مَضَت سُنةُ اللهِ ﷿ في عِبادِه أنَّه يَمتحِنُهم حتى يَظهرَ بالامتِحانِ صِدقُ الصادِقينَ، وكَذبُ الكَذابينَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢، ٣] وسُئلَ النَّبيُّ ﷺ عن أشَدِّ الناسِ بَلاءً فقالَ: «الأَنبياءُ ثم الأمثَلُ فالأمثَلُ» (^٢).
وقد سُئلَ الإمامُ الشافِعيُّ: هل الأفضَلُ أنْ يُمكَّنَ العَبدُ أو يُبتَلى؟ فقالَ: لا يُمكَّنُ حتى يُبتَلى، وما تعرَّضَ له إِمامُنا، وإِمامُ الدُّنيا أَحمدُ بنُ حَنبلٍ ﵀ يَدلُّ على مَكانتِه في الإِيمانِ، وعُلوِّ شأنِه عندَ المَلكِ الدَّيانِ، قالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١١/ ٢١٣، ٢١٤).
(٢) حَسَنٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (٢٣٩٨)، وابن ماجه (٤٠٢٣).
[ ١ / ١٠٣ ]
وقالَ بَعضُ السَّلفِ: لمَّا أخَذوا برأسِ الأمرِ، جَعَلناهم رُؤوسًا، فبالصَّبْرِ واليَقينِ تُنالُ الإِمامةُ في الدِّينِ، وقد أخَذَ اللهُ ﷿ على أهلِ العِلمِ المِيثاقَ أنْ يُبيِّنوا للناسِ الحَقَّ ولا يَكتُموه.
وقالَ النَّبيُّ ﷺ: «أفضَلُ الجِهادِ كَلِمةُ عَدلٍ عِنْدَ سُلطَانٍ جائِرٍ، أو أمِيرٍ جائِرٍ» (^١).
قالَ العُلماءُ: وإنَّما كانَ ذلك أفضَلَ الجِهادِ؛ لأنَّ الجِهادَ تَعريضٌ للنَّفسِ للتَّلفِ، وكَلمةُ العَدلِ عندَ السُّلطانِ الجائِرِ، يَغلِبُ على الظَّنِّ تَلفُها.
فالواجِبُ على العُلماءِ والدُّعاةِ إلى اللهِ ﷿ الجَهرُ بكَلمةِ الحَقِّ، غيرَ هائِبينَ، ولا وَجِلينَ.
قالَ الذَّهبيُّ ﵀: الصَّدعُ بالحَقِّ عَظيمٌ يَحتاجُ إلى قُوةٍ وإِخلاصٍ؛ فالمُخلِصُ بلا قُوةٍ، يَعجِزُ عن القيامِ به، والقَويُّ بلا إِخلاصٍ يُخذَلُ، فمَن قامَ به كامِلًا، فهو صِدِّيقٌ، ومَن ضعُفَ فلا أقَلَّ من التَّألُّمِ والإِنكارِ بالقَلبِ، وليسَ وَراءَ ذلك إِيمانٌ، فلا قُوةَ إلا باللهِ (^٢).
وقد تعاقَبَ على الإِمامِ أَحمدَ أربَعةُ خُلفاءَ، بَعضُهم بالتَّهديدِ والوَعيدِ، وبَعضُهم بالضَّربِ والحَبسِ، وبَعضُهم بالنَّفيِ والتَّشريدِ، وبَعضُهم بالتَّرغيبِ في الرِّياسةِ والمالِ، ولا يَزدادُ الإِمامُ إلا ثِقةً، وإِيمانًا، ويَقينًا، وهذا شأنُ الإِيمانِ الصادِقِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ [لقمان: ٢٢].
_________________
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٣٤٤)، والترمذي (٢١٧٤).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١١/ ٢٣٤).
[ ١ / ١٠٤ ]
فالمُؤمِنونَ الصادِقونَ يَزدادونَ بالبَلاءِ إِيمانًا، وتَسليمًا، والمُنافِقونَ، يَخافونَ من لا شَيءَ، كما قالَ تَعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤].
