قالَ صالِحُ بنُ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ: كانَ كَثيرًا ما يَأتدِمُ بالخَلِّ، وربَّما رأيتُه يأكُلُ الكِسَرَ، فيَنفُضُ الغُبارَ عنها، ثم يُصيِّرُها في قَصعةٍ، ويَصبُّ عليها الماءَ، حتى تَلينَ، ثم يَأكلُه بالمِلحِ، وما رأيتُه قَطُّ اشتَرى رُمَّانًا، ولا سَفَرجلًا، ولا شَيئًا من الفاكِهةِ، إلا أنْ يَشتريَ بِطيخةً، فيأكُلَها بالخُبزِ، أو عِنبًا، أو تَمرًا، فأمَّا غيرُ ذلك فما رأيتُه، وما اشتَراه، وكانَ ربَّما اشتَرَينا الشَّيءَ فنَستُرُه عنه، حتى لا يَرانا؛ فيُوبِّخَنا على ذلك (^٢).
قالَ صالِحٌ: ودخَلَ يَومًا إلى مَنزلي، وقد غيَّرنا سَقفًا لنا، فدَعاني ثم أَملى عليَّ حَديثَ الأَحنفِ بنِ قَيسٍ، قالَ: حَدَّثنا سُليمانُ بنُ حَربٍ قالَ: حَدَّثنا حَمادُ بنُ سَلمةَ، عن يُونسَ، عن الحَسنِ، قالَ: قدِمَ الأَحنفُ بنُ قَيسٍ من سَفرٍ، وقد غُيِّرَ أسقُفُ بَيتِه بحُمرٍ وشَقائقَ وخَضَّروها، فقالوا له: أمَا تَرى
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٤/ ٤٢١).
(٢) «فتح الباري» (٥/ ٥٠)، و«سيرةُ الإمامِ أَحمدَ» لأَبي الفَضلِ صالحِ بنِ حَنبلٍ (٤١) تَحقيق فُؤاد عَبد المُنعم ط دار الدعوة، وذكَرَه العُليميُّ في «المنهج الأحمد» (١/ ١١).
[ ١ / ٩٥ ]
إلى سَقفِ بَيتِك؟ فقالَ: مَعذرةً إِليكم، إنِّي لم أرَه، لا أدخُلُه حتى تُغيِّروه (^١).
وعن موسى بنِ حَمادٍ البَربَريِّ قالَ: حُملَ إلى الحَسنِ بنِ عَبدِ العَزيزِ مِيراثُه من مِصرَ؛ مِئةُ ألفِ دِينارٍ، فحمَلَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ ثَلاثةَ أَكياسٍ؛ في كلِّ كِيسٍ ألفُ دِينارٍ، وقالَ: يا أَبا عبدِ اللهِ، هذه مِنْ مِيراثٍ حَلالٍ، فخُذها فاستَعِنْ بها على عانَتِك، قالَ: لا حاجةَ لي فيها، أنا في كِفايةٍ، فرَدَّها ولم يَقبلْ منه شَيئًا (^٢).
وقالَ إِسحاقُ بنُ هانِئٍ: بَكَّرت يَومًا؛ لأُعارضَ أَحمدَ بالزُّهدِ، فبَسَطت له حَصيرًا، ومَخدةً، فنظَرَ إلى الحَصيرِ والمَخدةِ فقالَ: ما هذا؟ قُلتُ: لتَجلسَ عليه، قالَ: ارفَعْه، الزُّهدُ لا يَحسُنُ إلا بالزُّهدِ، فرَفعتُه وجلَسَ على التُّرابِ (^٣).
ورَوى أبو نُعيمٍ بسَندِه عن صالِحِ بنِ أَحمدَ، قالَ: دَخلتُ على أَبي في أيامِ الواثِقِ -واللهُ يَعلمُ في أيِّ حالةٍ نحن-، وقد خرَجَ لصَلاةِ العَصرِ، وقد كانَ له لِبدٌ يَجلسُ عليها، قد أتَت عليها سِنونَ كَثيرةٌ، حتى قد بلِيَ، فإذا تحتَه كِتابُ كاغَدٍ، وإذا فيه: بُلِّغت يا أَبا عبدِ اللهِ ما أنت فيه من الضِّيقِ، وما عليك من الدَّينِ، وقد وجَّهتُ إِليك بأَربعةِ آلافِ دِرهمٍ، على يدَي فُلانٍ؛ لتَقضيَ دَينَك، وتُوسِّعَ بها على عِيالِك، وما هي من صَدقةٍ، ولا زَكاةٍ، وإنَّما هو
_________________
(١) السابق (٤٢).
