قالَ الذَّهبيُّ: وطلَبَ مالِكٌ العِلمَ وهو ابنُ بِضعَ عشْرةَ سنةً، وتَأهَّلَ للفُتيا وجلَسَ للِإفادةِ وله إِحدى وعِشرونَ سنةً، وحدَّثَ عنه جَماعةٍ وهو حيٌّ شابٌّ طَريٌّ، وقصَدَه طَلبةُ العِلمِ من الآفاقِ في آخرِ دَولةِ أَبي جَعفرِ المَنصورِ، وما بعدَ ذلك، وازدَحموا عليه في خِلافةِ الرَّشيدِ، وإلى أنْ ماتَ (^٢).
عن عبدِ اللهِ ابنِ المُبارَكِ قالَ: ما رَأيتُ رَجلًا ارتَفعَ مِثلَ مالِكِ بنِ أَنسٍ، ليسَ له كَثيرُ صلاةٍ ولا صِيامٍ، إلا أنْ تَكونَ له سَريرةٌ (^٣).
قالَ عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ: قُلتُ لأَبي: مَنْ أَثبَتُ أَصحابِ الزُّهريِّ؟ قالَ: مالِكُ أَثبَتُ في كلِّ شيءٍ (^٤).
وقالَ الشافِعيُّ: إِذا ذُكرَ العُلماءُ فمالِكٌ النَّجمُ (^٥).
وعن ابنِ عُيينةَ قالَ: مالِكٌ عالمُ أَهلِ الحِجازِ، هو حُجةُ زَمانِه (^٦).
_________________
(١) «تاريخ الإسلام» (١١/ ٣٢٣).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٥٧).
(٣) «حلية الأولياء» (٦/ ٣٣٠).
(٤) «تاريخ الإسلام» (١١/ ٣٢٠).
(٥) «حلية الأولياء» (٦/ ٣١٨).
(٦) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٥٧).
[ ١ / ٣٤ ]
قالَ الذَّهبيُّ: كانَ عالِمَ المَدينةِ في زَمانِه بعدَ رَسولِه ﷺ وصاحِبَيه، زيدُ بنِ ثابتٍ، وعائِشةُ، ثم ابنُ عمرَ، ثم سَعيدُ بنِ المُسيِّبِ، ثم الزُّهريُّ، ثم عُبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، ثم مالِكٌ (^١).
وقالَ كذلك: لم يَكنْ بالمَدينةِ عالِمٌ بعدَ التابِعينَ يُشبِهُ مالِكًا في العلمِ، والفقهِ والجَلالةِ والحِفظِ؛ فقد كانَ بها بعدَ الصَّحابةِ مثلُ: سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ، والفُقهاءِ السَّبعةِ، والقاسِمِ، وسالِمٍ، وعِكرِمةَ، ونافِعٍ، وطَبقتِهم، ثم زَيدِ بنِ أسلَمَ، وابنِ شِهابٍ، وأَبي الزِّنادِ، ويَحيى بنِ سَعيدٍ، وصَفوانَ بنِ سُليمٍ، ورَبيعةَ بنِ أَبي عبدِ الرَّحمنِ، وطَبقتِهم، فلمَّا تَفانوا اشتَهرَ ذِكرُ مالِكٍ بها، وابنُ أَبي ذِئبٍ، وعبدُ العَزيزِ بنُ الماجِشونَ، وفُليحُ بنُ سُليمانَ، والدَّراوَرديُّ، وأَقرانُهم، فكانَ مالِكٌ هو المَقدَّمُ فيهم على الإِطلاقِ، والذي تُضرَبُ إليه آباطُ الإِبلِ مِنْ الآفاقِ (^٢).
قالَ ابنُ مَهديٍّ: أَئمةُ الناسِ في زَمانِهم أَربعةٌ: الثَّوريُّ، ومالِكٌ، والأَوزاعيُّ، وحَمادُ بن زيدٍ. وقالَ: ما رَأيتُ أَحدًا أَعقلَ من مالِكٍ (^٣).
_________________
(١) «الثقات» لابن أبي حاتم (٧/ ٤٥٩).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٥٨)، وقد اشتَهرَ في تَراجُمِ الإمامِ مالِكٍ، ما رَواه أَبو هُريرةَ، يَبلُغُ فيه النَّبيَّ ﷺ: «ليَضرِبنَّ الناسُ أَكبادَ الإِبلِ في طَلبِ العِلمِ، فلا يَجدونَ عالِمًا أَعلَمَ من عالِمِ المَدينةِ»، والحَديثُ رَواهُ أَحمدُ والتِّرمذيُّ والحاكمُ والبَيهقيُّ، وحسَّنَه التِّرمذيُّ، وصحَّحه الحاكمُ والبَيهقيُّ وأعلَّه الإمامُ أَحمدُ بالوقفِ، وفيه أيضًا عنعنةُ ابنِ جُريجٍ، وأَبي الزُّبيرِ، ثم القطعُ بأنَّ المَقصودَ به الإمامُ مالِكٌ لا يُمكِنُ القَطعُ به، وقد قالَ بعضُهم: سعيدُ بنُ المُسيِّبِ، ورجَّحَ بعضُهم بأنَّه العُمريُّ.
(٣) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٧٠٦).
[ ١ / ٣٥ ]
قالَ الواقِديُّ: كانَ مالِكٌ يَجلِسُ في مَنزِلِه على ضِجاعٍ ونَمارِقَ، مَطروحَةٍ يَمنْةً ويَسْرةً في سائرِ البَيتِ لمَن يَأتِي، وكانَ مَجلِسُه مَجلِسَ وَقارٍ وحِلمٍ، وكانَ مَهيبًا ونَبيلًا، ليسَ في مَجلِسِه شيءٌ من المِراءِ واللَّغطِ، وكانَ الغُرباءُ يَسأَلونَه عن الحَديثِ بعدَ الحَديثِ، وربَّما أذِنَ لبعضِهم فقرَأَ عليه، وكانَ له كاتِبٌ يُقالُ له: حَبيبٌ، قد نسَخَ كُتبَه ويَقرأُ للجَماعةِ، فإِذا أخطَأَ، فتَحَ عليه مالِكٌ، وكانَ ذلك قَليلًا (^١).
عن بَقيةَ قالَ: ما بقِيَ على وجهِ الأَرضِ أَعلمُ بسُنةٍ ماضِيةٍ منك يا مالِكُ (^٢).