قالَ العُليميُّ ما مُلخَّصُه: لمَّا ولِيَ المَأمونُ أبو جَعفرِ بنُ هارونَ الرَّشيدِ، وكانَت وِلايَتُه في المُحرمِ، وقيلَ: في رَجبٍ عامَ ثَمانيةٍ وتِسعينَ ومِئةٍ، صارَ إليه قَومٌ من المُعتزلةِ، وأَزاغوه عن طَريقِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، وحَسَّنوا له قَبيحَ القَولِ بخَلقِ القُرآنِ، فصارَ إلى مَقالتِهم، وقُدِّرَ أنَّه في آخِرِ عُمرِه، خرَجَ من بَغدادَ لغَزوِ بِلادِ الرُّومِ، فعَنَّ له أنْ يَكتبَ إلى إِسحاقَ بنِ إِبراهيمَ بنِ مُصعبٍ صاحِبِ الشُّرطةِ أنْ يَدعوَ الناسَ إلى القَولِ بخَلقِ القُرآنِ، فاستَدعَى جَماعةً من العُلماءِ والقُضاةِ وأئِمةِ الحَديثِ، ودَعاهُم إلى ذلك، فامتَنَعوا، فهَدَّدهم، فأَجابَ أكثَرُهم مُكرَهينَ، واستمَرَّ الإِمامُ ﵁ على الامتِناعِ، واشتَدَّ غَضبُه.
فلمَّا أصرَّ الإمامُ أَحمدُ على الامتِناعِ، حُملَ على بَعيرٍ، وسَيَّروه إلى الخَليفةِ.
قالَ أبو جَعفرٍ الأَنباريُّ: لمَّا حُملَ الإِمامُ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ، إلى المَأمونِ أُخبِرتُ، فعبَرتُ الفُراتَ، فإذا هو جالِسٌ في الخانِ، فسلَّمتُ عليه، فقالَ: يا أبا جَعفرٍ تَعنَّيتَ، فقُلتُ: ليسَ هذا عَناءً، وقُلتُ له: يا هذا، أنت اليَومَ رأسُ الناسِ، والناسُ يَقتَدونَ بكم، فواللهِ لئِن أجَبتَ إلى خَلقِ القُرآنِ ليُجيبَنَّ بإِجابَتِك خَلقٌ كَثيرٌ من خَلقِ اللهِ تَعالى، وإنْ لم تُجِبْ، ليَمتَنِعنَّ خَلقٌ من الناسِ كَثيرٌ، ومع هذا فإنَّ الرَّجلُ إنْ لم يَقتُلْك، فإنَّك تَموتُ، ولا بدَّ من
[ ١ / ١٠٥ ]
المَوتِ، فاتَّقِ اللهَ، ولا تُجِبْهم إلى شَيءٍ، فجعَلَ أَحمدُ يَبكي، ويَقولُ: ما شاءَ اللهُ!! ما شاءَ اللهُ!!
ثم سارَ أَحمدُ إلى المَأمونِ، فبلَغَه تَوعُّدُ الخَليفةِ له بالقَتلِ، إنْ لم يُجِبْه إلى القَولِ بخَلقِ القُرآنِ، فتَوجَّهَ الإِمامُ أَحمدُ بالدُّعاءِ إلى اللهِ تَعالى، ألَّا يَجمعَ بينَه وبينَه، فبَينا هو في الطَّريقِ، قبلَ وُصولِه إليه إذ جاءَهم الصَّريخُ بمَوتِ المَأمونِ.
وكانَ مَوتُه في شَهرِ رَجبٍ، عامَ ثَمانيةَ عَشرَ ومِئتَينِ، فرُدَّ الإِمامُ إلى بَغدادَ، وحُبسَ، ثم وَلي الخِلافةَ المُعتصمُ، وهو أَبو إِسحاقَ، مُحمدُ بنُ هارونَ الرَّشيدِ.
وقدِمَ من بِلادِ الرُّومِ، فدخَلَ بَغدادَ في مُستهلِّ شَهرِ رَمضانَ، عامَ ثَمانيةَ عَشرَ ومِئتَينِ، فامتُحنَ الإِمامُ أَحمدُ، وضُربَ بينَ يَدَيه.
