قالَ ابنُه عبدُ اللهِ: سمِعتُ أبي يَقولُ: استَكمَلتُ سَبعًا وسَبعينَ، فحُمَّ من لَيلتِه، وماتَ يَومَ العاشِرِ.
_________________
(١) في «سير أعلام النبلاء»: خلل.
[ ١ / ١١٩ ]
وقالَ صالِحٌ: لمَّا كانَ في أولِ يَومٍ من رَبيعٍ الأولِ، من سَنةِ إِحدى وأربَعيَن ومِئتَينِ، حُمَّ أبي ليلةَ الأربِعاءِ، وباتَ وهو مَحمومٌ يَتنفَّسُ نَفسًا شَديدًا، وكُنتُ قد عرَفتُ عِلَّتَه، وكُنتُ أُمرِّضُه إذا اعتَلَّ، فقُلتُ له: يا أَبتِ، عَلامَ أفطَرتَ البارِحةَ؟ قالَ: ماءُ باقِلاءَ، ثم أَرادَ القيامَ، فقالَ: خُذْ بيَدي، فأخَذتُ بيَدِه، فلمَّا صارَ إِلى الخَلاءِ، ضَعُفَت رِجلاه، حتى توَكَّأ علَيَّ، وكانَ يَختلِفُ إليه غيرُ مُتَطبِّبٍ، كلُّهم مُسلِمونَ، فوصَفَ له مُتطبِّبٌ قَرعةً، تُشوَى ويُسقى ماءَها، وهذا يَومَ الثُّلاثاءِ، وتُوفِّيَ يَومَ الجُمَعةِ، فقالَ: يا صالِحُ، فقُلتُ: لَبَّيك، قالَ: لا تَشوِ في مَنزلِك، ولا في مَنزلِ أَخيك، وصارَ الفَتحُ بنُ سَهلٍ إِلى البابِ ليَعودَه فحجَبَه، وأَتى عليُّ بنُ عليِّ بنِ الجَعدِ، فحجَبَه، وكثُرَ الناسُ، فقالَ: أيَّ شَيءٍ تَرى؟ قُلتُ: تأذَنُ لهم، فيَدعونَ لك، قالَ: أستَخيرُ اللهَ تَعالى، فجعَلوا يَدخلونَ عليه أَفواجًا، حتى تَمتلئَ الدارُ، فيَسألونَه، ويَدعونَ له، ثم يَخرُجونَ، ويَدخلُ فَوجٌ آخَرُ، وكَثرُ الناسُ، فامتَلأَ الشارِعُ، وأغلَقنا بابَ الزُّقاقِ، وجاءَ رَجلٌ من جِيرانِنا قد خُضِّبَ، فقالَ أبي: إنِّي لأرى الرَّجلَ، يُحيي شَيئًا من السُّنةِ، فأفرَحُ به، وجعَلَ يُحرِّكُ لِسانَه، ولم يَئنَّ إلا في اللَّيلةِ التي تُوفِّيَ فيها، ولم يَزَلْ يُصلِّي قائِمًا، أُمسِكُه، فيَركعُ، ويَسجدُ، وأرفَعُه في رُكوعِه، واجتَمَعت عليه أَوجاعُ الحَصرِ وغيرِ ذلك، ولم يَزَلْ عَقلُه ثابِتًا، فلمَّا كانَ يَومُ الجُمعةِ، لاثنَتَيْ عَشرةَ لَيلةً، خَلَت من رَبيعٍ الأولِ، لساعَتَينِ من النَّهارِ تُوفِّيَ.
[ ١ / ١٢٠ ]
وقالَ المَروَزيُّ: مرِضَ أَبو عبدِ اللهِ لَيلةَ الأربِعاءِ، للَيلَتَينِ خلَتا من رَبيعٍ الأولِ، مرِضَ تِسعةَ أيامٍ، وكانَ رُبَّما أذِنَ للناسِ، فيَدخلونَ أَفواجًا، يُسلِّمونَ عليه، ويَردُّ عليهم بيَدِه، واشتَدَّت عِلَّتُه يَومَ الخَميسِ، ووَضَّأتُه، فقالَ: خِلالَ (^١) الأَصابعِ، فلمَّا كانَت لَيلةُ الجُمعةِ، وثَقُلَ، قُبضَ صَدرًا، فصاحَ الناسُ، وعَلَت الأَصواتُ بالبُكاءِ، كأنَّ الدُّنيا قد ارتَجَّت، وامتَلَأت السِّككُ والشَّوارِعُ.
وقالَ مُطَينٌ: في ثاني عَشرَ من رَبيعٍ الأولِ، وكذا قالَ عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ، وعَباسٌ الدُّوريُّ.
