قالَ الرَّبيعُ بنُ سُليمانَ: أَقامَ الشافِعيُّ ههُنا أرَبعَ سَنواتِ، فأَملَى أَلفًا وخَمسَمائةِ وَرقةٍ.
وأخرَجَ كِتابَ «الأم» أَلفَي وَرقةٍ.
وكِتابَ «السنة» وأَشياءَ كَثيرةً كلُّها في أرَبعِ سِنينَ.
وكانَ عَليلًا، شَديدَ العلَّةِ، فكانَ ربَّما يَخرجُ الدَّمُ منه، وهو راكِبٌ، حتى تَمتلِئُ سَراويلُه ومَركَبُه وخُفُّه (^١).
وعن يُونسَ بنِ عبدِ الأَعلى قالَ: ما رَأيتُ أحدًا، لقِيَ من السُّقمِ، ما لقِيَ الشافِعيُّ، فدخَلتُ عليه يومًا، فقالَ لي: يا أَبا موسَى، اقرَأْ عليَّ ما بعدَ العِشرينَ والمِائةِ مِنْ آلِ عِمرانَ، وأخِفَّ القِراءةَ، ولا تُثقِلْ، فقَرأتُ عليه، فلمَّا أرَدتُ القِيامَ قالَ: لا تَغفَلْ عنِّي؛ فإنِّي مَكروبٌ، قالَ يُونسُ: عنَى الشافِعيُّ ﵁ بقِراءتِي بعدَ العِشرينَ والمائةِ ما لقِيَ النَّبيُّ ﷺ وأَصحابُه أو نحوُه (^٢).
وعن الرَّبيعِ قالَ: دخَلَ المُزنِيُّ على الشافِعيِّ، في مَرضِه الذي ماتَ فيه، فقالَ له كيف أَصبَحتَ يا أُستاذُ؟ فقالَ: أَصبَحتُ من الدُّنيا راحِلًا، ولإِخوانِي مُفارقًا، ولكَأسِ المَنيةِ شارِبًا، وعلى اللهِ وارِدًا، ولسُوءِ أَعمالِي مُلاقيًا، ثم رَمى بطَرفِه نحوَ السَّماءِ، واستَعبَرَ، ثم أنشَأَ يَقولُ:
_________________
(١) السابق (٢/ ٢٩١).
(٢) السابق (٢/ ٢٩٣).
[ ١ / ٨٣ ]
إِليكَ إلهَ الخَلقِ أَرفَعُ رَغبتِي … وإنْ كنتُ يا ذا المنِّ والجُودِ مُجرِمًا
ولمَّا قَسى قَلبِي وضاقَتْ مَذاهبِي … جعَلتُ الرَّجا منِّي لعَفوِكَ سُلمَا
تَعاظَمنِي ذَنبي فلَّما قَرنتُه … بعَفوكَ ربِّي كانَ عَفوُك أَعظمَا
فما زِلتَ ذا عَفوٍ عن الذَّنبِ لَم تَزلْ … تَجودُ وتَعفُو مِنةً وتَكرُّمَا
فلَولاكَ لم يَصمُدْ لإِبليسَ عابِدٌ … فكيفَ وقد أَغوَى صَفيَّك آدمَا
فإنْ تَعفُ عنِّي تَعفُ عن مُتمرِّدٍ … ظَلومٍ غَشومٍ لا يَزايلُ مَأثمًا
وإن تَنتقِمْ مني فلَستُ بآيسٍ … ولو أَدخَلوا نَفسِي بجُرمٍ جَهنَّما
فجُرمِي عَظِيمٌ مِنْ قَديمٍ وحَادثٍ … وعَفوُك يا ذا العَفوِ أَعلَى وأَجسَمَا (^١)
قالَ الرَّبيعُ بنُ سُليمانَ: لمَّا كانَ معَ المَغربِ، لَيلةَ ماتَ الشافِعيُّ، قالَ له ابنُ عمِّه ابنُ يَعقوبَ: نَنزِلُ نُصلِّي؟ قالَ: تَجلِسونَ تَنتظِرونَ خُروجَ نَفسِي؟ فنزَلْنا ثم صعِدْنا فقُلنا: صلَّيْنا أصلَحَك اللهُ، قالَ: نَعمْ فاستَسقَى -وكانَ شِتاءً- فقالَ له ابنُ عمِّه: أَمزُجُه بالماءِ المُسخَّنِ؟ فقالَ له الشافِعيُّ ﵀: لا، بلْ برُبِّ السَّفرجَلِ، وتُوفِّي معَ العِشاءِ الآخِرةِ رَحمةُ اللهِ عليه (^٢).
قالَ الرَّبيعُ بنُ سُليمانَ: تُوفِّي الشافِعيُّ ﵀ و﵁ لَيلةَ الجمُعةِ بعدَ المَغربِ وأنا عندَه، ودُفنَ يومَ الجمُعةِ بعدَ العَصرِ آخرَ يومٍ مِنْ رَجبٍ،
_________________
(١) «المناقب» للبيهقي (٢/ ٢٩٣، ٢٩٤).
(٢) السابق (٢/ ٢٩٦).
[ ١ / ٨٤ ]
وانصرَفْنا مِنْ جِنازتِه، ورأَيْنا هِلالَ شَعبانَ، سَنةَ أرَبعٍ ومِائتَينِ (^١) وهو ابنُ أَربعٍ وخَمسينَ سَنةً.
وعن أَبي زَكريَّا -يَعني الأَعرَج- قالَ: سمِعتُ الرَّبيعَ يَقولُ: رَأيتُ في المَنامِ، أنَّ آدمَ ماتَ ﷺ ويُريدونَ أنْ يَخرُجوا بجِنازتِه، فلمَّا أَصبَحتُ، سأَلتُ بعضَ أَهلِ العِلمِ، عن ذلك فقالَ: هذا مَوتُ أَعلمِ أَهلِ الأَرضِ؛ إنَّ اللهَ ﷿ علَّمَ آدمَ الأَسماءَ كلَّها، فما كانَ إِلا يَسيرًا حتى ماتَ الشافِعيُّ ﵀ (^٢).
وغرَبَت بذلك شَمسُ حَياتِه الدُّنيويةِ، ولكنَّ مَحبةَ هذا الإِمامِ وبَركةَ عِلمِه ومُصنَّفاتِه تَملأُ طِباقَ الأَرضِ، فما مِنْ صاحِبِ مَحبرةٍ، إلا وللشافِعيِّ عليه مِنةٌ، فنَسألُ اللهَ أنْ يَغفرَ لنا وله، وأنْ يَمنَّ علَينا وعليه بأَعلَى الدَّرجاتِ، واللهُ ﷿ يَغفِرُ لنا تَقصيرَنا في تَرجمتِه، ويُمتِّعُنا في الآخرَةِ بصُحبتِه، ويُدخِلُنا وإِياهُ في فَسيحِ جَناتِه.
وهذا أَوانُ تَركِ القَلمِ في تَرجمةِ هذا العلَمِ، والقُلوبُ بعدُ مُشتاقةٌ إلى صُحبتِه، والتَّمتعِ بكَمالِ عَقلِه، ووُفور فِطنتِه، وبَركةِ كَلماتِه، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارَكَ على المَبعوثِ رَحمةً للعالَمينَ، وآل بَيتِه الطِّيبينَ، وأَصحابِه الغُرِّ المَيامينِ، وآخرُ دَعوانا أنِ الحَمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ.
_________________
(١) السابق (٢/ ٢٩٨).
(٢) «المناقب» للبيهقي (٢/ ٦٢).
[ ١ / ٨٥ ]