(٢) «المنهج الأحمد» (١/ ١١) وذكره أبو نعيم مُسنَدًا (٩/ ١٧٥).
(٣) «المنهج» (١/ ١٢) وقوله: «لأُعارِضَ أَحمدَ بالزُّهدِ» أي: يَقرأَ عليه كِتابَه «الزهد».
[ ١ / ٩٦ ]
شَيءٌ وَرثتُه من أَبي، فقَرأتُ الكِتابَ، ووَضعتُه، فلمَّا دخَلَ قُلتُ: يا أبَتِ، ما هذا الكِتابُ؟ فاحمَرَّ وَجهُه، وقالَ: رَفَعتُه منك، ثم قالَ: تَذهبُ بجَوابِه، فكتَبَ إلى الرَّجلِ: وصَلَ كِتابُك إليَّ، ونحن في عافيةٍ، فأمَّا الدَّينُ فإنَّه لرَجلٍ لا يُرهِقُنا، وأمَّا عِيالُنا فهُم في نِعمةٍ، والحَمدُ للهِ، فذهَبَ بالكِتابِ إلى الرَّجلِ الذي كان أوصَلَ كِتابَ الرَّجلِ، فقالَ: وَيحَك، لو أنَّ أَبا عبدِ اللهِ قبِلَ هذا الشَّيءَ، ورَمى به في شَبكةٍ مَثلًا في الدِّجلةِ، كانَ مَأجورًا؛ لأنَّ هذا الرَّجلَ لا يُعرفُ له مَعروفٌ، فلمَّا كانَ بعدَ حِينٍ، ورَدَّ كِتابَ الرَّجلِ بمِثلِ ذلك، فرَدَّ عليه الجَوابَ بمِثلِ ما رَدَّ، فلمَّا مَضَت سَنةٌ، أو أقَلُّ، أو أكثَرُ، ذَكَرناها، فقالَ: لو كُنَّا قَبِلناها كانَت قد ذهَبَت (^١).
وعن عَبدِ اللهِ بنِ أَحمدَ بنِ حَفصٍ قالَ: نزَلْنا بمَكةَ دارًا، وكانَ فيها شَيخٌ يُكْنَى بأبي بَكرِ بن سَماعةَ، وكانَ من أهلِ مَكةَ، قالَ: نزَلَ علينا أَبو عبدِ اللهِ في هذه الدارِ، وأنا غُلامٌ، فقالَ: فقالَت لي أُمِّي: الزَمْ هذا الرَّجلَ فاخدُمْه، فإنَّه رَجلٌ صالِحٌ، فكُنتُ أخدُمه، وكانَ يَخرجُ يَطلُبُ الحَديثَ، فسُرقَ مَتاعُه، وقُماشُه، فجاءَ، فقالَت لي أُمِّي: دخَلَ عليك السُّراقُ، فسَرَقوا قُماشَك، فقالَ: ما فعَلتَ بالأَلواحِ؟ فقالَت له أُمِّي: في الطاقِ، وما سألَ عن شَيءٍ غيرِها (^٢).
عن الرَّماديِّ قالَ: سمِعتُ عبدَ الرَّزاقِ، وذكَرَ أَحمدَ، فدمَعَت عَينُه، وقالَ: قدِمَ، وبلَغَني أنَّ نَفقتَه نَفِدَت، فأخَذتُ عَشرةَ دَنانيرَ، وعَرَضناها
_________________
(١) أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١٧٨).
(٢) أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١٧٩، ١٨٠).
[ ١ / ٩٧ ]
عليه، فتبسَّمَ، وقالَ: يا أبا بَكرٍ، لو قبِلتُ شَيئًا من الناسِ قبِلتُ منك، ولم يَقبلْ مِني شَيئًا (^١).
ونَختِمُ بقَولِ العُليميِّ: أتَتْه الدُّنيا فأَباها، والرِّياسةُ فنَفاها، وعُرضَت عليه الأَموالُ، وفُوضَت إليه الأَحوالُ، وهو يَردُّ ذلك بتَعفُّفٍ وتَعلُّلٍ وتَقلُّلٍ، ويَقولُ: قَليلُ الدُّنيا يَجزي، وكَثيرُها لا يَجزي، ويَقولُ: أنا أَفرحُ إذا لم يَكُنْ عندي شَيءٌ، ويَقولُ: إنَّما هو طَعامٌ دونَ طَعامٍ، ولِباسٌ دونَ لِباسٍ، وأيامٌ قَلائلُ (^٢).