قالَ الحافظُ أَبو نُعيمٍ: ومنهم الإمامُ الكاملُ العالِمُ العامِلُ ذو الشَّرفِ المَنيفِ والخُلقِ الطَّريفِ، له السَّخاءُ والكَرمُ، وهو الضِّياءُ في الظُّلمِ، أَوضَحَ المُشكلاتِ، وأَفصَحَ عن المُعضِلاتِ، المُنتَشرُ عِلمُه شَرقًا وغَربًا، المُستَفيضُ مَذهبُه بَرًّا وبَحرًا، المُتبِّعُ للسُّننِ والآثارِ، المُقتدِي بما اجتَمعَ عليه المُهاجِرونَ والأَنصارُ، اقتَبسَ عن الأَئمةِ الأَخيارِ فحدَّثَ عنه الأَئمةُ الأَحبارُ، الحِجازِيُّ المُطلِبيُّ أَبو عبدِ اللهِ مُحمدُ بنِ إِدريسَ الشافِعيُّ ﵁ وأَرضاهُ، حازَ المَرتبةَ العالِيةَ وفازَ بالمَنقبةِ السامِيةِ؛ إذِ المَناقبُ والمَراتبُ يَستحِقُّها مَنْ له الدِينُ والحَسبُ، وقد ظفِرَ الشافِعيُّ بهما جَميعًا، شَرفُ العِلمِ العَملُ به وشَرفُ الحَسبِ قُربُه من رَسولِ اللهِ ﷺ فشَرفُه في العِلمِ ما خصَّه الله تَعالى به من تَصرُّفِه في وُجوهِ العِلمِ وتَبسُّطِه في فُنونِ الحِكمِ، فاستَنبطَ خَفياتِ المَعاني، وشرَحَ بفَهمٍ الأُصولَ والمَبانِي، ونالَ ذلك بما يَخصُّ اللهُ تَعالى به قُريشًا من نُبلِ الرَّأيِ (^٢).
ورَوى الخَطيبُ بسَندِه إلى إِسحاقَ بنِ راهَويهِ قالَ: أخَذَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ
_________________
(١) «تهذيب الأسماء واللغات» (١/ ٤٧، ٤٨) باختِصارٍ.
(٢) «حلية الأولياء» (٩/ ٦٣، ٦٤).
[ ١ / ٥٨ ]
بيدِي وقالَ: تعالَ حتى أَذهبَ بك إلى مَنْ لَم ترَ عَيناكَ مثلُه، فذهَبَ بي إلى الشافِعيِّ (^١).
وبسَندِه أيضًا إلى عبدِ اللهِ بنِ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ قالَ: قلتُ لأَبي: يا أَبتِ أيُّ شيءٍ كانَ الشافِعيُّ؟ فإني سمِعتُك تُكثِرُ من الدُّعاءِ له، فقالَ لي: يا بُنيَّ: الشافِعيُّ كالشَّمسِ للدُّنيا، وكالعافِيةِ للنَّاسِ، انظُرْ هل لهذَينِ من خَلفٍ أو منهما عِوضٍ (^٢).
وعن أَيوبَ بنِ سُويدٍ قالَ: ما ظنَنتُ أنِّي أَعيشُ حتى أَرى مثلَ الشافِعيِّ (^٣).
وعن صالحِ بنِ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ قالَ: ركِبَ الشافِعيُّ حِمارَه فجعَلَ أَبي يَمشِي والشافِعيُّ راكِبٌ وهو يُذاكِرُه، فبلَغَ ذلك يَحيى بنَ مَعينٍ، فبعَثَ إلى أَبي في ذلك، فبعَثَ إليه أنَّك لو كنتَ في الجانِبِ الآخرِ من الحِمارِ كانَ خيرًا لك هذا أو مَعناه (^٤).
وعن حُميدِ بنِ زَنجوَيهِ قالَ: سمِعتُ أَحمدَ بنَ حَنبلٍ يَقولُ: يُروَى الحَديثُ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ يَمنُّ على أَهلِ دِينِه في رَأسِ
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٢/ ٦٦).
(٢) «تاريخ بغداد» (٢/ ٦٦) وذكَرَه المِزيُّ في «تهذيب الكمال» (٢٤/ ٣٧١).
(٣) رواه مُسندًا البَيهقيُّ في «مناقب الشافعي» (٢١)، وذكَرَه الذَّهبيُّ في «تاريخ الإسلام» حوادث ووفيات (٢٠١ - ٢١٠) صفحة (٣١٥).
(٤) «مناقب الشافعي» للبيهقي (٢/ ٢٥٣).
[ ١ / ٥٩ ]
كلِّ مائةِ سَنةٍ برَجلٍ مِنْ أَهلِ بَيتِي يُبيِّنُ لهم أَمرَ دِينِهم» وإني نظَرتُ في سَنةِ مائةٍ فإذا رَجلٌ مِنْ آلِ رَسولِ اللهِ ﷺ مُحمدُ بنُ إِدريسَ (^١).
