والسادِسُ: ماءُ الثَّلجِ: وهو ما نزَلَ من السَّماءِ مائِعًا ثم جمَدَ، أو ما يَتمُّ تَجميدُه بالوَسائلِ الصِّناعيةِ الحَديثةِ.
والسابِعُ: ماءُ البَرَدِ: وهو ما نزَلَ من السَّماءِ جامِدًا ثم ماعَ على الأرضِ ويُسمَّى حَبَّ الغَمامِ وحَبَّ المُزنِ (^٣).
والأصلُ في ماءِ الثَّلجِ والبَرَدِ: حَديثُ أبي هُرَيرةَ ﵁ أنَّه قالَ: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَسكتُ بينَ التَّكبيرِ وبينَ القِراءةِ إسكاتةً قالَ:
_________________
(١) انظر: «الفتح» (١١/ ٣٤).
(٢) رواه أبو داود (٦٦)، والترمذي (٦٦)، وحسنه، والشافعي في «مسنده» (١/ ١٦٥)، وأحمد في «المسند» (٣/ ٣١، ٨٦)، وابن الجارود (٤٧)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١/ ٤)، وغيرهم وقد صححه الإمام أحمد وابن معين وابن حزم وابن الجوزي. انظر: «تلخيص الحبير» (١/ ١٢)، و«تنقيح التحقيق» (١/ ٢٩).
(٣) «مختصر الصحاح»، و«القاموس» و«المحيط» و«المعجم والوجيز»، و«الشرح الكبير» (١/ ٥٧).
[ ١ / ١٨٩ ]
أحسَبُه قالَ: هُنيَّةً، فقُلتُ: بأبي وأُمي يا رَسولَ اللهِ إِسكاتُك بينَ التَّكبيرِ والقِراءةِ ما تَقولُ؟ قالَ: «أقولُ: اللَّهمَّ باعِدْ بيني وبينَ خَطايايَ كما باعَدتَ بينَ المَشرقِ والمَغربِ اللَّهمَّ نَقِّني من الخَطايا كما يُنقَّى الثَّوبُ الأبيَضُ من الدَّنسِ، اللَّهمَّ اغسِلْ خَطايايَ بالماءِ والثَّلجِ والبَردِ» (^١).
وقد اختَلَف الفُقهاءُ في استِعمالِ بعضِ أَنواعِ الماءِ المُطلَقِ، فمِن قائِلٍ بالكَراهةِ، ومن قائلٍ بعَدمِها، ومِن قائِلٍ بصِحتِها، ومِن قائِلٍ بعَدمِ صِحتِها، وهذه الأَنواعُ تَتمثَّلُ فيما يَلي:
أولًا: ماءُ الثَّلجِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في جَوازِ التَّطهُّرِ بماءِ الثَّلجِ إذا ذابَ.
وإنَّما اختَلَفوا في استِعمالِه قبلَ الإذابةِ على ثَلاثةِ أَقوالٍ:
القَولُ الأولُ: ذهَبَ الحَنفيةُ في المُعتمدِ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى عَدمِ جَوازِ التَّطهُّرِ بالثَّلجِ قبلَ الإذابةِ ما لم يَتقاطَرْ ويَسِلْ على العُضوِ.
يَقولُ صاحِبُ «الدُّر المُختار»: «يُرفعُ الحَدثُ مُطلقًا بماءٍ مُطلَقٍ، هو ما يَتبادرُ عندَ الإِطلاقِ، كماءِ سَماءٍ وأودِيةٍ وعُيونٍ وآبارٍ وبِحارٍ وثَلجٍ مُذابٍ بحيثُ يَتقاطَرُ» (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٧١١)، ومسلم (٥٩٨).
(٢) «الدر المختار مع حاشية ابن عابدين» (١/ ٣٢٤)، وينظر: «البناية شرح الهداية» (١/ ٣٣٦)، و«البحر الرائق» (١/ ٧١)، و«حاشية الطحطاوي» (١/ ١٥).