وقالَ البُخاريُّ: مرِضَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ، للَيلَتَينِ خلَتا من رَبيعٍ الأولِ، وماتَ يَومَ الجُمعةِ لاثنَتيْ عَشرةَ خَلَت من رَبيعٍ الأوَّلِ.
وقالَ الخَلَّالُ: ثَنا المَروَزيُّ قالَ: أُخرجَت الجِنازةُ، بعدَ مُنصَرفِ الناسِ من الجُمعةِ.
قالَ الذَّهبيُّ: وقد رَوى الإِمامُ أَحمدُ في مُسندِه: ثَنا أبو عامِرٍ ثَنا هِشامُ بنُ سَعدٍ عن سَعيدِ بنِ أبي هِلالٍ عن رَبيعةَ بنِ سَيفٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو عن النَّبيِّ ﷺ: «ما مِنْ مُسلمٍ يَموتُ يَومَ الجُمُعةِ أو لَيلةَ الجُمُعةِ إلا وَقاهُ اللهُ فِتنةَ القَبرِ» (^٢).
وقالَ صالِحٌ: وجَّهَ ابنُ طاهِرٍ، نائِبُ بَغدادٍ، بحاجِبِه مُظفَّرٍ ومعه غُلامانِ معهما مَناديلُ فيها ثِيابٌ وطِيبٌ، فقالوا: الأَميرُ يُقرِئُك السَّلامَ، ويَقولُ: قد فَعَلت ما لو كانَ أَميرُ المُؤمِنينَ حاضِرَه، كانَ يَفعلُ.
_________________
(١) في «سير أعلام النبلاء»: خلل.
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أحمد (٦٥٨٢) والترمذي (١٠٧٤).
[ ١ / ١٢١ ]
فقُلتُ: أقرِئْ أَميرَ المُؤمِنينَ السَّلامَ، وقُلْ له: إنَّ أَميرَ المُؤمِنينَ قد أَعفاه في حَياتِه، ممَّا كانَ يَكرهُ، ولا أُحبُّ أنْ أتبَعَه بعدَ مَوتِه، بما كانَ يَكرهُ في حَياتِه، فعادَ وقالَ: يَكونُ شِعارَه، فأعَدتُ عليه مِثلَ ذلك.
وقد كانَ غزَلَت له جارِيةٌ، ثَوبًا عَشاريًّا، قُوِّمَ بثَمانيةٍ وعِشرينَ دِرهَمًا، ليَقطعَ منه قَميصَينِ، فقَطَعنا له لِفافَتَين، وأخَذَ منه فَورانُ لِفافةً أُخرى، فأدرَجناه في ثَلاثِ لَفائِفَ، واشتَرَينا له حَنوطًا، وفُرغَ من غُسلِه، وكَفَّناه وحضَرَ نَحوُ مِئةٍ من بَني هاشِمٍ، ونحن، وجَعَلوا يُقبِّلونَ جَبهتَه، حتى رَفَعناه على السَّريرِ، وقالَ عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ: صلَّى على أَبي مُحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ طاهِرٍ، غلَبَنا على الصَّلاةِ عليه، وقد كُنَّا صلَّينا عليه، نحن والهاشِميُّونَ في الدارِ.
وقالَ عُبيدُ اللهِ بنُ يَحيى بنِ خاقانَ: سمِعتُ المُتوكِّلَ يَقولُ لمُحمدِ بنِ عبدِ اللهِ: طُوبَى لك يا مُحمدُ، صلَّيتَ على أَحمدَ بنِ حَنبلٍ رَحمةُ اللهِ عليه.
وقالَ أبو بَكرٍ الخَلَّالُ: سمِعتُ عبدَ الوَهابِ الوَراقَ، يَقولُ: ما بلَغَنا أنَّ جَمعًا في الجاهِليةِ والإسلامِ مِثلُه، حتى بلَغَنا أنَّ المَوضعَ مُسحَ، وحُرِّزَ على الصَّحيحِ؛ فإذا هو نحوٌ من ألفِ ألفٍ، وحَرَّزنا على القُبورِ نَحوًا من سِتِّينَ ألفَ امرَأةٍ.
وفتَحَ الناسُ أَبوابَ المَنازلِ في الشَّوارعِ، والدُّروبِ، يُنادونَ مَنْ أَرادَ الوُضوءَ (^١).
_________________
(١) باختِصارٍ من «تاريخ الإسلام» للإمام الذهبي جزء حوادث ووفيات (٢٤١ - ٢٥٠) صفحة (١٣٧ إلى ١٤١) بتحقيق د. عبد الرحمن تدمري دار الكتاب العربي.
[ ١ / ١٢٢ ]