قالَ أبو نُعَيمٍ: وكانَ الإمامُ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ، مَوضِعُه من الإِمامةِ مَوضعُ الدِّعامةِ؛ لقُدوتِه بالآثارِ، ومُلازَمتِه للأَخيارِ، لا يَرى له عن الآثارِ مَعدِلًا، ولا يَرى للرَّأيِ مَعقِلًا، كانَ في حِفظِ الآثارِ الجَبلَ العَظيمَ، وفي العِللِ والتَّعليلِ، البَحرَ العَميمَ (^٢).
وعن عَبدِ المَلكِ المَيمونِيِّ قالَ: ما رَأتْ عَيني أفضَلَ من أَحمدَ بنِ حَنبلٍ، وما رَأيتُ أحدًا من المُحدِّثينَ أشَدَّ تَعظيمًا لحُرُماتِ اللهِ ﷿ وسُنةِ نَبيِّه ﷺ إذا صَحَّت عنه ولا أشَدَّ اتِّباعًا منه.
وقالَ الإمامُ أَحمدُ: ما كتَبتُ حَديثًا عن النَّبيِّ ﷺ إلا وقد عمِلتُ به، حتى مَرَّ بي في الحَديثِ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتَجمَ وأَعطَى أَبا طَيبةَ دِينارًا» فأَعطيتُ الحَجَّامَ دِينارًا، وتَسرَّى واختَفى ثَلاثًا (^٣).
_________________
(١) «المنهج الأحمد» (١/ ٢٧).
(٢) «حلية الأولياء» (٩/ ٢٢١).
(٣) «المنهج الأحمد» (١/ ٢٤) والحديث رواه مالك في «الموطأ» (٩٧٤)، الاستئذان، والبخاري (٤/ ٣٨٠) البيوع، ومسلم (١٠/ ٢٤٢) المساقاة، والدرامي (٢/ ٢٧٢) وأحمد (٣/ ١٠٠، ١٧٤، ١٨٢) وليسَ في هذه المَواضعِ أنَّه أَعطاهُ دِينارًا وفي بعضِها أنَّه أنَّه أَعطاهُ صاعًا من تَمرٍ، وفي بعضِها من شَعيرٍ، فلعلَّ للحَديثِ رِواياتٌ أُخرى لم أَقفْ عليها.
[ ١ / ١٠٢ ]
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ: ما رَأيتُ أبي حدَّثَ من غيرِ كِتابٍ، إلا بأقَلَّ من مِئةِ حَديثٍ، وسمِعتُ أبي يَقولُ: قالَ الشافِعيُّ: يا أَبا عبدِ اللهِ، إذا صَحَّ عندَكم الحَديثُ، فأَخبِرونِي حتى نَرجعَ إليه، أنتُم أعلَمُ بالأَخبارِ الصِّحاحِ مِنَّا، فإِذا كان خَبَرٌ صَحيحٌ، فأعلِمْني حتى أذهَبَ إِليه، كُوفيًّا كانَ، أو بَصريًّا، أو شامِيًّا.
قالَ الذَّهبيُّ: لم يَحتَجْ إلى أنْ يَقولَ: حِجازيًّا، فإنَّه كانَ بَصيرًا بحَديثِ الحِجازِ، ولا قالَ: مِصريًّا، فإنَّ غيرَهما كانَ أقعَدَ بحَديثِ مِصرَ منهما (^١).