذورٌ، وله على قَصدِ الصَّوابِ أجرٌ، وقد ورَدَ الشَّرعُ بذلك كما ورَدَ بالعَفوِ عن الناسي، فإذا كانَ كذلك لم يَجُزْ قِتالُه ولا تأثيمُه.
فإنْ قالَ: لم يُنقَلْ أنَّ بعضَهم خطَّأَ بعضًا ولو كانَ أحدُ القَولَينِ خَطأً والآخَرُ صَوابًا لوجَبَ أنْ يُخطِّئَ من أَصابَ الحَقَّ مَنْ لم يُصِبْه، فلمَّا لم يُنقَلْ ذلك دَلَّ على أنَّه لم يُخطِّئْه.
فالجَوابُ: أنَّه قد نُقلَ ذلك عن غيرِ واحِدٍ منهم.
فأخبَرَنا أَبو الحُسينِ أَحمدُ بنُ عُمرَ بنِ علِيٍّ القاضي بأَذْرَبِيجانَ، قالَ: أخبَرَنا مُحمدُ بنُ المُظفَّرِ، قالَ: أخبَرَنا مُحمدُ بنُ مُحمدِ بنِ سُليمانَ الباغَنديُّ، قالَ: حدَّثَنا عبدُ السَّلامِ بنُ عبدِ الحَميدِ الإِمامُ، قالَ: نا زُهيرٌ عن الحَسنِ بنِ دِينارٍ عن الحَسنِ، قالَ: «بلَغَ عُمرَ بنَ الخَطابِ أنَّ امرأةً اتَّخذَت عبدَها الرَّجلَ، يَعني فأرسَلَ إليها قالَ: وكانَ عُمرُ رَجلًا مَهيبًا فلمَّا جاءَها الرَّسولُ قالَتْ: يا وَيلَها، ما لَها ولعُمرَ، يا وَيحَها، ما لَها ولعُمرَ، فخرَجَت فضرَبَها المَخاضُ، فمَرَّت بنِسوةٍ فعَرَفنَ الذي بها، فقَذَفت بغُلامٍ فصاحَ صَيحةً ثم طُفيَ، فبلَغَ ذلك عُمرَ فجمَعَ المُهاجِرينَ والأَنصارَ فاستَشارَهم، وفي آخِرِ القَومِ رَجلٌ، فقالوا: يا أَميرَ المُؤمِنينَ إنَّما كُنْتَ مُؤدِّبًا وإنَّما أنتَ راعٍ، قالَ: ما تَقولُ أنتَ يا فُلانُ؟ قالَ: أَقولُ: إنْ كانَ القَومُ تابَعوكَ على هَواكَ فوَاللهِ ما نصَحوا لك، وإنْ يَكونوا اجتَهَدوا آراءَهم فوَاللهِ لقد أخطَأَ رأيُهم غرِمتَ يا أَميرَ المُؤمنينَ، قالَ: فعَزمتُ عليكَ لمَا قدِمتَ فقسَمتَها على قَومِك، قالَ: فقيلَ للحَسنِ: مَنْ الرَّجلُ؟ قالَ: علِيٌّ».
[ ١ / ١٦٨ ]
أخبَرَنا علِيُّ بنُ أَحمدَ بنِ عُمرَ المُقري، أخبَرَنا إِسماعيلُ بنُ علِيٍّ الخُطَبيُّ، نا عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ، حدَّثَني أبي، نا عبدُ الرَّزاقِ، نا مَعمَرٌ عن ابنِ طاوُوسٍ، قالَ: أخبَرَني أنَّه سمِعَ ابنَ عَباسٍ يَقولُ: «وَدِدتُ أنَّ هؤلاء الذين يُخالِفونني في الفَريضةِ نَجتمِعُ فنَضعُ أَيديَنا على الرُّكنِ ثم نَبتهِلُ فنَجعلُ لَعنةَ اللهِ على الكاذِبينَ».
