قالَ قُتيبةُ بنُ سَعيدٍ: لولا أَحمدُ لماتَ الوَرعُ (^٣).
قالَ العُلَيميُّ: فمِن بَعضِ وَرعِه أنَّه كانَ لأُمِّ وَلدِه عبدِ اللهِ دارٌ، يَأخذُ منها أَحمدُ دِرهمًا بحَقِّ مِيراثِه، فاحتاجَت إلى نَفقةٍ تُصلَحُ بها، فأصلَحَها ابنُه عبدُ اللهِ، فتَرَك الإمامُ أَحمدُ ﵁ أخْذَ الدِّرهمِ الذي كانَ يَأخذُه، وقالَ: قد أفسَدَه عليَّ، تورَّعَ عن أخْذِ حَقِّه من الأُجرةِ، خَشيةَ أنْ يَكونَ ابنُه أنفَقَ على الدارِ ممَّا يَصلُ إليه من الخَليفةِ، ونَهى وَلدَيه وعَمَّه عن أخْذِ العَطاءِ من مالِ الخَليفةِ، فاعتَذَروا بالحاجةِ، فهَجَرهم شَهرًا لأَخذِ العَطاءِ، ووُصِف له في عِلَّتِه قَرعةٌ تُشوَى، ويُؤخَذُ ماؤُها، فلمَّا جاؤُوا بالقَرعةِ، قالَ بعضُ مَنْ
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١١/ ٢٢٩).
(٢) «المنهج الأحمد» (١/ ١١).
(٣) أبو نعيم (٩/ ١٦٨).
[ ١ / ٩٨ ]
حضَرَ: اجعَلوها في تَنُّورِ صالِحٍ؛ فإنَّهم قد خَبَزوا، فقالَ بيَدِه: لا، وأَبى أنْ يُوجَّهَ بها إلى مَنزلِ صالِحٍ، ومِثلُ هذا كَثيرٌ.
وأَجرى عليه المُتوكلُ، وعلى وَلدِه، وأهلِه أربَعةَ آلافِ دِرهمٍ، في كلِّ شَهرٍ، فبعَثَ إليه أَبو عبدِ اللهِ أنَّهم عن كِفايةٍ، فبعَثَ إليه المُتوكلُ: إنَّما هذا لوَلدِك، ما لك ولهذا، فقالَ أَحمدُ: يا عَمِّ، ما بَقيَ من أَعمارِنا؟ كأنَّك بالأمرِ وقد نزَلَ بنا، فاللهَ اللهَ، فإنَّ أَولادَنا إنَّما يُريدونَ يَتأكَّلون بنا، وإنَّما هي أيامٌ قَلائلُ، ولو كُشفَ للعَبدِ عما قد حُجبَ عنه، لعرَفَ ما هو عليه من خَيرٍ، أو شَرٍّ، صبْرٌ قَليلٌ، وثَوابٌ طَويلٌ، إنَّما هذه فِتنةٌ (^١).
وقالَ صالِحٌ: كانَ أَبي إذا دَعا له رَجلٌ قالَ: ليسَ يُحرِزُ الرَّجلُ المُؤمنُ إلا حُفرتَه، الأَعمالُ بخَواتيمِها، قالَ أَبي في مَرضِه: أَخرِجْ كِتابَ عبدِ اللهِ بنِ إِدريسَ فقالَ: اقرَأْ علَيَّ حَديثَ لَيثٍ: إنَّ طاوُوسًا كانَ يَكرهُ الأَنينَ في المَرضِ، فما سمِعتُ لأَبي أَنينًا حتى ماتَ.
وعن أَحمدَ بنِ مُحمدٍ التُّستَريِّ قالَ: ذَكَروا أنَّ أَحمدَ بنَ حَنبلٍ أتى عليه ثَلاثةُ أيامٍ ما طعِمَ فيها، فبعَثَ إلى صَديقٍ له، فاقتَرَض منه دَقيقًا، فجَهَّزوه بسُرعةٍ، فقالَ: كيف ذا؟ قالوا: تَنُّورُ صالِحٍ مُسجَرٌ، فخَبَزنا فيه، فقالَ: ارفَعوا، وأمَرَ بسَدِّ بابٍ بينَه وبينَ صالِحٍ، قالَ الذَّهبيُّ: لكَونِه أخَذَ جائِزةَ المُتوكلِ (^٢).
_________________
(١) باختِصارٍ من «المنهج الأحمد» (١/ ١٢، ١٣).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١١/ ٢١٤).
[ ١ / ٩٩ ]