وكانَ من خبَرِ المِحنةِ أنَّ المُعتصمَ لمَّا قصَدَ إِحضارَ الإِمامِ، ازدَحَم الناسُ على بابِه، كيَومِ عِيدٍ، وبسَطَ بمَجلِسِه بِساطًا، ونصَبَ كُرسيًّا جلَسَ عليه، ثم قالَ: أحضِروا أَحمدَ بنِ حَنبلٍ، فأَحضَروه، فلمَّا وقَفَ بينَ يَدَيه سلَّم عليه، فقالَ له: يا أَحمدُ، تَكلَّمْ ولا تَخَفْ، فقالَ الإمامُ أَحمدُ: واللهِ لقد دخَلتُ عليكَ وما في قَلبي مِثقالُ حَبةٍ من الفَزعِ، فقالَ له المُعتصمُ: ما تَقولُ في القُرآنِ؟ فقالَ: كَلامُ اللهِ قَديمٌ، غيرُ مَخلوقٍ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، فقالَ له: عندَك حُجةٌ غيرُ هذا؟ فقالَ: نَعَمْ، قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١)
[ ١ / ١٠٦ ]
عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ [الرحمن: ١، ٢] ولم يَقُلْ: الرَّحمنُ خلَقَ القُرآنَ، وقَولُه تَعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [يس: ١، ٢] ولم يَقُلْ: يَس والقُرآنِ المَخلوقِ، فقالَ المُعتصِمُ: احبِسوه، فحُبسَ وتفرَّقَ الناسُ.
فلمَّا كانَ من الغَدِ، جلَسَ المُعتصمُ على كُرسيِّه، وقالَ: هاتوا أَحمدَ بنَ حَنبلٍ، فاجتمَعَ الناسُ، وسُمعَت لهم ضَجةٌ ببَغدادَ، فلمَّا جِيءَ به، وقَفَ بينَ يَدَيه، والسُّيوفُ قد جُرِّدت، والرِّماحُ قد رُكِزَت، والأَتراسُ نُصبَت، والسِّياطُ قد طُرحَت، فسألَه المُعتصِمُ عمَّا يَقولُ في القُرآنِ، قالَ: أَقولُ: غيرُ مَخلوقٍ، قالَ: ومِن أينَ قُلتَ؟ فقالَ: حَدَّثني عبدُ الرَّزاقِ عن مَعمَرٍ عن الزُّهريِّ، عن أنَسٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ اللهَ كلَّمَ مُوسى بمِئةِ ألفِ كَلمةٍ وعِشرينَ ألفَ كَلمةٍ وثَلاثِمئةِ كَلمةٍ وثَلاثَ عَشرةَ كَلمةً فكانَ الكَلامُ من اللهِ والاستِماعُ من مُوسى» ثم قالَ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، فإنْ يَكنِ القَولُ من اللهِ تَعالى فإنَّ القُرآنَ كَلامُ اللهِ.
وأحضَرَ المُعتصِمُ له الفُقهاءَ والقُضاةَ، فناظَروا بحَضرتِه، في مُدةِ ثَلاثةِ أَيامٍ، وهو يُناظِرُهم، ويَظهَرُ عليهم بالحُججِ القاطِعةِ، ويَقولُ: أنا رَجلٌ علِمتُ عِلمًا، ولم أَعلمْ فيه بهذا، أَعطونِي شَيئًا من كِتابِ اللهِ وسُنةِ رَسولِه ﷺ حتى أَقولَ به، وكُلَّما ناظَروه وألزَموه القَولَ بخَلقِ القُرآنِ، يَقولُ لهم: كيف أَقولُ ما لم يُقَلْ؟ وكانَ من المُعتصِمينَ (^١) عليه مُحمدُ بنُ
_________________
(١) كذا وهو صَوابٌ ولعلَّه من المُتعصِّبينَ كما أشارَ إليه في الهامِش الأُستاذ/ مُحمَّد مُحيي الدِّينِ عَبد الحَميد.
