ذهَب عامَّةُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ، وحَكاه ابنُ المُنذِرِ إجماعًا إلى أنَّ المُضاربةَ بدَينٍ لِرَبِّ المالِ على العامِلِ لا تَصحُّ، فإنْ كان لِرَبِّ المالِ دَينٌ على رَجُلٍ فقال له: اعمَلْ بدَيْني الذي عِندَك مُضارَبةً بالنِّصفِ أو الثُّلثِ فسَدت المُضارَبةُ.
قال ابنُ المُنذِرِ ﵀ (^٢): أجمَع كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ أنَّه
_________________
(١) «الإشراف» (٣/ ١٦١، ١٦٢) رقم (١٠١١)، وينظر: «بدائع الصانع» (٦/ ٨٢، ٨٣)، و«الاختيار» (٣/ ٢٢)، و«الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٤٣)، و«روضة الطالبين» (٣/ ٧٣٩)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٤٢)، و«نهاية المحتاج» (٥/ ٢٥٢)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٦٠)، و«كشاف القناع» (٣/ ٥٨٢)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٤٧)، و«الروض المربع» (٢/ ٦٩)، و«المحلى» (٨/ ٢٤٧).
(٢) «الأوسط» (٥/ ٧٠٧)، و«الإشراف» (٦/ ٢٠٣).
[ ٨ / ٤٠٤ ]
لا يَجوزُ أنْ يَجعلَ الرَّجلُ دَينًا له على رَجلٍ مُضارَبةً، وممَّن حَفِظنا ذلك عنه عَطاءٌ والحَكمُ وحَمَّادٌ ومالِكٌ والثَّوريُّ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ، وبه قال الشافِعيُّ؛ لأنَّ المالَ الذي في يَدِ مَنْ عليه الدَّينُ له؛ وإنَّما يَصيرُ لِغَريمِه بقَبضِه، ولَم يُوجَدِ القَبضُ ههنا.
وقال بَعضُ الحَنابِلةِ: تَصحُّ المُضاربةُ؛ لأنَّه إذا اشتَرى شَيئًا لِلمُضارَبةِ فقد اشتَراه بإذنِ رَبِّ المالِ، ودفَع الدَّينَ إلى مَنْ أذِنَ له في دَفعِه إليه، فتُبرأُ ذِمَّتُه منه، ويَصيرُ كما لو دفَع إليه عَرضًا وقال: «بِعْه وضارِبْ بثَمَنِه».
ثم اختلَف الفُقهاءُ فيما لو عمِل العامِلُ بالدَّينِ الذي عليه؛ فإنِ اشتَرى هذا المُضارِبُ وباعَ فلَه رِبحُه وعليه وَضيعَتُه، والدَّينُ في ذِمَّتِه بحالٍ عندَ أبي حَنيفةَ والمالِكيَّةِ والحَنابِلةِ.
وقال أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ: ما اشتَرى وباعَ يَكونُ لِرَبِّ المالِ له رِبحُه وعليه وَضيعتُه.
بِناءً على أنَّ مَنْ وَكَّل رَجلًا يَشتَري له بالدَّينِ الذي في ذِمَّتِه لَم يَصحَّ عندَ أبي حَنيفةَ، حتى لو اشتَرى لا يُبرأُ عما في ذِمَّتِه عندَه، وإذا لَم يَصحَّ الأمْرُ بالشِّراءِ بما في الذِّمَّةِ لَم تَصحَّ إضافةُ المُضاربةِ إلى ما في الذِّمَّةِ.
وعندَهما يَصحُّ التَّوكيلُ، ولكنْ لا تَصحُّ المُضاربةُ؛ لأنَّ الشِّراءَ يَقعُ لِلمُوكِّلِ فتَصيرُ المُضاربةُ بعدَ ذلك مُضاربةً بالعُروضِ؛ لأنَّه يَصيرُ في التَّقديرِ كأنَّه وَكَّله بشِراءِ العُروضِ، ثم دفَعه إليه مُضاربةً، فتَصيرُ مُضاربةً بالعُروضِ، فلا تَصحُّ.
[ ٨ / ٤٠٥ ]
قال المالِكيَّةُ: ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ مالُ القِراضِ دَينًا ولا رَهنًا ولا وَديعةً عندَ العامِلِ أو غَيرِه، كأمينٍ، فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ واحِدٌ مِنْ هذه الثلاثةِ قِراضًا.
ولو وقَع القِراضُ بدَينٍ على العاملِ، بأنْ قالَ رَبُّه: «اجعَلْ ما عليك مِنَ الدَّينِ قِراضًا على أن الرِّبحَ بينَنا كذا»، استمَرَّ الدَّينُ دَينًا على العاملِ يَضمنُه لِرَّبِه ويَختَصُّ العامِلُ بالرِّبحِ، وعليه الخُسرانُ، ولا عِبرةَ بما وقَع منهما إلا أنْ يَقبِضَ الدَّينَ، بأنْ يَقبِضَه رَبُّه مِنَ المَدينِ، ثم يَرُدَّه على أنَّه قِراضٌ، ولو بالقُربِ، أو يَحضُرَ لِرَبِّه ويَشهدَ عليه بعَدلَيْن أو عَدلٍ وامرأتَيْن: على أنَّ هذا المالَ الذي أحضَر هو ما علَيَّ مِنْ دَينٍ لِفُلانٍ، ثم يَدفَعُه له رَبُّه قِراضًا؛ يَجوزُ.
وقال الشافِعيَّةُ: إذا تَصرَّف العامِلُ في هذه الحالةِ نُظِر: فإنِ اشتَرى بعَينِه لِلمُضارَبةِ فهو كالفُضوليِّ يَشتَري لِغَيرِه بعَينِ مالِه، وإنِ اشتَرى في الذِّمَّةِ فوَجهانِ: أصَحُّهما عندَ البَغويِّ: أنَّه لِلمالِكِ؛ لأنَّه اشتَرى له بإذنِه، وأصَحُّهما عندَ أبي حامِدٍ: لِلعاملِ؛ لأنَّ المالِكَ لَم يَملِكِ الثَّمنَ (^١).
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٨٣)، و«الاختيار» (٣/ ٢٢) و«الشرح الكبير» (٥/ ٢٨١)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥٠٥)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٠٤)، و«التاج والإكليل» (٤/ ٤١٠)، و«الشرح الصغير» (٨/ ٣٨٧)، و«روضة الطالبين» (٣/ ٧٤٠)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٤٢)، و«نهاية المحتاج» (٥/ ٢٥٣)، و«المغني» (٥/ ٤٣)، و«الكافي» (٢/ ٢٦٩)، و«شرح الزركشي» (٢/ ١٤٧)، و«المبدع» (٥/ ٢٢)، و«الإنصاف» (٥/ ٤٣١)، و«كشاف القناع» (٣/ ٦٠٠).
[ ٨ / ٤٠٦ ]