[ ١ / ١٩٠ ]
وقالَ الدَّرديرُ في «الشَّرح الكَبير»: «وهو -أي: الماءُ المُطلَقُ- ما صدَقَ عليه اسمُ ماءٍ بلا قَيدٍ، وإنْ جُمعَ من نَدًى أو ذابَ، أي: تميَّعَ بعدَ جُمودِه كالثَّلجِ، وهو ما يَنزلُ مائِعًا ثم يَجمُدُ على الأرضِ» (^١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الذائِبُ من الثَّلجِ والبَرَدِ طَهورٌ؛ لأنَّه ماءٌ نزَلَ من السَّماءِ، وفي دُعاءِ النَّبيِّ ﷺ: «اللَّهمَّ طَهرْني بالمَاءِ والثَّلجِ والبَردِ» مُتَّفقٌ عليه؛ فإنْ أخَذَ الثَّلجَ فأمَرَّه على أَعضائِه لم تَحصُلِ الطَّهارةُ به، ولو انبَلَّ به العُضوُ؛ لأنَّ الواجِبَ الغُسلُ، وأقَلُّ ذلك أنْ يَجريَ الماءُ على العُضوِ، إلا أنْ يَكونَ خَفيفًا فيَذوبَ ويَجريَ ماؤُه على الأَعضاءِ، فيَحصُلَ به الغُسلُ فيُجزئَه (^٢).
القَولُ الثاني: ذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ من الحَنفيةِ إلى جَوازِ التَّطهُّرِ به مُطلقًا وإنْ لم يَتقاطَرْ (^٣).
والقَولُ الثالِثُ: فرَّقَ الشافِعيةُ بينَ سَيلِ الثَّلجِ على العُضوِ لشِدةِ حَرٍّ وحَرارةِ الجِسمِ ورَخاوةِ الثَّلجِ، وبينَ عَدمِ سَيلِه، فإنْ سالَ على العُضوِ صَحَّ الوُضوءُ على الصَّحيحِ، لحُصولِ جَريانِ الماءِ على العُضوِ، وقيلَ: لا يَصحُّ؛ لأنَّه لا يُسمَّى غُسلًا، حَكاه جَماعةٌ منهم الماوَرديُّ صاحِبُ الحاوي والدارِميُّ.
_________________
(١) «الشرح الكبير» (١/ ٥٦، ٥٧)، و«مختصر خليل» (١/ ٨)، و«مواهب الجليل» (١/ ٥١).
(٢) «المغني مع الشرح» (١/ ٤٣).
(٣) «البناية شرح الهداية» (١/ ٣٣٦)، و«البحر الرائق» (١/ ٧١)، و«حاشية ابن عابدين» (١/ ٣٢٤)، و«حاشية الطحطاوي» (١/ ١٥).
[ ١ / ١٩١ ]
قالَ النَّوويُّ ﵀: وهُما من كِبارِ أئِمتِنا العِراقيِّينَ، وعَزاه الدارِميُّ إلى أبي سَعيدٍ الإصطَخريِّ.
وإنْ لم يَسِلْ لم يَصحَّ بلا خِلافٍ في المَغسولِ، ويَصحُّ مَسحُ المَمسوحِ منه، وهو الرأسُ والخُفُّ والجَبيرةُ، وهو المَذهبُ عندَهم (^١).
ثانيًا: ماءُ زَمزمَ:
اختَلَف الفُقهاءُ في حُكمِ استِعمالِ ماءِ زَمزمَ من الحَدثِ أو لإِزالةِ النَّجسِ على ثَلاثةِ أَقوالٍ:
القَولُ الأولُ: ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ وابنُ شَعبانَ من المالِكيةِ إلى جَوازِ استِعمالِ ماءِ زَمزمَ من غَيرِ كَراهةٍ في إِزالةِ الحَدثِ، أمَّا في إِزالةِ الأنجاسِ فيُكرهُ تَشريفًا له وإكرامًا، وفي قَولٍ للشافِعيةِ خِلافُ الأَولى (^٢).
