تَصرُّفاتُ المُضاربِ منها ما يَجوزُ له فِعلُه مِنْ غَيرِ نَصٍّ عليه، ومنها ما لا يَجوزُ له فِعلُه إلا بالنَّصِّ عليه، ويَختلِفُ حُكمُ ذلك بحَسَبِ ما إذا كانت المُضاربةُ مُطلقةً أو مُقيَّدةً، وكذلك مِنْ مَذهبٍ لِآخَرَ.
_________________
(١) «الفروع» (٤/ ٢٩٨)، و«الإنصاف» (٥/ ٤٥٤)، و«كشاف القناع» (٣/ ٦١٥، ٦١٦)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٨٩، ٥٩٠)، و«مطالب أولى النهى» (٣/ ٥٤٣)، و«منار السبيل» (٢/ ١٩٧، ١٩٨).
(٢) «المغني» (٥/ ٢٦).
[ ٨ / ٤٣٣ ]
والمُضاربةُ المُطلقةُ: هي أنْ يَدفعَ رَبُّ المالِ لِلمُضاربِ مالًا بدونِ قَيدٍ، مِنْ غَيرِ تَعيينِ رَبِّ المالِ لِلمُضاربِ العَملَ أو المَكانَ الذي سيُضاربُ فيه أو الزَّمانَ أو صِفةَ العَملِ أو مَنْ يُعامِلُه، بل قال له: «خُذْ هذا المالَ مُضاربةً على أنَّ الرِّبحَ يَكونُ بينَنا مُناصَفةً أو أثلاثًا أو نَحوَ ذلك»، وهذا النَّوعُ جائِزٌ باتِّفاقِ المَذاهبِ (^١)، إلا أنَّهم اختلَفوا فيما يَجوزُ لِلمُضاربِ فِعلُه وما لا يَجوزُ، كما سيأتي.
والمُضاربةُ المُقيَّدةُ: هي أنْ يُعيِّنَ رَبُّ المالِ شَيئًا مِنْ ذلك، بأنْ يُعيِّنَ له العَملَ أو المَكانَ الذي سيُضاربُ ويُتاجرُ فيه، أو شِراءَ مَتاعٍ مُعيَّنٍ أو ألَّا يُتاجِرَ إلا مِنْ شَخصٍ مُعيَّنٍ، أو إلا في وَقتٍ مُعيَّنٍ (^٢).
وقد اختلَف العُلماءُ هل تَصحُّ هذه الشُّروطُ التي في المُضاربةِ المُقيَّدةِ أو لا؟ بعدَ اتِّفاقِهم أنَّ القِراضَ لو سلِمَ مِنَ الشُّروطِ فهو جائِزٌ (^٣).
ذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ إلى جَوازِ هذه الشُّروطِ في الجُملةِ على تَفصيلٍ سيأتي نَقلًا عنهم، ومنَع مِنْ ذلك المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ، وتَفسُدُ المُضاربةُ بذلك عندَهم على تَفصيلٍ سيأتي.
قال الحَنفيَّةُ: المُضاربةُ المُقيَّدةُ حُكمُها حُكمُ المُضاربةِ المُطلَقةِ لا تُفارِقُها إلا في قَدْرِ القَيدِ.
_________________
(١) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١٦٧٧) رقم (٣٢٨٤).
(٢) «بدائع الصانع» (٦/ ٨٧).
(٣) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١٦٧٧) رقم (٣٢٨٢).
