اتَّفق الفُقهاءُ إلى أنَّه يُشترطُ الإيجابُ والقَبولُ في الصِّيغةِ، ولا يُشترطُ لها لَفظٌ مُعيَّنٌ؛ وإنَّما تَنعقِدُ بكلِّ ما يَدلُّ على المُضاربةِ.
قال الحَنفيَّةُ: ورُكنُها الإيجابُ والقَبولُ، وذلك بألفاظٍ تَدُلُّ عليها، فالإيجابُ هو لَفظُ المُضاربةِ والمُقارَضةِ والمُعامَلةِ، وما يُؤدِّي مَعنى هذه الألفاظِ بأنْ يَقولَ رَبُّ المالِ: «دَفعتُ إليكَ هذا المالَ مُضارَبةً، أو مُعامَلةً، أو مُقارَضةً»، أو: «خُذْ هذا المالَ واعمَلْ فيه مُضارَبةً على أنَّ ما رزَق اللهُ ﷾ مِنْ شَيءٍ فهو بينَنا على كذا مِنْ نِصفٍ أو رُبعٍ أو ثُلثٍ أو غَيرِ ذلك مِنَ الأجزاءِ المَعلومةِ»، أو قال: «ابتَعْ به مَتاعًا فما كان مِنْ فَضلٍ فلَك منه كذا»، أو: «خُذْ هذا بالنِّصفِ»، فيَقولَ المُضارِبُ: «قَبِلتُ أو أخَذتُ، أو رَضيتُ»، ونَحوَ ذلك.
ولو قال: «خُذْ هذا المالَ واعمَلْ به على أنَّ ما رزَق اللهُ ﷿ مِنْ شَيءٍ فهو بينَنا على كذا»، ولَم يَزِدْ على هذا، فهو جائِزٌ؛ لأنَّه أتى بلَفظٍ يُؤدِّي مَعنى هذا العَقدِ، ولأنَّ العِبرةَ في العُقودِ بمَعانيها، لا بصُورِ الألفاظِ حتى يَنعقِدَ البَيعُ بلَفظِ التَّمليكِ بلا خِلافٍ، ويَنعقِدُ النِّكاحُ بلَفظِ البَيعِ والهِبةِ والتَّمليكِ عندَنا.
وذكَر في الأصلِ: لو قال: «خُذْ هذه الألفَ فابتَعْ بها مَتاعًا، فما كان مِنْ فَضلٍ فلك النِّصفُ»، ولَم يَزِدْ على هذا، فقَبِلَ هذا، كان مُضارَبةً استِحسانًا، والقياسُ ألَّا يَكونَ مُضارَبةً.
[ ٨ / ٣٩٤ ]
وَجهُ القياسِ: أنَّه ذكَر الشِّراءَ ولَم يَذكُرِ البَيعَ، ولا يَتحقَّقُ مَعنى المُضاربةِ إلا بالشِّراءِ والبَيعِ.
وَجهُ الاستِحسانِ: أنَّه ذكَر الفَضلَ، ولا يَحصُلُ الفَضلُ إلا بالشِّراءِ والبَيعِ، فكان ذِكرُ الابتياعِ ذِكرًا لِلبَيعِ، وهذا مَعنى المُضاربةِ.
ولو قال: «خُذْ هذه الألْفَ بالنِّصفِ»، ولَم يَزِدْ عليه، كان مُضاربةً استِحسانًا.
والقياسُ ألَّا يَكونَ؛ لأنَّه لَم يَذكُرِ الشِّراءَ والبَيعَ، فلا يَتحقَّقُ مَعنى المُضاربةِ.
وَجهُ الاستِحسانِ: أنَّه لَمَّا ذكَر الأخْذَ، والأخذُ ليس عَملًا يُستحَقُّ به العِوضَ؛ وإنَّما يُستحَقُّ بالعَملِ في المأخوذِ، وهو الشِّراءُ والبَيعُ، فتَضمَّن ذِكرُه ذِكرَ الشِّراءِ والبَيعِ (^١).
