قالَ الخَلالُ: حَدَّثنا ابنُ الحُسينِ أنَّ أَبا بَكرٍ المَروَزيَّ حَدَّثهم عن آدابِ أَبي عبدِ اللهِ، قالَ: كانَ أَبو عبدِ اللهِ لا يَجهلُ، وإنْ جُهلَ عليه حلَمَ، واحتمَلَ، ويَقولُ: يَكفي اللهُ، ولم يَكُنْ بالحَقودِ، ولا العَجولِ، كانَ كَثيرَ التَّواضعِ، حَسنَ الخُلقِ، دائِمَ البِشرِ، لَيِّنَ الجانِبِ، ليسَ بفَظٍّ، يُحبُّ في اللهِ، ويُبغِضُ في اللهِ، وإذا كانَ في أمرٍ من الدِّينِ، اشتَدَّ له غَضبُه، وكانَ يَحتمِلُ الأَذى من الجِيرانِ (^١).
وعن أَبي داودَ السِّجِستانِيِّ قالَ: لم يَكُنْ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ يَخوضُ في شَيءٍ مما يَخوضُ فيه الناسُ من أمرِ الدُّنيا، فإذا ذُكرَ العِلمُ تكلَّمَ.
وقالَ: مُجالسةُ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ مُجالسةُ الآخِرةِ، لا يُذكرُ فيها شَيءٌ من أمرِ الدُّنيا، ما رَأيتُ أَحمدَ بنَ حَنبلٍ ذكَرَ الدُّنيا قَطُّ (^٢).
وعن أبي الحُسينِ بنِ المُنادي قالَ: سمِعتُ جَدِّي يَقولُ: كانَ أَحمدُ من خيارِ الناسِ، وأكرَمِهم نَفسًا، وأحسَنِهم عِشرةً وأدَبًا، كَثيرَ الإِطراقِ والغَضِّ، مُعرِضًا عن القَبيحِ، واللَّغوِ، ولا يُسمعُ منه إلا المُذاكرةُ بالحَديثِ، وذِكرُ الصالِحينَ والزُّهادِ، عن وَقارٍ وسُكونٍ، ولَفظٍ حَسنٍ، وإذا لَقيَه إِنسانٌ بَشُرَ به، وأقبَلَ عليه، وكان يَتواضَعُ للشُّيوخِ تَواضُعًا شَديدًا، وكانوا يُكرِمونَه ويُعظِّمونَه، وكانَ يَفعلُ بيَحيى بنِ مَعينٍ ما لم يَفعَلْه بغيرِه من التَّواضعِ
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١١/ ٢٢١).
(٢) «المنهج الأحمد» (١/ ٢٧).
[ ١ / ١٠٠ ]
والتَّبجيلِ، وكانَ يَحيى أكبَرَ منه بنَحوِ سَبعِ سِنينَ، وكانَ إذا دخَلَ من المَسجدِ إلى البَيتِ يَضربُ برِجلِه قبلَ أنْ يَدخلَ الدارَ حتى يُسمعَ ضَربُ نَعلِه لدُخولِه الدارَ، وربَّما تنَحنَحَ؛ ليَعلمَ من في الدارِ بدُخولِه (^١).
ورَوى أبو نُعَيمٍ بسَندِه عن العَباسِ بنِ مُحمدٍ الدُّوريِّ، قالَ: حَدَّثني عليُّ بنُ أبي مُرارةَ، جارٌ لنا، قالَ: كانَت أُمِّي مُقعَدةً نَحوَ عِشرينَ سَنةً، فقالَت لي يَومًا: اذهَبْ إلى أَحمدَ بنِ حَنبلٍ، فاسألْه أنْ يَدعوَ لي، فسِرتُ إليه، فدَقَقتُ عليه البابَ وهو في دِهليزِه، فلم يَفتحْ لي، وقالَ: مَنْ هذا؟ فقُلتُ: أنا من أهلِ ذاك الجانِبِ، سألَتْني أُمِّي وهي زَمِنةٌ مُقعَدةٌ أنْ أَسألَك أنْ تَدعوَ اللهَ لها، فسمِعتُ كَلامَه كَلامَ رَجلٍ مُغضَبٍ، فقالَ: نحن أَحوجُ إلى أنْ تَدعوَ اللهَ لنا، فوَلَّيتُ مُنصرِفًا، فخرَجَت امرأةٌ عَجوزٌ من دارِه فقالَت: أنت الذي كلَّمتَ أبا عبدِ اللهِ؟ قُلتُ: نَعَمْ، قالَت: قد تَركتُه يَدعو اللهَ لها، قالَ: فجِئتُ من فَوري إلى البَيتِ، فدَقَقتُ البابَ فخرَجَت أُمِّي على رِجلَيْها تَمشي حتى فتَحَت البابَ، فقالَت: قد وهَبَ اللهُ ليَ العافيةَ (^٢).
وعن الحُسينِ بنِ إِسماعيلَ قالَ: سمِعتُ أبي يَقولُ: كانَ يَجتمِعُ في مَجلسِ أَحمدَ زُهاءُ خَمسةِ آلافٍ أو يَزيدونَ، أقَلُّ من خَمسِمِئةٍ يَكتُبونَ، والباقونَ يَتعلَّمونَ من حُسنِ الأدَبِ، وحُسنِ السَّمتِ (^٣).
_________________
(١) «المنهج الأحمد» (١/ ٢٧)، وذكره الذهبي في «السير» (١١/ ٣١٨) بنَحوه.
(٢) «حلية الأولياء» (٩/ ١٨٦، ١٨٧).
(٣) «المنهج الأحمد» (١/ ٢٦).
[ ١ / ١٠١ ]
وعن أبي بَكرٍ المُطَّوعيِّ، قالَ: اختَلَفتُ إلى أَبي عبدِ اللهِ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ اثنَتَيْ عَشرةَ سَنةً وهو يَقرأُ «المُسندَ» على أَولادِه، فما كتَبتُ منه حَديثًا واحِدًا، وإنَّما كُنْتُ أنظُرُ إلى هَديِه وأَخلاقِه وآدابِه (^١).