سُئلَ الإِمامُ أَحمدُ ﵀ عن الفُتوَّةِ، فقالَ: تَركُ ما تَهوى لما تَخشَى.
وقالَ: كلُّ شَيءٍ من الخَيرِ، تَهتمُّ به، فبادِرْ به قبلَ أنْ يُحالَ بينَك وبينَه.
وعن عليِّ بنِ المَدينيِّ، قالَ: ودَّعتُ الإِمامَ أَحمدَ بنَ حَنبلٍ، فقُلتُ له: تُوصيني بشَيءٍ؟ قالَ: نَعمْ، اجعَلِ التَّقوَى زادَك، وانصِبِ الآخِرةَ أَمامَك.
_________________
(١) وهو مَطبوعٌ في مُجلَّدينِ بتَحقيقِ/ وصيِّ اللهِ بن مُحمد عباس، وطُبعَ في جامِعةِ أمِّ القُرى بمَكةَ.
(٢) باختِصارٍ من «سير أعلام النبلاء» (١١/ ٣٢٧، ٣٣١).
[ ١ / ١١٧ ]
وكانَ يَقولُ: عَزيزٌ عليَّ أنْ تُذيبَ الدُّنيا أَكبادَ رِجالٍ وَعَت صُدورُهم القُرآنَ.
وعن عبدِ الصَّمدِ بنِ سُليمانَ بنِ مَطرٍ، قالَ: بِتُّ عندَ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ، فوضَعَ لي ماءً، فلمَّا أصبَحَ وجَدَني لم أستَعمِلْه، فقالَ: صاحِبُ الحَديثِ لا يَكونُ له وِردٌ في اللَّيلِ؟ قالَ: قُلتُ: أنا مُسافِرٌ، قالَ: وإنْ كُنْتَ مُسافِرًا، حَجَّ مَسروقٌ فما نامَ إِلا ساجِدًا.
وعن حَنبلِ بنِ إِسحاقَ قالَ: رآني أَحمدُ بنُ حَنبلٍ أكتُبُ خَطًّا دَقيقًا، فقالَ: لا تَفعَلْ؛ أحوَجَ ما تَكونُ إليه يَخونُك.
وقالَ: كُلِ الطَّعامَ معَ الإِخوانِ بالسُّرورِ، ومع الفُقراءِ بالإِيثارِ، ومع أَبناءِ الدُّنيا بالمُروءةِ.
ودخَلَ ثَعلبٌ على أَحمدَ بنِ حَنبلٍ، ومَجلِسُه غاصٌّ، فجلَسَ إلى جانِبِه، وقالَ: أَخافُ أنْ أَكونَ ضيَّقتُ عليك، على أنَّه لا يَضيقُ مَجلسٌ بمُتحابِّينَ، ولا تَسعُ الدُّنيا مُتباغِضِينَ، قالَ الإِمامُ أَحمدُ: الصَّديقُ لا يُحاسَبُ، والعَدوُّ لا يُحتسَبُ له (^١).
وعن أَحمدَ بنِ يَحيى قالَ: كُنْتُ أُحبُّ أنْ أَرى أَحمدَ بنَ حَنبلٍ، فصِرتُ إليه، فلمَّا دخَلتُ عليه قالَ لي: فيمَ جِئتَ؟ قُلتُ: في النَّحوِ والعَربيةِ، فأنشَدَ:
_________________
(١) بتصرف واختِصارٍ من «المنهج الأحمد» (١/ ١٩، ٢٠).
[ ١ / ١١٨ ]
إذا ما خَلوْتَ الدَّهرَ يَومًا فلا تَقُلْ … خَلوتُ ولكِنْ قُلْ عليَّ رَقِيبُ
ولا تَحسَبَنَّ اللهَ يُغفِلُ ما مَضَى … وَلا أنَّ ما يَخفَى عليه يَغيبُ
لَهونَا، لَعَمرُ اللَّهِ، حتى تَتابَعتْ … ذُنوبٌ على آثارِهِنَّ ذُنوبُ
فيا لَيتَ أنَّ اللَّهَ يَغفِرُ ما مَضَى … ويَأْذَنُ فِي تَوباتِنَا فنتُوبُ
إذا ما مضَى القَرْنُ الذِي كُنْتَ
فيهمُ … وخُلِّفتَ في قَرنٍ فَأنتَ غَريبُ
وعن علِيِّ بنِ خَشرمٍ أنَّه سمِعَ أَحمدَ بنَ حَنبلٍ يَقولُ:
تَفْنى اللَّذاذةُ ممَّن نالَ صَفوَتَها … من الحَرامِ ويَبقَى الخِزيُ والعارُ
تَبقَى عَواقِبُ سُوءٍ في مَغبَّتِها … لا خَيرَ في لَذةٍ من بَعدِها النارُ
ورُويَ من قَولِه لعَليِّ بنِ المَدينيِّ، لمَّا أجابَ إلى القَولِ بخَلقِ القُرآنِ:
يا ابنَ المَدينيِّ الذي عُرِضَت له … دُنيا فجادَ بدِينِه لِيَنالَها
ماذا دَعاكَ إلى انتِحالِ مَقالةٍ … قد كُنْتَ تَزعمُ كافِرًا من قالَها
أَمرٌ بَدا لك رُشدُه فتَبِعتَه … أم زِينةُ الدُّنيا أرَدتَ نَوالَها؟
ولقد عَهِدتُك مَرةً مُتشدِّدًا … صَعبَ المَقالةِ للتي تُدعَى لها
إنَّ المُرزَّى مَنْ يُصابُ بدِينِه … لا مَنْ يُرزَّأُ ناقةً وفِصالَها (^١)