[ ٨ / ٤٣٤ ]
والأصلُ فيه أنَّ القَيدَ إنْ كان مُفيدًا يَثبُتُ؛ لأنَّ الأصلَ في الشُّروطِ اعتبارُها ما أمكَنَ، وإذا كان القَيدُ مُفيدًا كان يُمكِنُ الاعتبارُ، ويُعتبَرُ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «المُسلِمونَ عِنْدَ شُروطِهم»، ويَتقيَّدُ بالمَذكورِ، ويَبقى مُطلَقًا فيما وَراءَه على الأصلِ المَعهودِ في المُطلقِ، إذا قُيِّد ببَعضِ المَذكورِ، يَبقى مُطلَقًا فيما وَراءَه، كالعامِّ إذا خُصَّ منه بَعضُه يَبقى عامًّا فيما وَراءَه، وإنْ لَم يَكُنْ مُفيدًا لا يَثبُتُ، بل يَبقى مُطلَقًا؛ لأنَّ ما لا فائِدةَ فيه يُلغَى ويَلحَقُ بالعَدمِ، فإذا عَرَفنا هذا نَقولُ:
إذا دفَع رَجلٌ إلى رَجلٍ مالًا مُضاربةً على أنْ يَعملَ به في الكُوفةِ فليس له أنْ يَعملَ في غَيرِ الكُوفةِ؛ لأنَّ قَولَه: «على أنْ» مِنْ ألفاظِ الشَّرطِ، وهو شَرطٌ مُفيدٌ؛ لأنَّ الأماكِنَ تَختلِفُ بالرُّخصِ والغَلاءِ، وكذا في السَّفرِ خَطرٌ، فيُعتبَرُ، وحَقيقةُ الفِقهِ في ذلك أنَّ الإذنَ كان عَدمًا؛ وإنَّما يَحدُثُ بالعَقدِ، فيَبقى فيما وَراءَ ما تَناوَله العَقدُ على أصلِ العَدمِ.
وكذا لا يُعطيها بِضاعةً لِمَنْ يَخرجُ بها مِنَ الكُوفةِ؛ لأنَّه إذا لَم يَملِكِ الإخراجَ بنَفْسِه فلَأنْ يَكونَ لا يَملِكُ الأمرَ بذلك أوْلى، وإنْ أخرَجها مِنَ الكُوفةِ؛ فإنِ اشتَرى بها وباعَ ضمِن؛ لأنَّه تَصرُّفٌ لا على الوَجهِ المَأذونِ، فصارَ فيه مُخالِفًا فيَضمَنُ، وكأنَّ المُشتَري لِنَفْسِه له رِبحُه وعليه وَضيعَتُه، لكنْ لا يَطيبُ له الرِّبحُ عندَ مُحمدٍ وأبي حَنيفةَ، وعندَ أبي يُوسُفَ يَطيبُ، وإنْ لَم يَشتَرِ بها شَيئًا حتى رَدَّها إلى الكُوفةِ بَرئَ مِنَ الضَّمانِ ورجَع المالُ مُضاربةً على حالِه؛ لأنَّه عاد إلى الوِفاقِ قبلَ تَقرُّرِ الخِلافِ فيُبرأُ عن الضَّمانِ كالمُودَعِ إذا خالَف ثم عادَ إلى الوِفاقِ.
[ ٨ / ٤٣٥ ]
ولو لَم يَرُدَّه حتى هلَك قبلَ التَّصرُّفِ لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه لَمَّا لَم يَتصرَّفْ لَم يَتقرَّرِ الخِلافُ فلا يَضمَنُ.
ولو اشتَرى ببَعضِه ورَدَّ بَعضَه فما اشتَراه فهو له، وما رَدَّ رجَع على المُضاربةِ؛ لأنَّه تَقرَّر الخِلافُ في القَدْرِ المُشتَرى وزال عن القَدْرِ المَردودِ.
ولو دفَع إليه على أنْ يَعملَ في سُوقِ الكُوفةِ فعَمِلَ في الكُوفةِ في غَيرِ
سُوقِها فهو جائِزٌ على المُضاربةِ، استِحسانًا، والقياسُ أنَّه لا يَجوزُ.
وَجهُ القياسِ: أنَّه شرَط عليه العَملَ في مَكانٍ مُعيَّنٍ فلا يَجوزُ في غَيرِه، كما لو شرَط ذلك في بَلدٍ مُعيَّنٍ.
وَجهُ الاستِحسانِ: أنَّ التَّقييدَ بسُوقِ الكُوفةِ غَيرُ مُفيدٍ؛ لأنَّ البَلدَ الواحِدَ بمَنزِلةِ بُقعةٍ واحِدةٍ فلا فائِدةَ في التَّعليقِ بهذا الشَّرطِ فيُلغَى الشَّرطُ.
