مَوردُ العَملِ هو الشَّجرُ المُساقَى عليه، اتَّفقَ الفُقهاءُ على صِحَّةِ المُساقاةِ في النَّخلِ والعِنَبِ؛ لِلنَّصِّ في النَّخلِ، فعنِ ابنِ عُمرَ ﵄ قَالَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمرٍ أَوْ زَرْعٍ» (^١).
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «افتَتحَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ خَيبَرَ، وَاشترَطَ أنَّ له الأَرْضَ، وَكلَّ صَفرَاءَ وَبَيضَاءَ، قالَ أَهلُ خَيبَرَ: نَحنُ أَعلَمُ بالأَرْضِ مِنْكمْ، فَأَعْطِنَاهَا على أنَّ لَكمْ نِصْفَ الثَمرَةِ ولَنَا نِصْفَها، فزَعَم أنَّه أَعْطَاهمْ على ذلك، فلَمَّا كان حينَ يُصْرَمُ النَّخلُ بَعَثَ إلَيْهِمْ عبدَ اللَّهِ بنَ رَوَاحَةَ، فحَزَرَ عليهمُ النَّخلَ، وهو الذي يُسَمِّيهِ أَهلُ المَدينَةِ الخَرْصَ، فقالَ: في ذا كذا وكذا. قالوا: أَكثَرْتَ عَلَينَا يا ابنَ رَوَاحَةَ. فقال: فأَنَا أَلِي حَزرَ النَّخلِ وَأُعْطِيكُمْ نِصْفَ الذي قُلتُ. قالوا: هذا الحَقُّ وَبهِ تَقُومُ السَّمَاءُ والأَرْضُ، قد رَضينَا أنْ نَأْخُذَهُ بالَّذِي قُلتَ» (^٢).
والحِقَ به العِنَبُ؛ بجامِعِ وُجوبِ الزَّكاةِ وإمكانِ الخَرصِ.
ثم اختَلفَ الفُقهاءُ: هل تَصحُّ المُساقاةُ في غيرِ النَّخلِ والعِنبِ أو لا؟
فذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ -أبو يُوسفَ ومُحمدٌ وعليه الفَتوَى- والمالِكيَّةُ والشافِعيُّ في القَديمِ واختارَه النَّوَويُّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ أنَّها تَصحُّ في غيرِ النَّخلِ والعِنَبِ؛ فتَصحُّ في كلِّ شَجرٍ مُثمِرٍ؛ لِحَديثِ ابْنِ عُمرَ
_________________
(١) رواه البخاري (٢٢٠٣)، ومسلم (١٥٥١).
(٢) حَسَنٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٤١٠)، وابن ماجه (١٨٢٠)، والبيهقي في «الكبرى» (١١٤٠٨).
[ ٩ / ٢٦ ]
﵄ قَالَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمرٍ أَوْ زَرْعٍ» (^١). وهذا عامٌّ في كلِّ ثَمرٍ، ولا تَكادُ بَلدةٌ ذاتُ أشجارٍ تَخلو مِنْ شَجرةٍ غيرِ النَّخيلِ، ولأنَّه شَجرٌ يُثمِرُ كلَّ حَولٍ، فأشبَهَ النَّخيلَ والكَرْمَ، ولأنَّ الحاجةَ التي دَعَتْ إلى المُساقاةِ على النَّخلِ والعِنَبِ -أنَّ المالِكَ قد يَعجِزُ عن تَعَهُّدِه والقيامِ عليه بالسَّقْيِ والتَّنقيةِ- مَوجودةٌ في غَيرِه مِنْ الأُصولِ وأكثَرُ؛ لِكَثرَتِه، فجازَتِ المُساقاةُ عليه كالنَّخلِ، ووُجوبُ الزَّكاةِ لَيسَ مِنْ العِلَّةِ المُجوِّزةِ لِلمُساقاةِ، ولا أثَرَ له فيها، وإنَّما العِلَّةُ على ما ذَكَرناهُ (^٢).
وَذَهَبَ الشافِعيَّةُ في المَذهبِ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّها لا تَجوزُ في غيرِ النَّخلِ والعِنَبِ؛ لأنَّها رُخصةٌ فتَختَصُّ بمَورِدِها، وهو النَّخلُ، وأُلحِقَ به العِنَبُ؛ بجامِعِ وُجوبِ الزَّكاةِ وإمكانِ الخَرْصِ (^٣).