[ ١ / ١٠٧ ]
عبدِ المَلكِ الزَّياتُ، وَزيرُ المُعتصِمِ، وأَحمدُ بنُ أبي القاضي، وبِشرٌ المَريسيُّ، وكانا من المُعتزلةِ قائِلَينِ بخَلقِ القُرآنِ، فقالَ ابنُ أبي داودَ وبِشرٌ للخَليفةِ: اقتُلْه حتى نَستريحَ منه، هذا كافِرٌ مُضِلٌّ، فقالَ: إنِّي عاهَدتُ اللهَ ألَّا أقتُلَه بسَيفٍ، وألا آمُرَ بقَتلِه بسَيفٍ، فقالا له: اضرِبْه بالسِّياطِ، فقالَ المُعتصِمُ له: وقَرابَتي من رَسولِ اللهِ ﷺ لأَضربَنَّك بالسِّياطِ، أو تَقولَه كما أَقولُ، فلم يُرهِبْه ذلك، فقالَ المُعتصِمُ: أحضِروا الجَلَّادينَ، فأُحضِروا، فقالَ المُعتصِمُ لواحِدٍ منهم: بكم سَوطٍ تَقتُلُه؟ قالَ: بعَشرةٍ، قالَ: خُذْه إليك، فأُخرجَ الإِمامُ أَحمدُ من أَثوابِه، وشُدَّ في يَدَيه حَبلانِ جَديدانِ، ولمَّا جِيءَ بالسِّياطِ نظَرَ إليها المُعتصِمُ قالَ: ائْتُوني بغيرِها، ثم قالَ للجَلَّادينَ: تَقدَّموا، فلمَّا ضُربَ سَوطًا قالَ: بِسمِ اللهِ، فلمَّا ضُربَ الثانِيَ قالَ: لا حَولَ ولا قُوةَ إلا باللهِ، فلمَّا ضُربَ الثالِثَ قالَ: القُرآنُ كَلامُ اللهِ غيرُ مَخلوقٍ، فلمَّا ضُربَ الرابِعَ قالَ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] وجعَلَ الرَّجلُ يَتقدَّمُ إلى الإمامِ أَحمدَ، فيَضربُه سَوطَين، فيُحرِّضُه المُعتصِمُ على التَّشديدِ في الضَّربِ، فلمَّا ضُربَ تِسعةَ عَشرَ سَوطًا قامَ إليه المُعتصِمُ فقالَ له: يا أَحمدُ، عَلامَ تَقتُلُ نَفسَك؟ إنِّي واللهِ عليك لشَفيقٌ، قالَ أَحمدُ: فجعَلَ عُجَيفٌ يَنخُسُني بقائِمةِ سَيفِه، وقالَ: تُريدُ أنْ تَغلِبَ هؤلاء كلَّهم؟ وجعَلَ بَعضُهم يَقولُ: وَيلَك! الخَليفةُ على رأسِك قائِمٌ، وقالَ بَعضُهم: يا أَميرَ المُؤمِنينَ، دَمُه في عُنقي اقتُلْه، وجَعَلوا يَقولونَ: يا أَميرَ المُؤمِنينَ، إنَّه صائِمٌ، وأنتَ في الشَّمسِ قائِمٌ، فقالَ لي: وَيحَك يا أَحمدُ، ما تَقولُ؟ فأَقولُ: أَعطوني شَيئًا من كِتابِ اللهِ وسُنةِ رَسولِه حتى أَقولَ به، ثم رجَعَ الخَليفةُ
[ ١ / ١٠٨ ]
فجلَسَ، ثم قالَ للجَلَّادِ: تَقدَّمْ، وحرَّضَه على إِيجاعِه بالضَّربِ، ثم قامَ الثانيةَ، فجعَلَ يَقولُ: وَيحَك يا أَحمدُ، أَجِبْني، قالَ الإِمامُ أَحمدُ: فجَعَلوا يُقبِلونَ علَيَّ، ويَقولونَ: يا أَحمدُ؛ إِمامُك على رأسِك قائِمٌ، وجعَلَ بَعضُهم يَقولُ: من صنَعَ من أَصحابِك في هذا الأمرِ ما تَصنعُ؟ قالَ: وجعَلَ المُعتصِمُ يَقولُ: وَيحَك!! أجِبْني إلى شَيءٍ لك منه أدْنى فَرجٍ، حتى أُطلِقَ عنك بيَدي، فقُلتُ: يا أَميرَ المُؤمِنينَ، أَعطوني شَيئًا من كِتابِ اللهِ، وسُنةِ رَسولِه ﷺ، حتى أَقولَ به، فرجَعَ المُعتصِمُ، فجلَسَ، وقالَ للجَلَّادينَ: تَقدَّموا، فجعَلَ الجَلَّادُ يَتقدَّمُ ويَضربُني سَوطَين، ويَتنَحَّى، وهو عندَ ذلك يُحرِّضُهم على التَّشديدِ في الضَّربِ، ويَقولُ: شُدُّوا قطَعَ اللهُ أيديَكم قالَ: قالَ الإِمامُ أَحمدُ: فذهَبَ عَقلي، فأفَقتُ بعدَ ذلك، فإذا الأَقيادُ قد أُطلِقت عنِّي، فقالَ رَجلٌ ممَّن حضَرَ: إنَّا كَفَيناك على وَجهِك، وطَرَحنا على ظَهرِك باريةً (^١) ودُسْناك، قالَ: فما شَعَرت بشَيءٍ من ذلك، فأتَوْني بسَويقٍ، فقالوا لي: اشرَبْ وتَقيَّأْ، فقُلتُ: لستُ أُفطرُ، ثم جِيءَ بي إلى دارِ إِسحاقَ بنِ إِبراهيمَ، فحَضرَت صَلاةُ الظُّهرِ فتَقدَّمَ ابنُ سَماعةَ فصَلَّى، فلمَّا انفَتَل من الصَّلاةِ قالَ لي: صلَّيتَ والدَّمُ يَسيلُ في ثَوبِك، فقُلتُ: قد صَلَّى عُمرُ وجُرحُه يَثغَبُ دَمًا (^٢).
وقالَ بَعضُ المُؤرِّخينَ: إنَّ المِحنةَ كانَت في عامِ تِسعةَ عَشرَ ومِئتَيْن، ورَأيتُ في مَوضعٍ أنَّها كانَت في العَشرِ الأَواخِرِ من رَمضانَ، عامَ عِشرينَ
_________________
(١) الباريةُ: الحَصيرُ.
(٢) يَثغَبُ: أي يَسيلُ.
[ ١ / ١٠٩ ]
ومِئتَينِ، والصَّوابُ ما قَدَّمناه عن ابتِداءِ خَبَرِ المِحنةِ، أو وُقوعِها في شَهرِ رَمضانَ، عامَ ثَمانيةَ عَشرَ ومِئتَينِ، بدَليلِ أنَّ بِشرًا المَريسيَّ هو الذي تَولَّى كِبْرَها، وماتَ بشَهرِ ذي الحِجةِ في عامِ ثَمانيةَ عَشرَ، وقد قيلَ: إنَّ مَوتَه كانَ عامَ تِسعةَ عَشرَ، كما قالَه بعضُ المُؤرِّخينَ، والأوَّلُ أوْلى؛ لأنَّ المُعتصِمَ وَليَ الخِلافةَ بعدَ المَأمونِ، ودخَلَ بَغدادَ في غُرةِ رَمضانَ، عامَ ثَمانيةَ عَشرَ، كما تَقدَّمَ، والإمامُ أَحمدُ في الحَبسِ، وامتَحَنه عَقِبَ دُخولِه بَغدادَ.
وقد رَأيتُ في مَوضعٍ آخَرَ أنَّ الإمامَ أَحمدَ أُخرجَ من السِّجنِ في شَهرِ رَمضانَ، عامَ عِشرينَ ومِئتَينِ، وهذا مُتَّجهٌ، يُعضِّدُه ما قدَّمناه قَريبًا، أنَّه مكَثَ في السِّجنِ نَحوَ ثَمانيةٍ وعِشرينَ شَهرًا؛ لأنَّ ابتِداءَ حَبسِه في أَيامِ المَأمونِ، قبلَ وَفاتِه، وكانَت وَفاةُ المَأمونِ في رَجبٍ، عامَ ثَمانيةَ عَشرَ، فمِن ذلك التاريخِ إلى رَمضانَ عامِ عِشرينَ نَحوُ ثَمانيةٍ وعِشرينَ شَهرًا، فيَظهرُ من ذلك صِحةُ القَولِ بأنَّ المِحنةَ في شَهرِ رَمضانَ، عامَ ثَمانيةٍ وعِشرينَ ومِئتَينِ واللهُ أعلَمُ.
