عن سَعيدِ بنِ سالمٍ البَصريِّ قالَ: سمِعتُ أَبا حَنيفةَ يَقولُ: لَقيتُ عَطاءً بمَكةَ فسأَلتُه عن شيءٍ، فقالَ: مِنْ أين أتيْتَ؟ قُلتُ: من أَهلِ الكوفةِ. قالَ: أنتَ من القَريةِ الذين فرَّقوا دِينَهم وكانوا شِيعًا؟ قُلتُ: نَعم. قالَ: فمِن أيِّ الأَصنافِ أنتَ؟ قُلتُ: ممَّن لا يَسبُّ السَّلفِ، ويُؤمنُ بالقَدرِ، ولا يُكفّرُ أَحدًا بذَنبٍ. قالَ: فقالَ لي عَطاءٌ: عرَفتَ، فلزَمْ (^٢).
قالَ العَلامةُ أَحمدُ بنُ حَجرٍ الهَيثميُّ المَكيُّ: اعلَمْ أنَّه يَتعيَّنُ عليك أنْ لا تَفهَمَ من أَقوالِ العُلماءِ عن أَبي حَنيفةَ وأَصحابِه: أنَّهم أَصحابُ الرَّأيِ، أنَّ مُرادَهم بذلك تَنقيصَهم، ولا نِسبتَهم إلى أنَّهم يُقدِّمونَ رَأيَهم على سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ولا على قَولِ أَصحابِه؛ لأنَّه بَراءٌ من ذلك.
فقد جاءَ عن أَبي حَنيفةَ من طُرقٍ كَثيرةٍ ما مُلخَّصُه: أنَّه أولًا يَأخذُ بما في القُرآنِ، فإن لم يَجدْ، فبالسُّنةِ، فإن لم يَجدْ، فبقَولِ الصَّحابةِ، فإن اختَلفوا، أخَذَ بما كانَ أَقربَ إلى القُرآنِ أو السُّنةِ من أَقوالِهم، ولم يَخرجْ عليهم،
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٦٠، ٣٦١).
(٢) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٣١).
[ ١ / ٢٤ ]
فإن لم يَجدْ لأَحدٍ منهم قولًا، لم يَأخذْ بقولِ أحدٍ من التابِعينَ، بل يَجتِهدُ كما اجتَهدوا.
وقالَ الفُضيلُ بنُ عِياضٍ: إنْ كانَ في المَسألةِ حَديثٌ صَحيحٌ تبِعَه، وإن كانَ عن الصَّحابةِ أو التابِعينَ فكذلك، وإلا قاسَ فأَحسَنَ القِياسَ.
وقالَ ابنُ المُبارَكِ «روايةً عنه»: إذا جاءَ الحَديثُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ فعلى الرَّأسِ والعَينِ، وإذا جاءَ عن الصَّحابةِ اختَرْنا، ولم نَخرجْ عن أَقوالِهم، وإذا جاءَ عن التابِعينَ، زاحَمْناهم.
وعنه أيضًا: عَجبًا للناسِ! يَقولونَ: أَفتى بالرَّأيِ؟ ما أُفتي إلا بالأثَرِ.
وعنه أيضًا: ليسَ لأَحدٍ أنْ يَقولَ برَأيهِ معَ كِتابِ اللهِ تَعالَى، ولا معَ سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ، ولا ما أَجمَعَ عليه الصَّحابةُ، وأما ما اختَلفوا فيه، فنَتخيَّرُ من أَقاويلِهم أَقربَه إلى كِتابِ الله تَعالَى أو إلى السُّنةِ ونَجتهِدُ، وما جاوزَ ذلك فالاجتِهادُ بالرَّأيِ لمَن عرَفَ الاختِلافَ وقاسَ، وعلى هذا كانوا (^١).