قالَ أبو نُعيمٍ: قالَ أبو الفَضلِ: قالَ أبي: طلَبتُ الحَديثَ وأنا ابنُ سِتَّ عَشرةَ سَنةً، وماتَ هُشيمٌ وأنا ابنُ عِشرينَ سَنةً، وأوَّلُ سَماعي من هُشيمٍ سَنةَ تِسعٍ وسَبعينَ، وكانَ ابنُ المُباركِ قدِمَ في هذه السَّنةِ، وهي آخِرُ قَدمةٍ قدِمَها، فذهَبتُ إلى مَجلسِه فقالوا: خرَجَ إلى طَرطوسَ، وتُوفِّيَ سَنةَ إِحدى وثَمانينَ (^٢).
وقالَ العُلَيميُّ ما مُلخَّصُه: وكانَت لَوائحُ النَّجابةِ تَظهرُ منه زَمنَ الصِّبا، وكانَ حِفظُه للعِلمِ من ذلك الزَّمانِ غَزيرًا، وعِلمُه به مُتوافِرًا، وربَّما كانَ يُريدُ البُكورَ في الحَديثِ، فتَأخذُ أمُّه بثِيابِه، فتَقولُ: حتى يُؤذِنَ الناسُ، أو حتى يُصبِحوا، وسافَرَ في طَلبِ العِلمِ أَسفارًا كَثيرةً إلى البِلادِ، والكُوفةِ، والبَصرةِ، والحِجازِ، ومَكةَ، والمَدينةِ، واليَمنِ، والشامِ، والثُّغورِ، والسَّواحلِ، والمَغربِ، والجَزائرِ، والفُراتَينِ جَميعًا، وأرضِ فارِسَ، وبَلدِ خُراسانَ، والجِبالِ، والأَطرافِ، وغيرِ ذلك.
ثم رجَعَ إلى بَغدادَ، وسادَ أهلَ عَصرِه، ونصَرَ اللهُ به دِينَه، وصارَ أحَدَ
_________________
(١) «المنهج الأحمد» (١/ ٢٤).
(٢) «حلية الأولياء» و«طبقات الأصفياء» للحافظ أبي نعيم الأصبهاني (٩/ ١٦٣) مطبعة السعادة.
[ ١ / ٩٠ ]
الأَعلامِ، وأئِمةِ الإسلامِ. طلَبَ الحَديثَ، وهو ابنُ سِتَّ عَشرةَ سَنةً، وخرَجَ إلى الكُوفةِ عامَ ماتَ هُشيمٌ؛ عامَ ثَلاثةٍ وثَمانينَ ومِئةٍ، وهو أوَّلُ سَفرٍ، وخرَجَ إلى البَصرةِ عامَ سِتةٍ وثَمانينَ، وخرَجَ إلى سُفيانَ بنِ عُيَينةَ إلى مَكةَ عامَ سَبعةٍ وثَمانينَ، وقد ماتَ الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ، وهو أولُ عامٍ حَجَّ فيه، وخرَجَ إلى عبدِ الرَّازقِ بصَنعاءَ اليَمنِ، عامَ سَبعةٍ وتِسعينَ، ورافَقَ يَحيى بنَ مَعينٍ.
قالَ يَحيى: فلمَّا خرَجنا إلى عبدِ الرازقِ، إلى اليَمنِ، حجَجْنا، فبَيْنا أنا بالطَّوافِ إذا بعَبدِ الرازقِ في الطَّوافِ، فسلَّمتُ عليه، وقُلتُ له: هذا أَحمدُ بنُ حَنبلٍ، فقالَ: حَيَّاه اللهُ وثبَّتَه، فإنَّه بلَغَني عنه كلُّ جَميلٍ.
فقُلتُ لأَحمدَ: قد قرَّبَ اللهُ خُطانا، ووفَّرَ علينا النَّفقةَ، وأَراحَنا من مَسيرةِ شَهرٍ، فقالَ: إنِّي نَويتُ ببَغدادَ أنْ أسمَعَ عنه بصَنعاءَ، واللهِ لا غيَّرتُ نِيَّتي، فخرَجنا إلى صَنعاءَ فنَفِدت نَفقتُه، فعرَضَ علينا عبدُ الرازقِ دَراهمَ كَثيرةً، فلم يَقبَلْها، فقالَ: على وَجهِ القَرضِ، فأبَى وعرَضْنا عليه نَفقاتِنا، فلم يَقبَلْ، فاطَّلَعنا عليه وإذا هو به يَعمَلُ التكَّ (^١) ويُفطرُ على ثَمنِها، واحتاجَ مَرةً، فأكرَى نَفسَه للجَمالِينَ، وحَجَّ خَمسَ حَجَّاتٍ، ثَلاثَ حِججٍ ماشيًا، واثنتَينِ راكِبًا، وأنفَقَ في بعضِ حَجَّاتِه عِشرينَ دِرهمًا.
وكانَ من أَصحابِ الإِمامِ الشافِعيِّ وخَواصِّه، ولم يَزلْ يُصاحبُه إلى أن ارتحَلَ الشافِعيُّ إلى مِصرَ، وكانَ الشافِعيُّ يُجلُّه، ويُثني عليه ثَناءً حَسنًا.
_________________
(١) كذا، ولم يُصرِّحْ بمَعناهُ واللهُ أَعلَمُ مَعناها (السكاكر).
[ ١ / ٩١ ]
قالَ حَرملةُ: سمِعتُ الشافِعيَّ ﵁ (^١) يَقولُ عندَ قُدومِه إلى مِصرَ من العِراقِ: ما خلَّفتُ بالعِراقِ أحدًا يُشبهُ أحمدَ بنَ حَنبلٍ (^٢).
وقالَ أَحمدُ الدَّورقيُّ: لمَّا قدِمَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ، من عندِ عبدِ الرَّازقِ، رَأيتُ به شُحوبًا بمَكةَ، وقد تبيَّنَ عليه النَّصَبُ والتَّعبُ، فكلَّمتُه، فقالَ: هيِّنٌ فيما استَفَدناه من عبدِ الرازِقِ (^٣).