ولو قال له: اعمَلْ به في سُوقِ الكُوفةِ أو لا تَعمَلْ به إلا في سُوقِ الكُوفةِ فعَمِل في غَيرِ سُوقِ الكُوفةِ يَضمنُ؛ لأنَّ قَولَه: لا تَعمَلْ إلا في سُوقِ الكُوفةِ حَجرٌ له فلا يَجوزُ تَصرُّفُه بعدَ الحَجرِ، وفي الفَصلِ الأولِ ما حَجرَ عليه بل شرَط عليه أنْ يَكونَ عَملُه في السُّوقِ، والشَّرطُ غَيرُ مُفيدٍ، فأُلغيَ.
ولو قال له: «خُذْ هذا المالَ تَعملُ به في الكُوفةِ»، لَم يَجُزْ له العَملُ في غَيرِها؛ لأنَّ «في» كَلمةُ ظَرفٍ، فقد جعَل الكُوفةَ ظَرفًا لِلتَّصرُّفِ الذي أذِنَ له فيه، فلو جازَ في غَيرِها لَم تَكُنِ الكُوفةُ ظَرفًا لِتَصرُّفِه، وكذلك إذا قال له: فاعمَلْ به في الكُوفةِ، لِما قُلْنا، ولأنَّ الفاءَ مِنْ حُروفِ التَّعليقِ فتُوجِبُ تَعلُّقَ ما قَبلَها بما بعدَها؛ وإنَّما يَتعلَّقُ إذا لَم يَجُزِ التَّصرُّفُ في غَيرِها.
[ ٨ / ٤٣٦ ]
وكذلك إذا قال: «خُذْ هذا المالَ بالتَّصرُّفِ بالكُوفةِ؛ لأنَّ الباءَ حَرفُ إلصاقٍ فتَقتَضي التِصاقَ الصِّفةِ بالمَوصوفِ، وهذا يَمنَعُ جَوازَ التَّصرُّفِ في غَيرِها.
ولو قال: «خُذْ هذا المالَ مُضاربةً واعمَلْ به في الكُوفةِ»، فلَه أنْ يَعمَلَ بالكوفةِ، وحيثما بدا له؛ لأنَّ قَولَه: «خُذْ هذا المالَ مُضاربةً»، إذنٌ له في التَّصرُّفِ مُطلَقًا، وقَولَه: «واعمَلْ به في الكوفةِ»، إذْنٌ له بالعَملِ في الكوفةِ، فكان له أنْ يَعملَ في أيِّ مَوضعٍ شاءَ، كمَن قال لِغَيرِه: «أعتِقْ عَبدًا مِنْ عَبيدي»، ثم قال له: «أعتِقْ عَبدي سالِمًا»، فله أنْ يُعتِقَ أيَّ عَبدٍ شاءَ، وألَّا يَتقيَّدَ التَّوكيلُ بإعتاقِ سالِمٍ، كذا هذا؛ إذِ المُضاربةُ تَوكيلٌ بالشِّراءِ والبَيعِ.
ولو قال: خُذْ هذا المالَ مُضاربةً بالنِّصفِ على أنْ تَشتريَ به الطَّعامَ، أو قال: فاشتَرِ به الطَّعامَ، أو قال: تَشتَري به الطَّعامَ، أو قال: «خُذْ هذا المالَ مُضاربةً بالنِّصفِ في الطَّعامِ»، فذلك كلُّه سَواءٌ، وليس له أنْ يَشتريَ سِوى الطَّعامِ بالإجماعِ؛ لِما ذكَرنا «على أنَّ» لِلشَّرطِ، والأصلُ في الشَّرطِ المَذكورِ في الكَلامِ اعتبارُه، والفاءُ لِتَعليقِ ما قَبلَها بما بعدَها.
