اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ في الجُملةِ على أنَّ الرَّجلَ إذا دَفعَ إلى رَجلٍ مالًا مُضارَبةً فعَمِل به في مِصرِه أو في أهلِه ولَم يُسافِرْ به فلا نَفقةَ له في مالِ المُضارَبةِ ولا على رَبِّ المالِ؛ لأنَّ مُقامَه في مِصرِه أو في أهلِه لِكَونِه مُتوَطِّنًا فيه، لا لِأجلِ مالِ المُضاربةِ، ألَا تَرى أنَّه قَبلَ عَقدِ المُضاربةِ كان مُتوَطِّنًا في هذا المَوضعِ وكانت نَفَقتُه في مالِ نَفْسِه؟ فكذلك بعدَ المُضاربةِ (^١).
_________________
(١) «المبسوط» (٢٣/ ٦٣، ٦٥)، «بدائع الصانع» (٦/ ١٠٥، ١٠٦)، و«مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (٤/ ٤٣)، و«الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٤٧)، و«الهندية» (٤/ ٣١٢) (١/ ٤٤٩)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥٢٤)، و«التبصرة» (١١/ ٥٢٤٧)، و«حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ٤٢٠)، «البيان» (٧/ ٢١٢، ٢١٣)، و«روضة الطالبين» (٣/ ٧٥٥، ٧٥٦)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٥٤)، و«نهاية المحتاج» (٥/ ٢٦٨، ٢٦٩)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٧٧)، و«الديباج» (٢/ ٤٣٦)، «المغني» (٥/ ٢٤، ٢٥)، و«كشاف القناع» (٣/ ٦٠٣، ٦٠٤)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٧٥، ٥٧٦)، و«مطالب أولى النهى» (٣/ ٥٢٨، ٥٢٩).
[ ٨ / ٤٧١ ]
قال ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ ﵀: وأجمَعَ الفُقهاءُ على أنَّ المُضارِبَ إذا باعَ بمِصرِه، ولَم يُسافِرْ بالمالِ إلى بَلدٍ آخَرَ، فليس له أنْ يَأكلَ منه على المُضاربةِ؛ إلَّا اللَّيثَ بنَ سَعدٍ؛ فإنَّه قال: له أنْ يَتغَدَّى منه إذا اشتغَل به عن الانقِلابِ إلى أهلِه لِلغَداءِ.
وإجماعُ الجُمهورِ على أنَّه لا يُنْفِقُ منه في الحَضرِ (^١).
إلا أنَّ المالِكيَّةَ قالوا: هذا إذا لَم يَشغَلْه عن الوُجوهِ التي يَقتاتُ منها، وأمَّا إنْ شغَله فلَه الإنفاقُ كالمُسافِرِ؛ فإنْ كانت له صِناعةٌ يَقومُ منها عَيشُه أو تَجْرةٌ، فعَطَّل ما كان فيه لِأجلِ العَملِ بالقِراضِ كانت له النَّفقةُ كالذي يُسافِرُ به (^٢).
وأجازَ الحَنابِلةُ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ نَفقَتَه إذا كان هناك شَرطٌ أو عادةٌ، قالوا: ولا نَفَقةَ لِعامِلٍ مِنْ مالِ المُضاربةِ، ولو مع السَّفَرِ؛ لأنَّه دخَل على العَملِ بجُزءٍ فلا يَستحِقُّ غَيرَه، ولو استَحقَّه لَأفضَى إلى اختِصاصِه بالرِّبحِ إذا لَم يَربَحْ غَيرَها إلا بشَرطٍ كَوكيلٍ أو عادةٍ، كما نَصَّ على ذلك ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القَيِّمِ، ويَصحُّ شَرطُها سَفرًا وحَضرًا؛ لأنَّها في مُقابَلةِ عَملِه؛ فإنْ شُرِطت نَفقةُ العامِلِ مُقدَّرةً فحَسَنٌ؛ قَطعًا لِلمُنازعةِ، وإنْ شُرِطت مُطلَقةً، واختلَفا؛ أي: تَشاحَّا في قَدْرِ النَّفقةِ؛ فلَه نَفقةُ مِثلِه عُرفًا مِنْ طَعامٍ وكِسوةٍ،
_________________
(١) «الإقناع» (٣/ ١٦٨٢) رقم (٣٣٠٤)
(٢) «تحبير المختصر» (٤/ ٥٢٤)، و«التبصرة» (١١/ ٥٢٤٧)، و«حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ٤٢٠)
[ ٨ / ٤٧٢ ]
كالزَّوجةِ وسائِرِ مَنْ تَجِبُ نَفَقتُه على غَيرِه؛ لأنَّ إطلاقَ النَّفقةِ يَقتَضي جَميعَ ما هو مِنْ ضَروراتِه المُعتادةِ، فكان له النَّفقةُ والكِسوةُ، وهي إباحةٌ، فلا تُنافِي ما تَقدَّم أنَّ شَرطَ دَراهمَ مَعلومةٍ يُبطِلُها. وتَردَّد ابنُ نَصرِ اللهِ، هل النَّفقةُ مِنْ رأسِ المالِ أو مِنَ الرِّبحِ؟ قال البُهوتيُّ: بل الظَّنُّ أنَّها مِنَ الرِّبحِ.
