قالَ الفُضيلُ بنُ عِياضٍ: كانَ أَبو حَنيفةَ رَجلًا فَقيهًا، مَعروفًا بالفقهِ، مَشهورًا بالوَرعِ، واسعَ المالِ، مَعروفًا بالأَفضالِ على من يَطيفُ به، صَبورًا على تَعليمِ العلمِ بالليلِ والنَّهارِ، كثيرَ الصَّمتِ، قَليلَ الكلامِ، حتى تَردَ مَسألةٌ في حلالٍ أو حرامٍ، فكانَ يُحسِنُ أن يدلَّ على الحقِّ، هارِبًا من مالِ السُّلطانِ (^٣).
وزادَ ابنُ الصَّباحِ: وكانَ إذا ورَدَت عليه مَسألةٌ فيها حَديثٍ صَحيحٍ تبِعَه، وإن كانَ عن الصَّحابةِ والتابِعينَ، وإلا قاسَ، وأحسَنَ القِياسَ (^٤).
وعن أَبي بكرِ بنِ عَياشٍ قالَ: ماتَ عمرُ بنُ سَعيدٍ أَخو سُفيانَ، فأتَيْنا نُعزِّيه، فإذا المَجلسُ غاصٌّ بأَهلِه، وفيهم عبدُ اللهِ بنُ إِدريسَ، إذ أَقبَلَ أَبوحَنيفةَ في جَماعةٍ معه، فلمَّا رآهُ سُفيانُ، تَحرَّكَ من مَجلسِه، ثم قامَ فاعْتنَقَه، وأَجلسَه في مَوضعِه، وقعَدَ بينَ يدَيه. قالَ أَبو بكرٍ: فاغتَظْت عليه.
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٥٠).
(٢) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٥٠).
(٣) «الخيرات الحسان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان» (٣٢).
(٤) «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٣٩٩).
[ ١ / ١٧ ]
وقالَ ابنُ إِدريسَ: ويحَك! ألا ترَى؟ فجلَسْنا حتى تَفرَّقَ الناسُ، فقُلتُ لعبدِ اللهِ بنِ إِدريسَ: لا تَقمْ حتى نَعلمَ ما عندَه في هذا. فقُلتُ: يا أَبا عبدِ اللهِ، رَأيتُك اليومَ فعَلْت شيئًا أَنكرْتُه، وأَنكرَه أَصحابُنا عليك. قالَ: وما هو؟ قُلتُ: جاءَك أَبو حَنيفةَ، فقُمتَ إليه، وأَجلسْتَه في مَجلسِك، وصنَعتَ له صُنيعًا بَليغًا، وهذا عندَ أَصحابِنا مُنكَرٌ.
فقالَ: ما أَنكرْتَ من ذاك؟ هذا رَجلٌ من العلمِ بمَكانٍ، فإن لم أَقمْ لعِلمِه، قُمتُ لسِنِّه، وإن لم أَقمْ لسِنِّه، قُمتُ لفِقهِه، وإن لم أَقمْ لفِقهِه، قُمتُ لوَرعِه، فأَحجَمَني، فلم يَكنْ عِندي جَوابٌ (^١).
وعن أَبي وَهبٍ مُحمدِ بنِ مُزاحِمٍ قالَ: سمِعْت عبدَ اللهِ بنَ المُبارَكِ يَقولُ: رَأيتُ أَعبدَ الناسِ، ورَأيتُ أَورعَ الناسِ، ورَأيتُ أَعلمَ الناسِ، ورَأيتُ أَفقهَ الناسِ، فأما أَعبدُ الناسِ فعَبدُ العزيزِ بنُ أَبي رَوادٍ، وأما أَورعُ الناسِ فالفُضيلُ بنُ عِياضٍ، وأما أَعلمُ الناسِ فسُفيانُ الثَّوريُّ، وأما أَفقهُ الناسِ فأَبو حَنيفةَ.
ثم قالَ: ما رَأيتُ في الفقهِ مِثلَه (^٢).
وعن يَحيى بنِ مَعينٍ قالَ: كانَ أَبو حَنيفةَ ثِقةً، لا يُحدِّثُ بالحَديثِ إلا بما يَحفُظُه، ولا يُحدِّثُ بما لا يَحفظُ (^٣).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٤٠).
(٢) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٤٠).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٣٩٩).
[ ١ / ١٨ ]
وعن أَبي وَهبٍ مُحمدِ بنِ مُزاحِمٍ قالَ: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ المُبارَكِ يَقولُ: لَولا أنَّ اللهَ أَعانَني بأَبي حَنيفةَ وسُفيانَ، كُنْتُ كسائرِ الناسِ (^١).
وعن الشافِعيِّ قالَ: قيلَ لمالِكٍ: هل رَأيتُ أَبا حَنيفةَ؟ قالَ: نَعم، رَأيتُ رَجلًا لو كلَّمَك في هذه الساريةِ أن يَجعلَها ذَهبًا، لقامَ بحُجتِه (^٢).
وعن قَيسِ بنِ الرَّبيعِ قالَ: كانَ أَبو حَنيفةَ ورِعًا تَقيًّا مُفضَّلًا على إِخوانِه (^٣).
وقالَ شَريكُ: كانَ أَبو حَنيفةَ طَويلَ الصَّمتِ، كَثيرَ العَقلِ (^٤).
وقالَ يَزيدُ بنُ هارونَ: ما رَأيتُ أَحدًا أَحلمَ من أَبي حَنيفةَ (^٥).