القَولُ الثاني: ذهَبَ المالِكيةُ إلى جَوازِ استِعمالِ ماءِ زَمزمَ من غَيرِ كَراهةٍ مُطلَقًا سَواءٌ أكانَ الاستِعمالُ في الطَّهارةِ من الحَدثِ أم في إِزالةِ النَّجسِ.
قالَ ابنُ أبي زَيدٍ القَيروانِيُّ ﵀: ماءُ زَمزمَ وماءُ البَحرِ العَذبِ والمالِحِ طَيِّبٌ في ذاتِه لكلِّ ما يُستعمَلُ فيه، طاهِرٌ في نَفسِه ما دامَ غيرَ مُخالِطٍ بنَجسٍ، مُطهِّرٌ لغيرِه كالنَّجاساتِ، وما في مَعناها من الأَحداثِ، ما دامَ باقيًا على أصلِ خِلقتِه لم يُغيِّرْه شَيءٌ مما يَنفكُّ عنه غالِبًا، وإنَّما نَصَّ على هذه
_________________
(١) «المجموع شرح المهذب» (٢/ ١٦).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٣٢٤)، و«حاشية العدوي» (١/ ١٥٩)، و«المجموع» (٢/ ٣٤)، و«منار السبيل» (١/ ١٦)، و«المغني» (١/ ٤٣).
[ ١ / ١٩٢ ]
الأشياءِ وإنْ كانَت داخِلةً فيما تقدَّمَ ليُنبِّهَ على ما في بَعضِها من الخِلافِ (^١).
القَولُ الثالِثُ: ذهَبَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى كَراهيةِ استِعمالِه مُطلَقًا، أي: في إِزالةِ الحَدثِ والنَّجسِ. وخَصَّ شَيخُ الإِسلامِ الكَراهةَ بغُسلِ الجَنابةِ (^٢).
قالَ في «الاختياراتِ»: ويُكرهُ الغُسلُ -لا الوُضوءُ- بماءِ زَمزمَ، قالَه طائِفةٌ من العُلماءِ (^٣).
ثالِثًا: الماءُ الآجِنُ:
هو الماءُ الذي تغيَّرَ بطُولِ مُكثِه في المَكانِ من غيرِ مُخالطةِ شَيءٍ، ويَقرُبُ منه الماءُ الآسِنُ (^٤).
ولا خِلافَ بينَ المَذاهبِ الأربَعةِ في جَوازِ استِعمالِ الماءِ الآجِنِ من غيرِ كَراهةٍ.
قالَ ابنُ الُمنذرِ ﵀: أجمَعوا على أنَّ الوُضوءَ بالماءِ الآجِنِ من غيرِ نَجاسةٍ حلَّتْ به جائِزٌ، وانفرَدَ ابنُ سِيرينَ فقالَ: لا يَجوزُ (^٥).
_________________
(١) «كفاية الطالب الرباني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني» (١/ ١٥٩).
(٢) «منار السبيل» (١/ ١٦)، و«المغني» (١/ ٤٣)، و«مسائل الإمام أحمد» رواية ابنه صالح (٣/ ٨١).
(٣) «الاختيارات العلمية» (٩).
(٤) «المغني» (١/ ٣٨).
(٥) «الإجماع» (٢١)، وانظر في هذا: «بدائع الصنائع» (١/ ٦٦)، و«مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر» (١/ ٢٧)، و«بداية المجتهد» (١/ ٤٦)، و«أقرب المسالك» (١/ ٢٣)، و«المجموع» (٢/ ٥٦)، و«حاشية الرملي» (١/ ٨).
[ ١ / ١٩٣ ]