(وأخبَرَنا) مُحمدُ بنُ أَحمدَ بنِ رِزقٍ، أخبَرَنا إِسماعيلُ بنُ علِيٍّ، نا عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ، حدَّثَني أبي نا يَعقوبُ، نا أبي عن ابنِ إِسحاقَ، قالَ: حَدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي نَجيحٍ عن عَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، قالَ: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عَباسٍ يَقولُ: «إذا ذُكرَ عَولُ الفَرائضِ: أتَرَوْن الذي أحصَى رَملَ عالِجٍ عَددًا أجعَلَ في مالٍ قسَمَه نِصفًا ونِصفًا وثُلثًا؟ هذا النِّصفُ والنِّصفُ قد ذهَبا بالمالِ فأينَ مَوضعُ الثُّلثِ؟ قالَ عَطاءٌ: فقُلتُ له: يا أبا عَباسٍ إنَّ هذا لا يُغني عني ولا عنك شَيئًا لو مِتَّ أو مِتُّ قُسِّمَ مِيراثُنا على ما عليه القَومُ من خِلافِ رأيك. قالَ: فإنْ شاؤوا فلنَدعُ أَبناءَنا وأَبناءَهم ونِساءَنا ونِساءَهم وأَنفُسَنا وأنفُسَهم ثم نَبتهِلْ فنَجعَلْ لَعنةَ اللهِ على الكاذِبينَ ما جعَلَ اللهُ في مالٍ نِصفًا ونِصفًا وثُلثًا».
أخبَرَنا أبو علِيٍّ أَحمدُ بنُ مُحمدِ بنِ إِبراهيمَ الصَّيدلانِيُّ بأصبهانَ، أخبَرَنا سُليمانُ بنُ أَحمدَ الطَّبرانِيُّ، نا إِسحاقُ بنُ إِبراهيمَ الدَّبَريُّ، أخبَرَنا عبدُ الرَّزاقِ عن الثَّوريِّ عن مَنصورٍ عن إِبراهيمَ عن عَلقمةَ قالَ: أُتِيَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ فسُئلَ عن رَجلٍ تَزوَّجَ امرأةً فلم يَفرِضْ لها ولم يَمسَّها حتى ماتَ؟ فرَدَّهم ثم قالَ: «أَقولُ فيها برَأيي فإنْ كانَ صَوابًا فمِن اللهِ، وإنْ كانَ خَطأً فمِنِّي».
[ ١ / ١٦٩ ]
أخبَرَنا ابنُ الفَضلِ أخبَرَنا عبدُ اللهِ بنُ جَعفرِ بنِ دُرستوَيهِ، نا يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، نا الحَجاجُ وهو ابنُ مِنهالٍ نا حَمَّادٌ، أخبَرَنا أيُّوبُ عن مُحمدِ بنِ سِيرينَ عن عُبيدةَ عن علِيٍّ، قالَ: «اجتمَعَ رأيي ورَأيُ عُمرَ على أنَّ أُمَّهاتِ الأَولادِ لا يُبَعْنَ، قالَ: ثم رأيتُ بعدُ أنْ تُباعَ في دَينِ سَيِّدِها وأنْ تُعتقَ من نَصيبِ وَلدِها. فقُلتُ: رأيُك ورأيُ الجَماعةِ أحَبُّ إلَيَّ من رأيِك في الفُرقةِ». ولم يُنكِرْ على عُبيدةَ هذا القَولَ.
وأمَّا الجَوابُ عما احتَجَّ به من العِلمِ بإِصابتِه، والقَطعِ على خَطأِ مُخالفِه وتَأثيمِه ومَنعِه من الحُكمِ باجتِهادِه، ونَقضِ حُكمِه، ومَنعِ العامِّيِّ من تَقليدِه، فهو أنَّا نَعلمُ إصابَتَنا للحَقِّ، ونَقطعُ بخَطأِ مَنْ خالَفَنا فيه، ونَمنعُه من الحُكمِ باجتِهادِه المُخالِفِ للحَقِّ.
فأمَّا عِلمُنا بإِصابتِنا للحَقِّ، فهو لأنَّ أحدَ الحُكمَينِ يَتميَّزُ عن الآخَرِ بالتَّأثيرِ المُوجِبِ للعِلمِ أو بكَثرةِ الأُصولِ المُقتضيةِ للظَّنِّ، وتَمييزُ أحدِ الحُكمَينِ عن الآخَرِ مَعلومٌ للمُجتهدِ.
فإذا كانَ كذلك كانَت الإِصابةُ مَعلومةً، وإذا عُلمَت الإِصابةُ فقد عُلمَ خَطأُ مَنْ خالَفَها.
وأمَّا التَّأثيمُ فلا يَجوزُ؛ لأنَّ الشَّرعَ ورَدَ بالعَفوِ عنه، وإثابَتِه على قَصدِه ونِيَّتِه.