لمَّا وَلي الواثِقُ بعدَ المُعتصِمِ، وهو أبو جَعفرٍ هارونُ المُعتصِمُ، وكانَت وِلايتُه في رَبيعٍ الأولِ، عامَ سَبعةٍ وعِشرينَ ومِئتَينِ، لم يَتعرَّضْ للإِمامِ أَحمدَ في شَيءٍ، إلا أنَّه بعَثَ إليه يَقولُ: لا تُساكِنِّي بأرضٍ، وقيلَ: أمَرَه ألَّا يَخرجَ من بَيتِه، فصارَ الإِمامُ أَحمدُ يَختَفي في الأَماكنِ، ثم صارَ إلى مَنزلِه، فاختَفى فيه عِدةَ أشهُرٍ إلى أنْ ماتَ الواثِقُ (^١).
_________________
(١) قالَ الذَّهبيُّ: قالَ إِبراهيمُ نِفطوَيهِ: حدَّثِني حامدُ بنُ العَباسِ عن رَجلٍ عن المُهتدِي: أنَّ الواثِقَ ماتَ وقد تابَ عن القَولِ بخَلقِ القُرآنِ (١١/ ٣١٦) «سير أعلام النبلاء».
[ ١ / ١١٠ ]
ولمَّا وَليَ المُتوكِّلُ بعدَ الواثِقِ، وهو أبو الفَضلِ جَعفرُ بنُ المُعتصِمِ، وكانَت وِلايتُه في ذي الحِجةِ عامَ اثنَين وثلاثينَ ومِئتَينِ، خالَفَ ما كانَ عليه المَأمونُ والمُعتصِمُ والواثِقُ من الاعتِقادِ، وطعَنَ عليهم فيما كانوا يَقولونَه من خَلقِ القُرآنِ، ونَهى عن الجِدالِ والمُناظَرةِ عن الأَداءِ، وعاقَبَ عليه، وأمَرَ بإِظهارِ الرِّوايةِ للحَديثِ، فأظهَرَ اللهُ به السُّنةَ، وأَماتَ به البِدعةَ، وكشَفَ عن الخَلقِ تلك الغُمةَ، وأنارَ به تلك الظُّلمةَ، وأطلَقَ من كانَ اعتُقلَ بسَببِ القَولِ بخَلقِ القُرآنِ، ورفَعَ المِحنةَ عن الناسِ، فاستَبشرَ الناسُ بوِلايتِه، وأمَرَ بالقَبضِ على مُحمدِ بنِ عبدِ المَلكِ الزَّياتِ الوَزيرِ، ووضَعَه في تَنُّورٍ إلى أنْ ماتَ، وذلك في عامِ ثَلاثةٍ وثَلاثينَ ومِئتَينِ، وابتَلى اللهُ أَحمدَ بنَ أبي داودَ بالفالِجِ، بعدَ مَوتِ الوَزيرِ بسَبعةٍ وأربَعينَ يَومًا، فوَليَ القَضاءَ مَكانَه وَلدُه؛ أبو الوَليدِ مُحمدٌ، فلم تَكُنْ طَريقَتُه مَرضيَّةً، وكَثُرَ ذامُّوه، وقَلَّ شاكِروه، ثم سخِطَ المُتوكِّلُ على أَحمدَ بنِ أبي داودَ، ووَلدِه مُحمدٍ، في عامِ تِسعةٍ وثَلاثينَ ومِئتَينِ، وأخَذَ جَميعَ ضِياعِ الأبِ وأموالَه من الوَلدِ، مِئةً وعِشرينَ ألفَ دِينارٍ، وجَواهرَ بأربَعينَ ألفَ دِينارٍ، وسَيَّره إلى بَغدادَ من «سُرَّ من رأى» (^١).
ووَليَ القاضي يَحيَى بنُ أَكثمَ مَنصِبَ قاضي القُضاةِ (^٢)؛ فإنَّه كانَ من أئِمةِ الدِّينِ، وعُلماءِ السُّنةِ، ثم ماتَ أَحمدُ بنُ أبي داودَ بمَرضِ الفالِجِ، في
_________________
(١) اسمُ المَوضعِ الذي به الخَليفةُ.
(٢) ورَدَ النَّهيُّ عن التَّسمِّي بقاضِي القُضاةِ ومَلكِ المُلوكِ، وشَاهٍ شَاهٍ.
