وهذا بَحرٌ لا يُدرَكُ قَعرُه، فلو تَتبَّعْنا أَقوالَ العُلماءِ في المَدحِ والثَّناءِ لطالَ الفَصلُ جِدًّا، فنَكتَفي بإِشاراتٍ، واللهُ يَغفرُ لنا تَقصيرَنا في حَقِّه.
رَوى الخَطيبُ بسَندِه عن عليِّ بنِ المَدينيِّ قالَ: إنَّ اللهَ أعَزَّ هذا الدِّينَ برَجلَينِ ليسَ لهما ثالِثٌ: أَبو بَكرٍ الصِّديقُ يَومَ الرِّدةِ، وأَحمدُ بنُ حَنبلٍ يَومَ المِحنةِ (^٤).
وقالَ الحُسينُ بنُ مُحمدِ بنِ حاتِمٍ؛ المَعروفُ بعُبيدٍ العِجلِ، عن مُهنَّا بنِ يَحيى الشاميِّ: ما رَأيتُ أحدًا أجمَعَ لكلِّ خيرٍ، من أَحمدَ بنِ حَنبلٍ، ولقد رَأيتُ سُفيانَ بنَ عُيَينةَ، ووَكيعًا، وعبدَ الرازقِ، وبَقيةَ بنَ الوَليدِ، وضَمرةَ بنَ
_________________
(١) الأَولى تَخصيصُ التَّرضي بالصَّحابةِ الكِرامِ والتَّرحُّمِ على العُلماءِ.
(٢) باختِصارٍ من «المنهج الأحمد» (١/ ٧، ٨، ٩).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (١١/ ٢١٥).
(٤) «تاريخ بغداد» (٤/ ٥٠٨).
[ ١ / ٩٢ ]
رَبيعةَ، وكَثيرًا من العُلماءِ، فما رَأيتُ مِثلَ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ في عِلمِه وفِقهِه وزُهدِه ووَرعِه (^١).
وقالَ أبو يَعلى المَوصليُّ: سمِعتُ أحمدَ بنَ إِبراهيمَ الدَّورقيَّ يَقولُ: مَنْ سَمعتُموه يَذكرُ أحمدَ بنَ حَنبلٍ بسُوءٍ، فاتَّهموه على الإِسلامِ (^٢).
وقالَ أبو جَعفرٍ مُحمدٌ المَوصليُّ: أنشدَنِي ابنُ أعيَنَ في أَحمدَ بنِ حَنبلٍ:
أَضحى ابنُ حَنبلٍ مِحنةً مَأمونةً … وبحُبِّ أَحمدَ يُعرفُ المُتنسِّكُ
وإذا رَأيتَ لأَحمدٍ مُتنقِّصًا … فاعلَمْ بأنَّ سُتورَه ستُهتَّكُ
ورَوى أبو نُعيمٍ بسَندِه عن سَعيدِ بنِ الخَليلِ الخَزازِ: لو كانَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ في بَني إِسرائيلَ لَكانَ آيةً (^٣).
وقالَ المُزنِيُّ: قالَ لي الشافِعيُّ: رَأيتُ ببَغدادَ شابًّا إذا قالَ: حَدَّثنا، قالَ الناسُ كلُّهم: صدَقَ، قُلتُ: ومَن هو؟ قالَ: أَحمدُ بنُ حَنبلٍ (^٤).
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ: قالَ أَصحابُ بِشرٍ الحافي له، حين ضُربَ أبي: لو أنَّك خرَجتَ فقُلتَ: إنِّي على قَولِ أَحمدَ، فقالَ: أتُريدونَ أنْ أَقومَ مَقامَ الأَنبياءِ (^٥).
_________________
(١) أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١٦٥)، والمزي في «تهذيب الكمال» (١/ ٤٥٣، ٤٥٤).
(٢) «تاريخ بغداد» (٤/ ٤٢٠)، وذكره المزي في «تهذيب الكمال» (١/ ٤٥٧).
(٣) «حلية الأولياء» (٩/ ١٦٦).
(٤) «سير أعلام النبلاء» (١١/ ١٩٥).
(٥) «سير أعلام النبلاء» (١١/ ١٩٧).
[ ١ / ٩٣ ]
وقالَ إمامُ الأئِمةِ ابنُ خُزيمةَ: سمِعتُ مُحمدَ بنَ سَحتَوَيهِ، سمِعتُ أبا عُميرِ بنِ النَّحاسِ الرَّمليَّ، وذكَرَ أَحمدَ بنَ حَنبلٍ، فقالَ ﵀: «عن الدُّنيا ما كانَ أصبَرَه، وبالماضينَ ما كانَ أشبَهَه، وبالصالِحينَ ما كانَ ألحَقَه، عُرضَت له الدُّنيا فأباها، والبِدعُ فنَفاها» (^١).
وقالَ أبو داودَ: كانَت مَجالسُ أحمدَ مَجالسَ الآخِرةِ، لا يُذكرُ فيها شَيءٌ من أمرِ الدُّنيا (^٢).
ورَوى الخَطيبُ بسَندِه عن أَحمدَ بنِ سَعيدٍ الدَّارِميِّ قالَ: ما رَأيتُ أسوَدَ الرأسِ، أحفَظَ لحَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ ولا أعلَمَ بفِقهٍ ومَعانيه، من أبي عبدِ اللهِ أحمدَ بنِ حَنبلٍ (^٣).
ورَوى بسَندِه أيضًا عن عبدِ اللهِ بنِ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ قالَ: سمِعتُ أبا زَرعةَ الرازيَّ يَقولُ: كانَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ يَحفظُ ألفَ ألفِ حَديثٍ، فقيلَ له: وما يُدريكَ؟ قالَ: ذاكَرتُه فأخَذتُ عليه الأَبوابَ (^٤).
ورَوى أبو نُعَيمٍ بسَندِه عن خَلفِ بنِ سالِمٍ قالَ: كُنَّا في مَجلسِ يَزيدَ بنِ هارونَ، فمزَحَ يَزيدُ معَ مُستَمليه، فتنَحنَحَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ، فقالَ يَزيدُ: من تَنحنَحَ؟ فقيلَ له: أَحمدُ بنُ حَنبلٍ، فضرَبَ بيَدِه على جَبينِه وقالَ: ألَا علَّمتُموني أنَّ أحمدَ ههنا حتى لا أمزَحَ؟ (^٥).
_________________
(١) السابق (١١/ ١٩٨).
(٢) السابق (١١/ ١٩٩).
(٣) «تاريخ بغداد» (٤/ ٤١٩).
(٤) السابق (٤/ ٤١٩، ٤٢٠).
(٥) «حلية الأولياء» (٩/ ١٦٩).
[ ١ / ٩٤ ]
ورَوى الخَطيبُ بسَندِه عن مُحمدِ بنِ الحُسينِ الأَنماطيِّ، قالَ: كُنا في مَجلسٍ فيه يَحيى بنِ مَعينٍ وأبو خَيثمةَ زُهيرُ بنُ حَربٍ، وجَماعةٌ من كِبارِ العُلماءِ، فجَعَلوا يُثنونَ على أَحمدَ بنِ حَنبلٍ، ويَذكرونَ فَضائِلَه، فقالَ رَجلٌ: لا تُكثِروا بَعضَ هذا القَولِ، فقالَ يَحيى بنُ مَعينٍ: وكَثرةُ الثَّناءِ على أَحمدَ ابنِ حَنبلٍ تُستنكَرُ؟ لو جلَسْنا بالثَّناءِ عليه، ما ذَكَرنا فَضائِلَه بكَمالِها (^١).