قالَ الذَّهبيُّ ما مُلخَّصُه:
قالَ ابنُ الجَوزيِّ: كانَ الإِمامُ لا يَرى وَضعَ الكُتبِ، ويَنهَى عن كِتابةِ كَلامِه ومَسائِلِه، ولو رَأى ذلك لكانَت له تَصانيفُ كَثيرةٌ، وصنَّفَ «المُسنَد» وهو ثَلاثونَ ألفَ حَديثٍ، وكانَ يَقولُ لابنِه عبدِ اللهِ: احتفِظْ بهذا المُسنَد؛ فإنَّه سيَكونُ للناسِ إِمامًا، و«التَّفسير» وهو مِئةٌ وعِشرونَ ألفًا، و«الناسِخ والمَنسوخ» و«التاريخ» و«حَديث شُعبة» و«المُقدَّم والمُؤخَّر في القُرآن» و«جَوابات القُرآن» و«المَناسِك» و«الكَبير والصَّغير»، وأَشياءُ أُخرى.
وقالَ الذَّهبيُّ: وكِتابُ «الإِيمان» وكِتابُ «الأَشرِبة»، ورأيتُ له وَرقةً من كِتابِ «الفَرائِض» فتَفسيرُه المَذكورُ شَيءٌ لا وُجودَ له، ولو وُجدَ لاجتهَدَ الفُضلاءُ في تَحصيلِه، ثم لو ألَّفَ تَفسيرًا لَما كانَ يَكونُ أزيَدَ من عَشرةِ آلافِ أثَرٍ، ولاقتَضى أنْ يَكونَ في خَمسِ مُجلَّداتٍ، فهذا تَفسيرُ ابنِ جَريرٍ الذي جمَعَ فيه فأوْعَى، لا يَبلُغُ عِشرينَ ألفًا، وما ذكَرَ تَفسيرَ أَحمدَ أحدٌ سِوى أبي الحَسنِ بنِ المُنادي، فقالَ في «تاريخه» لم يَكُنْ أحدٌ أروَى في الدُّنيا عن أَبيه من عبدِ اللهِ بنِ أَحمدَ؛ لأنَّه سمِعَ منه (المُسنَد) وهو ثَلاثونَ ألفًا، و(التَّفسير) وهو مِئةٌ وعِشرونَ ألفًا، سمِعَ ثُلثَيه، والباقي وِجادةٌ.
[ ١ / ١١٥ ]
قالَ ابنُ السَّماكِ: حدَّثَنا حَنبلٌ قالَ: جمَعَنا أَحمدُ بنُ حَنبلٍ، أنا وصالِحًا وعبدَ اللهِ، وقرَأَ علينا (المُسنَد)، وما سمِعَه غيرُنا، وقالَ: هذا الكِتابُ جمَعتُه، وانتَقَيتُه من أكثَرَ من مِئةِ ألفٍ وخَمسينَ ألفًا، فما اختَلفَ فيه المُسلِمونَ من حَديثِ رَسولِ اللهِ، فارجِعوا إليه، فإنْ وجَدتُموه فيه، وإلا فليس بحُجةٍ.
قالَ الذَّهبيُّ: قُلتُ: في (الصَّحيحَينِ) أَحاديثُ قَليلةٌ ليسَت في (المُسنَد) لكنْ قد يُقالُ: لا تَرِدُ على قَولِه؛ فإنَّ المُسلِمينَ ما اختَلَفوا فيها، ثم ما يَلزمُ من هذا القَولِ أنَّ ما وُجدَ فيه أنْ يَكونَ حُجةً؛ ففيه جُملةٌ من الأَحاديثِ الضَّعيفةِ مما يَسوغُ نَقلُها، ولا يَجبُ الاحتِجاجُ بها، وفيه أَحاديثُ مَعدودةٌ شِبهُ مَوضوعةٍ، ولكنَّها قَطرةٌ في بَحرٍ، وفي غُضونِ المُسندِ زِياداتٌ جَمَّةٌ لعبدِ اللهِ بنِ أَحمدَ (^١).
قالَ ابنُ الجَوزيِّ: وله -يَعنى أبا عبدِ اللهِ- من المُصنَّفاتِ كِتابُ (نَفي التَّشبيهِ) مُجلَّدٌ، وكِتابُ «الإِمامة» مُجلَّدٌ صَغيرٌ، وكِتابُ «الرَّد على الزَّنادِقةِ» ثَلاثةُ أَجزاءٍ، وكِتابُ «الزُّهد» (^٢) مُجلَّدٌ كَبيرٌ، وكِتابُ «الرِّسالة» في الصَّلاةِ، قالَ الذَّهبيُّ: وهو مَوضوعٌ على الإِمامِ.
_________________
(١) صنَّف الحافِظُ ابنُ حَجرٍ القَولَ المُسدَّد في الذَّبِّ في دَفعِ القَولِ بوُجودِ أَحاديثَ مَوضوعةٍ بالمُسند، فرحِمَه اللهُ وجَزاه عن الإِسلامِ والمُسلِمين خَيرًا.
(٢) وهو مَطبوعٌ طَبعةً غيرَ مُحققةٍ وتَحتاجُ إلى تحقيقٍ وتَرتيبٍ، والطَّبعةُ المَوجودةُ بتَحقيقِ/ عبدِ اللهِ بنِ قاسمٍ ولكنَّه تَحقيقٌ للنصِّ فحَسبُ.
[ ١ / ١١٦ ]
قالَ: وكِتابُ الصَّحابةِ (^١) قالَ الذَّهبيُّ: فيه زِياداتٌ لعبدِ اللهِ ابنِه، ولأبي بَكرٍ القَطيعيِّ صاحِبِه.
وقد دوَّنَ عنه كِبارُ تَلامِذتِه مَسائلَ وافِرةً، في عِدةِ مُجلَّداتٍ؛ المَروزيُّ، والأثرَمُ، وحَربٌ، وابنُ هانِئٍ، والكَوسَجُ، وأَبو طالِبٍ، وجمَعَ أَبو بَكرٍ الخَلَّالُ سائِرَ ما عندَ هؤلاء من أَقوالِ أَحمدَ وفَتاويه، ومن كَلامِه في العِللِ، والرِّجالِ، والسُّنةِ، والفُروعِ، حتى حصَلَ عندَه من ذلك ما لا يُوصَفُ كَثرةً، ورحَلَ إلى النَّواحِي في تَحصيلِه، وكتَبَ عن نَحوٍ من مِئةِ نَفسٍ من أَصحابِ الإِمامِ، ثم كتَبَ كَثيرًا من ذلك عن أَصحابِ أَصحابِه، وبَعضُه عن آخَرينَ عن الإِمامِ أَحمدَ، ثم أخَذَ في تَرتيبِ ذلك، وتَهذيبِه وتبَويبِه، وحمَلَ كِتابَ «العِلم» وكِتابَ «العِلل» وكِتابَ «السُّنة» كلُّ واحِدٍ من الثَّلاثةِ في ثَلاثةِ مُجلَّداتٍ (^٢).