[ ١ / ١١١ ]
المُحرمِ، عامَ أربَعينَ ومِئتَينِ، وماتَ وَلدُه مُحمدٌ قبلَه بعِشرينَ يَومًا، وكانَ بِشرٌ المَريسيُّ قد أهلَكَه اللهُ وماتَ في ذي الحِجةِ، عامَ ثَمانيةَ عَشرَ، وقيلَ: تِسعةَ عَشرَ ومِئتَينِ.
وعن عِمرانَ بنِ مُوسى قالَ: دَخلتُ على أبي العُروقِ الجَلَّادِ، الذي ضرَبَ أَحمدَ؛ لأنظُرَ إليه؛ فمكَثَ خَمسةً وأربَعينَ يَومًا يَنبَحُ؛ كما يَنبَحُ الكَلبُ.
وقد انتقَمَ اللهُ من كلِّ خُصومِه، المُبتدِعينَ الذين سَعَوْا في أمرِه، وخذَلَهم، ونصَرَه عليهم بحَولِ اللهِ وقُوَّتِه، وبَركةِ كِتابِه، وسُنةِ نَبيِّه مُحمدٍ ﷺ.
وشرَعَ المُتوكلُ في الإِحسانِ إلى الإِمامِ أَحمدَ، وتَعظيمِه، وإِكرامِه، وكتَبَ إلى نائِبِه ببَغدادَ، إِسحاقَ بنِ إِبراهيمَ أنْ يَبعثَ إليه بالإِمامِ أَحمدَ، فجهَّزَه مُعظَّمًا مُكرَّمًا إلى الخَليفةِ المُتوكِّلِ على اللهِ بسُرَّ مَنْ رأى، قالَ عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ: وبعَثَ المُتوكِّلُ إليه يَقولُ: قد أحبَبتُ أنْ أَراكَ، وأتبَرَّكَ بدُعائِك، فخرَجنا من بَغدادَ، فأنزَلَنا دارًا، والمُتوكِّلُ يَرانا من وَراءِ السِّتْرِ، وأخبَرَ بَعضَ الخَدمِ أنَّ المُتوكِّلَ لمَّا كانَ قاعِدًا وَراءَ السِّتْرِ، ودخَلَ الإمامُ الدارَ، قالَ لأُمِّه: يا أُمَّاه، قد أنارَتِ الدارُ، قالَ عبدُ اللهِ: فأمَرَ لأَبي بثِيابٍ، ودَراهمَ، وخِلعةٍ، فبَكى، وقالَ: أسلَمُ من هؤلاء مُنذُ سِتِّينَ سَنةً، فلمَّا كانَ آخِرُ العُمرِ ابتُليتُ بهم، ولمَّا جاؤُوا بالخِلعةِ لم يَمسَّها، ولا غيَّرَها، فجَعَلها على كَتفَيْه، فما زالَ يَتحرَّكُ حتى رَمَى بها، وأرسَلَ إليه المُتوكِّلُ مالًا جَزيلًا، فأبى أنْ يَقبَلَه، فقيلَ له: إنْ رَددتَه وجَدَ عليك في نَفسِه، ففرَّقَه على مُستحِقِّيه، ولم يأخُذْ منه شَيئًا، وكانَ كلَّ يَومٍ يُرسِلُ إليه مِنْ طَعامِه الخاصِّ، فلا يَأكلُ منه لُقمةً.
[ ١ / ١١٢ ]
قالَ صالِحٌ: وأمَرَ المُتوكِّلُ أنْ يُشتَرى له دار، فقالَ: يا صالِحُ، لئِن أقرَرتَ لهم بشِراءِ دارٍ ليَكونَنَّ القَطيعةَ بَيني وبينَك، فلم يَزلْ يَدفعُ شِراءَ الدارِ حتى اندفَعَ، ثم عادَ إلى بَغدادَ، وكانَ المُتوكِّلُ لا يُولِّي أحدًا إلا بمَشورةِ الإِمامِ أَحمدَ، ومكَثَ الإمامُ إلى حينِ وَفاتِه قلَّ أنْ يَأتيَ يَومٌ إلا ورِسالةُ الخَليفةِ تَنفُذُ إليه في أُمورٍ يُشاوِرُه فيها، ويَستَشيرُه، -رحمهما الله- ورَضيَ عنهما (^١).