عن عبدِ الله بنِ عَمرٍو: أنَّ ابنَ هُبيرةَ ضرَبَ أَبا حَنيفةَ مائةَ سَوطٍ وعشَرةَ أَسواطٍ في أنْ يليَ القَضاءَ فأَبى، وكانَ ابنُ هُبيرةَ عاملَ مَرْوانَ على العِراقِ في زَمنِ بَني أُميةَ (^٢).
_________________
(١) «الخيرات الحسان» (٤١، ٤٢).
(٢) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٢٦).
[ ١ / ٢٥ ]
وعن يَحيى بنِ عبدِ الحَميدِ عن أَبيه قالَ: كانَ أَبو حَنيفةَ يَخرجُ كلَّ يومٍ -أو قالَ: بينَ الأَيامِ- فيُضرَبُ ليَدخلَ في القَضاءِ فأَبى، ولقد بَكى في بعضِ الأَيامِ، فلمَّا أُطلقَ قالَ لي: كانَ غمُّ والدَتي أَشدُّ عليَّ من الضَّربِ (^١).
وعن بِشرِ بنِ الوَليدِ قالَ: طلَبَ المَنصورُ أَبا حَنيفةَ فأَرادَه على القَضاءِ وحلَفَ ليَليَنَّ فأَبى، وحلَفَ إنِّي لا أَفعلُ. فقالَ الرَّبيعُ الحاجبُ: تَرى أَميرَ المُؤمِنينَ يَحلِفُ وأنتَ تَحلِفُ؟ قالَ: أَميرُ المُؤمِنينَ على كَفارةِ يَمينِه أَقدرُ منِّي، فأمَرَ به إلى السِّجنِ، فماتَ فيه ببَغدادَ (^٢).
وقيلَ: دفَعَه أَبو جَعفرٍ إلى صاحبِ شُرطتِه حُمَيدٍ الطُّوسيِّ، فقالَ: يا شَيخُ، إنَّ أَميرَ المُؤمِنينَ يَدفعُ إليَّ الرَّجلَ، فيَقولُ لي: اقتُلْه، أو اقطْعَه، أو اضرِبْه، ولا أَعلمُ بقصَّتِه، فماذا أَفعلُ؟ فقالَ: هل يَأمرُك أَميرُ المُؤمِنينَ بأمرٍ وقد وجَبَ، أو بأمرٍ لم يَجبْ؟ قالَ: بل بما قد وجَبَ. قالَ: فبادِرْ إلى الواجِبِ (^٣).
وعن مُغيثِ بنِ بُديلٍ قالَ: دَعا المَنصورُ أَبا حَنيفةَ إِلى القَضاءِ فامتَنعَ، فقالَ: أَترغبُ عما نحنُ فيه؟ فقالَ: لا أصلُحُ، قالَ: كذَبتَ، قالَ: فقد حكَمَ أَميرُ المُؤمِنينَ عليَّ أنْ لا أصلُحَ إنْ كنتُ كاذِبًا، وإن كنْتُ صادقًا فقد أخبَرْتُكم أنِّي لا أَصلحُ، فحبَسَه.
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٢٧).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٤٠١)
(٣) «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٤٠٢).
[ ١ / ٢٦ ]
ورَوى نحوَها إِسماعيلُ بنُ أَبي أُويسٍ عن الرَّبيعِ الحاجبِ. وفيها قالَ أَبو حَنيفةَ: واللهِ، ما أَنا بمَأمونِ الرِّضى فكيفَ أكونُ مَأمونَ الغَضبِ؟! فلا أَصلُحُ لذلك. قالَ المَنصورُ: كذَبتَ، بل تَصلُحُ. فقالَ: كيف تُحلُّ أنْ تُولِّي من يَكذِبُ؟
وقيلَ: إنَّ أَبا حَنيفةَ ولِيَ القَضاءَ، فقَضى قَضيةً واحِدةً، وبقِيَ يَومينِ، ثم اشتْكى سِتةَ أَيامٍ، وتُوفِّيَ.
وقالَ الفَقيهُ أَبو عبدِ الله الصَّيْمريُّ: لم يَقبلِ العَهدَ بالقَضاءِ، فضُربَ وحُبسَ، وماتَ في السِّجنِ (^١).