وقال المالِكيَّةُ: يُشترطُ صيغةٌ دالَّةٌ على ذلك، ولو مِنْ أحَدِهما، ويَرضى الآخَرُ، ولا يُشترطُ اللَّفظُ؛ كالبَيعِ والإجارةِ، فيَكفي فيه المُعاطاةُ؛ لأنَّ التِّجارةَ يَكفي فيها المُعاطاةُ؛ كالبَيعِ إذا وُجِدت القَرينةُ (^٢).
وقال الشافِعيَّةُ: يُشترطُ لِصِحَّةِ القِراضِ صيغةٌ، وهي: إيجابٌ وقَبولٌ
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٧٩، ٨٠)، و«الاختيار» (٣/ ٢٢)، و«العناية» (١٢/ ١٢٨)، و«البحر الرائق» (٧/ ٢٦٣)، و«الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٤١)، وابن عابدين (٨/ ٢٧٧).
(٢) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٥/ ٢٨٠)، و«حاشية الصاوي مع الشرح الصغير» (٨/ ٣٨٤).
[ ٨ / ٣٩٥ ]
كـ: «قارَضتُكَ» أو «ضارَبتُك» أو «عامَلتُك» أو «بِعْ واشتَرِ على أنَّ الرِّبحَ بينَنا نِصفانِ».
ويُشترطُ في الصِّيغةِ: أنْ تَكونَ مُنجَزةً، فلا يَصحُّ تَعليقُها على شَرطٍ، ك: «إذا جاءَ رَمضانُ فقد قارَضتُك»، ونَحوِ ذلك.
كما يُشترطُ أنْ يَكونَ القَبولُ مُتَّصِلًا بالإيجابِ عُرفًا بالطَّريقِ المُعتبَرِ في البَيعِ، فلَو فصَل بينَهما سُكوتٌ طَويلٌ أو كَلامٌ لا عَلاقةَ له بالعَقدِ لَم يَصحَّ.
وقيلَ: يَكفي القَبولُ بالفِعلِ، كما في الوَكالةِ والجَعالةِ، إنْ كانت صيغةُ الإيجابِ لَفظَ أمْرٍ، ك: «خُذْ هذا الألفَ واتَّجِرْ فيه على أنَّ الرِّبحَ بينَنا نِصفانِ»، فيَكفي أخْذُ الدَّراهمِ مَثلًا، ولا يُشترطُ له القَبولُ، فلو كانت لَفظَ عَقدٍ، ك: «قارَضتُك»؛ فلا بُدَّ في القَبولِ مِنَ اللَّفظِ.
والأصَحُّ المَنعُ مُطلَقًا؛ لأنَّ القِراضَ عَقدُ مُعاوضةٍ يَختَصُّ بمُعيَّنٍ، فلا يُشبِهُ الوَكالةَ؛ لأنَّها مُجرَّدُ إذنٍ، ولا الجَعالةَ؛ لأنَّها لا تَختَصُّ بعَينٍ.
ولو قال: «قارَضتُك على أنَّ نِصفَ الرِّبحِ لي» وسكَت عن جانِبِ العامِلِ، لَم يَصحَّ على الأصَحِّ، وقيلَ: يَصحُّ ويَكونُ بينَهما نِصفَيْن.
ولو قال: «على أنَّ نِصفَ الرِّبحِ لك»، وسكَت عن جانِبِ نَفْسِه، أو «على أنَّ لك النِّصفَ ولي السُّدسَ»، وسكَت عن البَقيَّةِ صَحَّ على الصَّحيحِ، وكان بينَهما نِصفَيْن (^١).
_________________
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٤٦)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٤٧، ٣٤٨)، و«نهاية المحتاج» (٥/ ٢٦٠)، و«الديباج» (٢/ ٤٣٢)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٦٩).
[ ٨ / ٣٩٦ ]
وقال الحَنابِلةُ: تَنعقِدُ المُضاربةُ بما يُؤدِّي مَعناها مِنْ كلِّ قَولٍ دَلَّ عليها؛ لأنَّ المَقصودَ المَعنى، فجازَ بكلِّ ما يَدلُّ عليها، ولا يُعتبَرُ فيها القَبولُ، ك: «قَبِلتُ» ونَحوِه، بل تَكفي مُباشرةُ العامِلِ لِلعَملِ، ويَكونُ قَبولًا لها كالوَكالةِ (^١).