وإنْ تَعدَّد رَبُّ المالِ؛ بأنْ كان عامِلًا لاثنَيْن فأكثَرَ، أو عامِلًا لِواحِدٍ، ومعه مالٌ لِنَفْسِه أو بِضاعةٌ لِآخَرَ، واشتَرَطَ لِنَفْسِه نَفقةَ السَّفرِ؛ فالنَّفقةُ على قَدْرِ مالِ كلٍّ منهما، أو منهم؛ لأنَّ النَّفقةَ وَجبَت لِأجْلِ عَملِه في المالِ، فكانت على قَدْرِ مالِ كلٍّ فيه، إلا أنْ يَشرُطَها بَعضٌ مِنْ أربابِ المالِ مِنْ مالِه عالِمًا بالحالِ، وهو كَونُ العامِلِ يَعمَلُ في مالِ آخَرَ مع مالِه؛ فيَختَصُّ بمالِه؛ لِدُخولِه عليه؛ فإنْ لَم يَعلَمْ بالحالِ فعَليه بالحِصَّةِ، وحيثُ شُرِطت النَّفقةُ لِلعامِلِ، فادَّعى أنَّه أنفَقَ مِنْ مالِه المُختَصِّ به بنِيَّةِ الرُّجوعِ؛ قُبِل قَولُه؛ لأنَّه أمينٌ، ورجَع بما أنفَقه، ولو كان ذلك بعَد رُجوعِ مالِ المُضاربةِ لِرَبِّه واحِدًا كان أو مُتعَدِّدًا.
ولو لَقيَ رَبُّ المالِ العامِلَ ببَلدٍ كان قد أذِنَ له في سَفرِه إليه بالمالِ، وقد نَضَّ المالُ بأنْ صارَ المَتاعُ نَقدًا، فأخَذَه رَبُّه منه فلا نَفقةَ لِلعامِلِ؛ لِرُجوعِه إلى البَلدِ الذي سافَر منه؛ لأنَّه إنَّما يَستحِقُّ النَّفَقةَ ما داما في القِراضِ، وقد زال القِراضُ فزالَتِ النَّفقةُ، ولذلك لو مات لَم يَجِبْ تَكفينُه، ولو اشتَرطَ النَّفقةَ؛ لِانقِطاعِ القِراضِ بمَوتِه، فانقَطَعت النَّفقةُ.
وقد قيلَ له ذلك؛ لأنَّه كان شَرَط له نَفقةَ ذَهابِه ورُجوعِه وغَيرِ ذلك
[ ٨ / ٤٧٣ ]
بتَسفيرِه إلى المَوضِعِ الذي أذِنَ له فيه مُعتَقِدًا أنَّه مُستحِقٌّ لِلنَّفقةِ ذاهِبًا وراجِعًا؛ فإذا قطَع عنه النَّفقةَ تَضرَّر بذلك (^١).
وأمَّا الشافِعيَّةُ فقالوا: إذا شرَط النَّفقةَ في السَّفرِ أو الحَضرِ فسَد العَقدُ في الأصَحِّ، وفي مُقابِلِ الأصَحِّ: يَصحُّ؛ لأنَّه مِنْ مَصالِحِ العَقدِ (^٢).