وقَولُه: «يَشتَري به الطَّعامَ»، تَفسيرُ التَّصرُّفِ المأذونِ به، وقَولُه: «في الطَّعامِ»، «في» كَلمةُ ظَرفٍ؛ فإذا دخَلت على ما لا يَصلُحُ ظَرفًا تَصيرُ بمَعنى الشَّرطِ، وكلُّ ذلك يَقتَضي التَّقييدَ بالشَّرطِ المَذكورِ، وأنَّه شَرطٌ مُفيدٌ؛ لأنَّ بَعضَ أنواعِ التِّجارةِ يَكونُ أقرَبَ إلى المَقصودِ مِنْ بَعضٍ، وكذا الناسُ مُختلِفون في ذلك، فقد يَهتَدي الإنسانُ إلى بَعضِ التِّجارةِ دونَ بَعضٍ، فكان الشَّرطُ مُفيدًا فيَتقيَّدُ به ولا يَملِكُ أنْ يَشتريَ غَيرَ الطَّعامِ، والطَّعامُ هو الحِنطةُ
[ ٨ / ٤٣٧ ]
ودَقيقُها؛ إذْ لا يُرادُ به كلُّ ما يُتطعَّمُ، بل بَعضٌ دونَ بَعضٍ، والأمرُ يَختلِفُ باختِلافِ عادةِ البُلدانِ، فاسمُ الطَّعامِ في عُرفِهم لا يَنطلِقُ إلا على الحِنطةِ ودَقيقِها، وكذلك لو ذكَر جِنسًا آخَرَ بأنْ قال له خُذ هذا المالَ مُضاربةً بالنِّصفِ على أنْ تَشتريَ به الدَّقيقَ أو الخُبزَ أو البُرَّ أو غَيرَ ذلك، فليس له أنْ يَعملَ مِنْ غَيرِ ذلك الجِنسِ بلا خِلافٍ، لكنْ له أنْ يَشتريَ ذلك الجِنسَ في المِصرِ وغَيرِه وأنْ يُبضِعَ فيه وأنْ يَعملَ فيه جَميعَ ما يَعمَلُه المُضارِبُ في المُضاربةِ المُطلَقةِ لِما ذكَرنا أنَّ اللَّفظَ المُطلَقَ إذا قُيِّد ببَعضِ الأشياءِ يَبقى على إطلاقِه فيما وَراءَه.
وقال ابنُ سَماعةَ: سَمِعتُ مُحمدًا قال في رَجلٍ دفَع إلى رَجلٍ مالًا مُضاربةً فقال له: «إنِ اشتَريتَ به الحِنطةَ فلك مِنَ الرِّبحِ النِّصفُ ولي النِّصفُ، وإنِ اشتَريتَ به الدَّقيقَ فلكَ الثُّلثُ ولي الثُّلثانِ»، فقال: هذا جائِزٌ، وله أنْ يَشتريَ أيَّ ذلك شاءَ على ما سَمَّى له رَبُّ المالِ؛ لأنَّه خَيَّره بينَ عَملَيْن مُختلِفَيْن فيَجوزُ كما لو خُيِّر الخَيَّاطُ بينَ الخِياطةِ الرُّوميَّةِ والخياطةِ الفارسيةِ.
ولو دفَع إليه على أنَّه إنْ عَمِل في المِصرِ فله ثُلثُ الرِّبحِ، وإنْ سافَر فله النِّصفُ جازَ والرِّبحُ بينَهما على ما شرَطا، إنْ عمِل في المِصرِ فله الثُّلثُ، وإنْ سافَر فله النِّصفُ، ولو اشتَرى في المِصرِ وباعَ في السَّفرِ أو اشتَرى في السَّفرِ وباعَ في المِصرِ فقد رُويَ عن مُحمدٍ أنَّه قال: المُضاربةُ في هذا على الشِّراءِ؛ فإنِ اشتَرى في المِصرِ فما رَبِح في ذلك المَتاعِ فهو على ما شُرِط في المِصرِ، سَواءٌ باعَه في المِصرِ أو في غَيرِه؛ لأنَّ المُضاربَ إنَّما يَستحِقُّ الرِّبحَ
[ ٨ / ٤٣٨ ]
بالعَملِ، والعَملُ يَحصُلُ بالشِّراءِ؛ فإذا اشتَرى في المِصرِ تَعيَّنَ أحَدُ العَملَيْن فلا يَتغيَّرُ بالسَّفرِ، وإنْ عَمِل ببَعضِ المالِ في السَّفرِ وببَعضٍ في الحَضرِ فرَبِح كلُّ واحِدٍ مِنَ المالَيْن على ما شرَط.