والوَعدُ والوَعيدُ، والعَفوُ والتَّأثيمُ طَريقُه الشَّرعُ، وقد ورَدَ الشَّرعُ بالعَفوِ عن خَطئِه كما ورَدَ بالعَفوِ عن المُخطِئِ. والناسي والمُكرَهِ، يَدلُّ عليه قَولُ
[ ١ / ١٧٠ ]
اللهِ تَعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩]. فأثنى عليهما جَميعًا، وأخبَرَ بإِصابةِ سُليمانَ ولم يُؤثِّمْ داودَ، وكذا قالَ النَّبيُّ ﷺ: «إذا اجتهَدَ الحاكِمُ فأخطَأَ فله أجرٌ». فجعَلَ له أجرَ اجتِهادِه، ولم يُؤثِّمْه مع خَطئِه.
وأمَّا مَنعُه من العَملِ بما أدَّى اجتِهادُه إليه فلا شَكَّ فيه، لأنَّا نَقولُ: إذا عمِلَ به هو فاسِدٌ، ولهذا نَقولُ: إذا تزوَّجَ بغيرِ وَليٍّ فهو نِكاحٌ فاسِدٌ، وإذا شرِبَ النَّبيذَ فهو شرِبَ حَرامًا، وما أشبَهَ ذلك.
وأمَّا حُكمُ الحاكِمِ فإنَّ المُسلِمينَ أجمَعوا على أنَّه لا يُنقضُ إذا لم يَكُنْ مُخالِفًا لنَصٍّ أو إِجماعٍ أو قياسٍ مَعلومٍ، والمَنعُ من نَقضِه لا يَدلُّ على أنَّه كانَ له أنْ يَحكمَ به لأنَّه لا يَمتنعُ أنْ يَكونَ مَمنوعًا من الحُكمِ، فإذا حكَمَ به وقَعَ مَوقعَ الصَّحيحِ الجائِزِ كما نَقولُ في البَيعِ في حالِ النِّداءِ للجُمعةِ، والصَّلاةِ في الدارِ المَغصوبةِ والطَّلاقِ في حالِ الحَيضِ.
فإنْ قيلَ: مِثلُ هذا لا يَمتنعُ لكنْ ما الذي يَدلُّ عليه؟ فالجَوابُ عنه: أنَّ الدَّليلَ ما ذكَرناه من إِجماعِ الأُمةِ على أنَّه لا يَجوزُ نَقضُه.
ولأنَّ في نَقضِ الحُكمِ فَسادًا لكَونِه ذَريعةً إلى تَسليطِ الحُكامِ بعضِهم على بَعضٍ، فلا يَشاءُ حاكِمٌ يَكونُ في قَلبِه من حاكِمٍ شَيءٌ إلا تَعقُّبَ حُكمِه بنَقضٍ فلا يَستقرُّ حُكمُه، ولا يَصحُّ لأحَدٍ مِلكٌ، وفي ذلك فَسادٌ عَظيمٌ، وإذا كانَ كذلك ثبَتَ ما ذكَرناه من هَذَينِ الطَّريقَينِ.
[ ١ / ١٧١ ]
وأمَّا الجَوابُ عن تَقليدِ العامِّيِّ، فهو أنَّ فَرضَه تَقليدُ مَنْ هو من أهلِ الاجتِهادِ، وقالَ أبو علِيٍّ الطَّبَريُّ: فَرضُه اتِّباعُ عالِمِه بشَرطِ أنْ يَكونَ عالِمُه مُصيبًا، كما يَتبعُ عالِمَه بشَرطِ ألَّا يَكونَ مُخالِفًا للنَّصِّ.
وقد قيلَ: إنَّ العامِّيَّ يُقلِّدُ أوثَقَ المُجتهِدينَ في نَفسِه، ولا يُكلَّفُ أكثَرَ من ذلك؛ لأنَّه لا سَبيلَ له إلى مَعرفةِ الحَقِّ والوُقوفِ على طَريقِه، وكلُّ واحِدٍ من المُجتهِدينَ يَقينُه بما أدَّى إليه اجتِهادُه فيُؤدِّي ذلك إلى حَيرةِ العامِّيِّ فجعَلَ له أنْ يُقلِّدَ أوثَقَهما في نَفسِه، ويُخالِفُ المُجتهدَ لأنَّه يَتمكَّنُ من مُوافقتِه على طَريقِ الحَقِّ ومُناظَرتِه فيه (^١) انتَهى كَلامُه ﵀.
_________________
(١) «الفقيه والمتفقه» (٢/ ١١٤، ١٢٨) للخطيب البغدادي.
[ ١ / ١٧٢ ]
كتاب الطهارة
[ ١ / ١٧٣ ]