قالَ القاضِي أَبو بَكرِ بنِ العَربيِّ: «الموطأ» هو الأصلُ الأولُ واللُّبابُ، وكتابُ البُخاريِّ هو الأصلُ الثانِي في هذا البابِ، وعليهما بَنى الجَميعُ، كمُسلمٍ والتِّرمذيِّ.
وقد صنَّفَ الإمامُ مالِكٌ «الموطأ»: وتَوخَّى فيه القَويَّ من أَحاديثِ أهلِ الحِجازِ، ومزَجَه بأَقوالِ الصَّحابةِ والتابِعينَ ومَن بعدَهم.
وقد وضَعَ مالِكٌ «الموطأ»: على نحوِ عَشرةِ آلافِ حَديثٍ، فلَم يَزلْ يَنظرُ فيه، في كلِّ سَنةٍ، ويُسقطُ منه حتى بقِيَ هذا.
وقد أخرَجَ ابنُ عبدِ البَرِّ عن عُمرَ بنِ عبدِ الواحدِ صاحبِ الأَوزاعيِّ، قالَ: عرَضْنا على مالِكٍ «الموطأ» في أرَبعينَ يومًا، فقالَ: كتابٌ ألَّفتُه في أرَبعينَ سَنةً أخَذتُموه في أربَعينَ يومًا؟ ما أقلَّ ما تَفقهونَ فيه!
_________________
(١) «تاريخ الإسلام» (١١/ ٣١٨، ٣١٩).
[ ١ / ٤٩ ]
وقالَ مالِكٌ: عرَضتُ كِتابي هذا على سَبعينَ فَقيهًا من فُقهاءِ المَدينةِ، فَكلُّهم واطأَني عليه فسمَّيتُه «الموطأ».
وقالَ الجَلالُ السّيوطيُّ: وما من مُرسَلٍ في «الموطأ» إلا وله عاضِدٌ أو عَواضدُ، فالصَّوابُ أنَّ «الموطأ» صَحيحٌ كلُّه، لا يُستَثنَى منه شيءٌ. اه
وقد صنَّفَ ابنُ عبدِ البَرِّ كِتابًا في وَصلِ ما في «الموطأ» من المُرسَلِ والمُنقطِعِ والمُعضَلِ، قالَ: ما فيه مِنْ قولِه: «بَلغَني»، ومِن قولِه: «عن الثِّقةِ» عندَه ما لَم يُسنِدْه أحدٌ وسِتونَ حَديثًا كلُّها مُسنَدةٌ من غيرِ طريقِ مالِكٍ، إلا أربَعةٌ لا تُعرَفُ.
قالَ الشَّيخُ مُحمَّد حبِيب اللهِ الشِّنقيطِيُّ في كِتابِه «دلِيل السالِك إلى مُوطأ الإمامِ مالِك» عندَ قولِه:
وقَد رَأيتُ بعضَ مُتقِني السُّننْ … مَنْ حازَ في كلِّ العُلومِ خيرَ فَنْ
عَزا إلى نَجلِ الصَّلاح أنْ وَصلْ … أربَعةَ الأَخبارِ فالكلُّ اتَّصلْ
فقد وصَلَ ابنُ الصَّلاحِ الأربَعةَ في تَأليفٍ مُستقِلٍّ.
قالَ الأُستاذُ مُحمَّد فُؤاد عَبد الباقِي: والعَجبُ مِنْ ابنِ الصَّلاحِ ﵀ كيف يَطلِعُ على اتِّصالِ جَميعِ أَحاديثِ «الموطأ»، حتى إنَّه وصَلَ الأربَعةَ التي اعتَرضَت ابنَ عبدِ البَرِّ بعَدمِ الوُقوفِ على طُرقِ اتِّصالِها، ومعَ هذا لَم يَزلْ مُقدِّمًا للصَّحيحَينِ عليه في الصِّحةِ، معَ أن «الموطأ» هو أَصلُها، وقد انتَهَجا مَنهجَه في سائرِ صَنيعِه، وأَخرَجا أَحاديثَه من طَريقِه.
وغايةُ أَمرِها أنَّ ما فيها من الأَحاديثِ أَزيدُ مما فيه.
[ ١ / ٥٠ ]
قالَ أَحمَد شاكِر ﵀: ولكنَّه لَم يَذكُرِ الأَسانيدَ التي قالَ الفُلانِيُّ: إنَّ ابنَ الصَّلاحِ وصَلَ بها هذه الأَحاديثَ، فلا يَستَطيعُ أهلُ العِلمِ بالحَديثِ أنْ يَحكُموا باتِّصالِها، إلا إذا وُجدَت أَسانيدُها وفُحصَت! حتَّى يَتبَينَ إن كانَت مُتصِلةً أو لا، وصَحيحةً أو لا (^١).