وعن أَبي مُعاويةَ الضَّريرِ قالَ: حبُّ أَبي حَنيفةَ من السُّنةِ (^٦).
وقالَ الشافِعيُّ: الناسُ في الفقهِ عِيالٌ على أَبي حَنيفةَ (^٧).
وقالَ الذَّهبيُّ: وكانَ من أَذكياءِ بَني آدمَ، جمَعَ الفقهَ، والعِبادةَ، والوَرعَ، والسَّخاءَ، وكانَ لا يَقبلُ جَوائزَ الدَّولةِ (^٨).
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٣٩٨).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٣٩٩).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٤٠٠).
(٤) «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٤٠٠).
(٥) «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٤٠٠).
(٦) «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٤٠٠).
(٧) «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٤٠٠).
(٨) «العبر» (١/ ١٦٤).
[ ١ / ١٩ ]
وقالَ ضِرارُ بنُ صُردَ: سُئلَ يَزيدُ بنُ هارونَ أيُّهما أَفقهُ: الثَّوريُّ أو أَبو حَنيفةَ؟ فقالَ: أَبو حَنيفةَ أَفقهُ، وسُفيانُ أَحفظُ للحَديثِ (^١).
قالَ في هامشِ «السِّير»: وأما ما يُؤثَرُ عن النَّسائيِّ وابنِ عَديٍّ من تَضعيفِهما لأَبي حَنيفةَ من جِهةِ حِفظِه، فهو مَردودٌ لا يُعتدُّ به في جَنبِ تَوثيقِ أَئمةِ الجَرحِ والتَّعديلِ، من أَمثالِ عليِّ بنِ المَدينيِّ، ويَحيى بنِ مَعينٍ، وشُعبةَ، وإِسرائيلَ بنِ يُونسَ، ويَحيى بنِ آدمَ، وابنِ داودَ الخَرْيبيِّ، والحَسنِ ابن صالحٍ وغيرِهم، فهؤلاء كلُّهم مُعاصرِونَ لأبي حَنيفةَ، أو قَريبو العَهدِ به، وهم أَعلمُ الناسِ به، وأَعلمُ من النَّسائيِّ وابنِ عَديٍّ وأَمثالِهما من المُتأخِّرينَ عن أَبي حَنيفةَ بكَثيرٍ كالدَّارقُطنيِّ الذي وُلدَ بعدَ مِائتَي سنةٍ من وَفاةِ أبي حَنيفةَ، فقولُ هؤلاء الأَئمةِ الأَقربُ والأَعلمُ وأَحرى بالقَبولِ، وقولُ المُتأخِّرينَ زمنًا أَجدرُ بالرَّمي في حَضيضِ الخُمولِ.
وقد نقَلَ الشَّيخُ ابنُ حَجرٍ المَكيُّ في «الخيرات الحسان» (ص: ٣٤) قولَ شُعبةَ بنِ الحَجاجِ في أَبي حَنيفةَ: كانَ -واللهِ- حَسنَ الفَهمِ، جَيدَ الحِفظِ. وهذا نصٌّ صَريحٌ في قُوةِ حِفظِه، صادِرٌ عمَّن هو مَشهودٌ له بالإِمامةِ وبالتَّدينِ والتَّشددِ في نَقدِ الرِّجالِ، وبهذا القولِ الرَّشيدِ يَسقُطُ كلُّ ما ادَّعاهُ المُتعصِّبونَ والحاقِدونَ، من مُتقدِّمٍ ومُتأخِّرٍ، من ضَعفِ هذا الإمامِ العَظيمِ (^٢).
_________________
(١) «تذكرة الحفاظ» (١/ ١٦٨).
(٢) هامش «سير أعلام النبلاء»، بتحقيق حسين الأسد، وإشراف شعيب الأرناؤوط (٦/ ٣٩٢).
[ ١ / ٢٠ ]
وقالَ السُّبكيُّ: ضَرورةٌ نافِعةٌ لا تَراها في شيءٍ من كُتبِ الأُصولِ، فإنَّك إذا سمِعتَ أنَّ الجَّرحَ مُقدَّمٌ على التَّعديلِ، ورَأيتَ الجَّرحَ والتَّعديلَ، وكُنتَ غِرًّا بالأُمورِ، أو فَدمًا مُقتصِرًا على مَنقولِ الأُصولِ، حَسِبتَ أنَّ العَملَ على جَرحِه، فإيَّاك والحذرَ كلَّ الحذرِ من هذا الحُسبانِ، بل الصَّوابُ عندَنا أن مَنْ ثبَتَت إِمامتُه وعَدالتُه، وكثُرَ مادِحوه ومُزكُّوه، وندُرَ جارِحوه، وكانَت هناكَ قَرينةٌ دالَّةٌ على سَببِ جَرحِه، مِنْ تَعصبٍّ مَذهبيٍّ أو غيرِه، فإنَّا لا نَلتفِتُ إلى الجَرحِ فيه، ونَعملُ فيه بالعَدالةِ، وإلا فلو فتَحْنا هذا البابَ، وأخَذْنا تَقديمَ الجَرحِ على إِطلاقِه، لَما سلِمَ لنا أَحدٌ من الأَئمةِ، وإذا ما من إمامٍ إلا وقد طعَنَ فيه طاعِنونَ، وهلَكَ فيه الهالِكونَ (^١).