الشافِعيُّ ﵀ أَولُ من صنَّفَ في أُصولِ الفِقهِ وأَحكامِ القُرآنِ، وقد تَسابَقَ العُلماءُ والأَكابرُ على اقتِناءِ مُصنَّفاتِه والاستِفادةِ منها، وأعظَمُ كُتبِه كِتابُه «الرسالة»؛ فهو على سُهولةِ لَفظِه، كَثيرُ المَعاني، عَظيمُ المَباني، شاهِدٌ برَجاحةِ عَقلِه، وكَمالِ بَصيرتِه، وعُذوبةِ لَفظِه.
وعن أَبي ثورٍ قالَ: كتَبَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ إلى الشافِعيِّ وهو شابٌّ: أنْ يضَعَ له كِتابًا فيه مَعاني القُرآنِ، ويَجمعُ قَبولَ الأَخبارِ فيه، وحُجةَ الإِجماعِ، والناسِخَ والمَنسوخَ من القُرآنِ والسُّنةِ، فوضَعَ له كِتابَ «الرسالة».
قالَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ: ما أُصلِّي صَلاةً إلا وأَدعو للشافِعيِّ فيها (^١).
وعن المُزنِيِّ قالَ: قرَأتُ كِتابَ «الرسالة» للشافِعيِّ خَمسَمائةِ مَرةٍ، ما من مَرةٍ منها إلا واستفَدتُ منها فائِدةً جَديدةً، لَم أَستفِدْها في الأُخرى (^٢).
وعن مُحمدِ بنِ مُسلمِ بنِ وارةَ قالَ: قدِمتُ من مِصرَ، فأَتيتُ أَبا عبدِ اللهِ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ أُسلِّمُ عليه، قالَ: كتَبتَ كُتبَ الشافِعيِّ؟ قلتُ: لا، قالَ: فرَّطتَ، ما علِمْنا المُجملَ مِنْ المُفصلِ، ولا ناسِخَ حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ، من مَنسوخِه، حتى جالَسْنا الشافِعيَّ، قالَ: فحمَلَني ذلك إلى أن رجَعتُ إلى مِصرَ، وكتَبتُها ثم قدِمتُ (^٣).
_________________
(١) «المناقب» للبيهقي (٢/ ٢٣٠).
(٢) السابق (٢/ ٢٣٦).
(٣) «حلية الأولياء» (٩/ ٩٧)، و«سير أعلام النبلاء» (١٠/ ٥٥).
[ ١ / ٧٢ ]
وعن أَحمدَ بنِ مَسلمةَ النَّيسابورِيِّ قالَ: تَزوَّحَ إِسحاقُ بنُ راهَويهِ بمَروَ، بامرَأةِ رَجلٍ عندَه كُتبُ الشافِعيِّ، فتُوفِّيَ، لم يَتزوَّجْ إلا لحالِ كُتبِ الشافِعيِّ، فوضَعَ جامِعَه الكَبيرَ على كِتابِ الشافِعيِّ، ووضَعَ جامِعَه الصَّغيرَ على جامِعِ الثَّوريِّ الصَّغيرِ (^١).
وقالَ أَبو بَكرٍ الصَّومعيُّ: سمِعتُ أَحمدَ بنَ حَنبلٍ يَقولُ: صاحِبُ حَديثٍ لا يَشبعُ من كُتبِ الشافِعيِّ (^٢).
وقالَ الجاحِظُ: نظَرتُ في كُتبِ هؤلاءِ النَّبغةِ: الذين نبَغوا في العِلمِ، فلَم أرَ أَحسَنَ تَأليفًا من المَطلبيِّ، كأنَّ لِسانَه يَنظِمُ الدُّررَ.
قالَ العَلامةُ أَحمدُ شاكِر: فكُتبُه كلُّها مُثلٌ رَائعةٌ مِنْ الأدبِ العَربيِّ النَّقيِّ في الذِّروةِ العُليا مِنْ البَلاغةِ، يَكتبُ على سَجيتِه، وعلى فِطرتِه، ولا يَتكلَّفُ، ولا يَتصنَّعُ، أَفصَحُ نَثرٍ تَقرؤُه بعدَ القُرآنِ والحَديثِ، ولا يُسامِيه قائِلٌ، ولا يُدانِيه كاتِبٌ (^٣).
وعن الرَّبيعِ بنِ سُليمانَ، قالَ: سمِعتُ الشافِعيَّ يَقولُ: أُريتُ في المَنامِ كأنَّ آتٍ أَتانِي، فحمَلَ كُتبِي، وبثَّها في الهَواءِ، فتَطايرَت، فاستَعبَرتُ بعضَ المُعبِّرينَ، فقالَ: إِنْ صدَقَت رُؤياكَ، لَم يَبقَ بلدٌ مِنْ بُلدانِ الإِسلامِ إِلا ودخَلَه عِلمُك (^٤).
_________________
(١) «حلية الأولياء» (٩/ ١٠٣).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١٠/ ٥٧).
(٣) مُقدِّمة العلَّامة/ أَحمَد شاكِر، للرسالة للشافعي (١٤).
(٤) «المناقب» للبيهقي (١/ ٢٥٩).
[ ١ / ٧٣ ]