وعن مُحمدِ بنِ الفَضلِ البَزارِ قالَ: سمِعتُ أَبي يَقولُ حجَجتُ معَ أَحمدِ بنِ حَنبلٍ فنزَلْنا في مَكانٍ واحدٍ أو في دارٍ (يَعني مَكةَ)، وخرَجَ أَبو عبدِ اللهِ يَعنى أَحمدَ بنَ حَنبلٍ باكرًا وخرَجتُ أنا معَه فلما صلَّينا الصُّبحَ درتُ المَجالسَ فجِئتُ مَجلسَ سُفيانَ بنِ عُيينةَ، وكنتُ أَدورُ مَجلسًا مَجلسًا؛ طالبًا لأَبي عبدِ اللهِ حتى وَجدتُه عندَ شابٍّ أَعرابيٍّ وعليه ثِيابٌ مَصبوغَةٌ وعلى رأسِه جُمةٌ فزاحَمتُه حتى قعَدتُ عندَ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ فقلتُ: يا أَبا عبدِ اللهِ ترَكتَ ابنَ عُيينةَ وعندَه الزُّهريُّ وعَمرُو بنُ دِينارٍ وزِيادُ بنُ عِلاقةَ ومِن التابِعينَ ما اللهُ به عَليمٌ؟ فقالَ: اسكُتْ؛ فإنْ فاتَك حَديثٌ بعُلوٍّ، تجِدْه بنُزولٍ، فلا يَضرُّك في دِينِك ولا في عَقلِك أو في فِقهِك وإن فاتَك عَقلُ هذا الفَتى أَخافُ أنْ لا تَجدَه إلى يومِ القِيامةِ، ما رَأيتُ أحدًا أَفقهَ في كِتابِ اللهِ تَعالى من هذا الفَتى القُرشيِّ. قلتُ: مَنْ هذا؟ قالَ: مُحمدُ ابنُ إِدريسَ الشافِعيُّ (^٢).
وعن سُويدِ بنِ سَعيدٍ قالَ: كُنا عندَ سُفيانَ بنِ عُيينةَ فجاءَ مُحمدُ بنُ إِدريسَ فجلَسَ فرَوى ابنُ عُيينةَ حَديثًا رَقيقًا فغُشيَ على الشافِعيِّ، فقيلَ:
_________________
(١) «حلية الأولياء» (٩/ ٩٨).
(٢) «مناقب الشافعي» للبيهقي (٢/ ٢٥٦، ٢٥٧) ورواه أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٩٨، ٩٩).
[ ١ / ٦٠ ]
يا أَبا مُحمدٍ، ماتَ مُحمدُ بنُ إِدريسَ، فقالَ ابنُ عُيينةَ: إنْ كانَ قد ماتَ مُحمدُ ابنُ إِدريسَ فقد ماتَ أَفضلُ أَهلِ زَمانِه (^١).
قالَ الرَّازيُّ ﵀: إنَّ ثَناءَ العُلماءِ على الإمامِ الشافِعيِّ أَكثرُ مِنْ أنْ يُحيطَ به الحَصرُ، ونحنُ نَذكرُ السَّببَ في مَحبَّتِهم له وثَنائِهم عليه، فنَقولُ: الناسُ كلُّهم كانوا قبلَ زَمانِ الشافِعيِّ فَريقَينِ: أَصحابَ الحَديثِ وأَصحابَ الرَّأيِ.
أما أَصحابُ الحَديثِ فكانوا حافِظينَ لأَخبارِ رَسولِ اللهِ ﷺ إلا أنَّهم كانوا عاجِزينَ عن النَّظرِ والجَدلِ، وكلَّما أَوردَ عليهم أحدُ أَصحابِ الرَّأيِ سُؤالًا أو إِشكالًا بَقَوا على ما في أَيدِيهم عاجِزينَ مُتحيِّرينَ.
أما أَصحابُ الرَّأيِ فكانوا أَصحابَ الجَدلِ والنَّظرِ إلا أنَّهم كانوا فارِغينَ من مَعرفةِ الآثارِ والسُّننِ.
وأما الشافِعيُّ فإنه كانَ عارِفًا بسُنةِ النَّبيِّ ﷺ مُحيطًا بقَوانينِها، وكانَ عارِفًا بآدابِ النَّظرِ والجَدلِ وقَويًّا فيه، وكانَ فَصيحَ اللِّسانِ قادرًا على قَهرِ الخُصومِ، فأخَذَ في نُصرةِ أَحاديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ وكانَ مَنْ أَوردَ عليه سُؤالًا أو إِشكالًا أَجابَ عنه بأَجوبةٍ شافِيةٍ كامِلةٍ فانقَطعَ بسَببِه استِيلاءُ أَهلِ الرَّأيِ على أَصحابِ الحَديثِ، وسقَطَ فِقهُهم، وتَخلَّصَ بسَببِه أَصحابُ الحَديثِ من شُبهاتِ أَصحابِ الرَّأيِ؛ فلهذا السَّببِ
_________________
(١) «حلية الأولياء» (٩/ ٩٥٦) وذكَرَه الرَّازيُّ في «مناقب الشافعي» (٥٨/ ٥٩).
[ ١ / ٦١ ]
انطَلقتِ الأَلسنُ بمَدحِه والثَّناءِ عليه وانقادَ له عُلماءُ الدِّينِ وأَكابرُ السَّلفِ، وباللهِ التَّوفيقُ (^١).