ولو قال له: «على أنْ تَشتريَ مِنْ فُلانٍ وتَبيعَ منه»، جازَ، وهو على فُلانٍ خاصَّةً ليس له أنْ يَشتريَ ويَبيعَ مِنْ غَيرِه؛ لأنَّ هذا شَرطٌ مُفيدٌ لاختِلافِ الناسِ في الثِّقةِ والأمانةِ؛ لأنَّ الشِّراءَ مِنْ بَعضِ الناسِ قد يَكونُ أربَحَ؛ لِكَونِه أسهَلَ في البَيعِ، وقد يَكونُ أوثَقَ على المالِ، فكانَ التَّقييدُ مُفيدًا كالتَّقييدِ بنَوعٍ دونَ نَوعٍ.
ولو قال: «على أنْ تَشتريَ بها مِنْ أهلِ الكوفةِ وتَبيعَ»، فاشتَرى وباعَ مِنْ رِجالٍ بالكوفةِ مِنْ غَيرِ أهلِها فهو جائِزٌ؛ لأنَّ هذا الشَّرطَ لا يُفيدُ إلا تَركَ السَّفرِ، كأنَّه قال: «على أنْ تَشتريَ ممَّن بالكُوفةِ».
وكذلك إذا دفَع إليه مالًا مُضاربةً في الصَّرفِ على أنْ يَشتريَ مِنَ الصَّيارفةِ ويَبيعَ، كان له أنْ يَشتريَ مِنْ غَيرِ الصَّيارِفةِ ما بدا له مِنَ الصَّرفِ؛ لأنَّ التَّقييدَ بالصَّيارِفةِ لا يُفيدُ إلا تَخصيصَ البَلدِ أو النَّوعِ؛ فإذا حصَل ذلك مِنْ صَيرَفيٍّ أو غَيرِه فهو سَواءٌ.
ولو دفَع إليه مالًا مُضاربةً ثم قال له بعدَ ذلك: «اشتَرِ به البَزَّ وبِعْ»، فله أنْ يَشتريَ البَزَّ وغَيرَه؛ لأنَّه أذِنَ بالشِّراءِ مُطلَقًا ثم أمرَه بشِراءِ البَزِّ فكان له أنْ يَشتريَ ما شاءَ، وهذا كقَولِه: «خُذْ هذا المالَ مُضاربةً واعمَلْ به بالكوفةِ»، إلا أنَّه هناك القَيدُ مُقارِنٌ وههنا مُتراخٍ وقد ذكَرناه.
[ ٨ / ٤٣٩ ]
وذكَر القُدُوريُّ ﵀ أنَّ هذا مَحمولٌ على أنَّه نَهاه بعدَ الشِّراءِ، وأنَّ الحُكمَ في التَّقييدِ الطارِئِ على مُطلَقِ العَقدِ وأنَّه إنْ كان ذلك قبلَ الشِّراءِ يُعمَلُ، وإنْ كان بعدَما اشتَرى به لا يُعمَلُ، إلى أنْ يَبيعَه بمالِ عَينٍ فيُعمَلُ التَّقييدُ عندَ ذلك حتى لا يَجوزَ أنْ يَشتريَ إلا ما قال.
ولو دفَع إليه مالًا مُضاربةً على أنْ يَبيعَ ويَشتريَ بالنَّقدِ فليس له أنْ يَشتريَ ويَبيعَ إلا بالنَّقدِ؛ لأنَّ هذا التَّقييدَ مُفيدٌ فيَتقيَّدُ بالمَذكورِ.
ولو قال له: «بِعْ بنَسيئةٍ ولا تَبِعْ بالنَّقدِ»، فباعَ بالنَّقدِ جازَ؛ لأنَّ النَّقدَ أنفَعُ مِنَ النَّسيئةِ، فلَم يَكُنِ التَّقييدُ بها مُفيدًا فلا يَثبُتُ القَيدُ، وصارَ كما لو قال لِلوَكيلِ: «بِعْ بعَشَرةٍ»، فباعَ بأكثَرَ منها جازَ، كذا هذا (^١).
وقال الحَنابِلةُ: إذا اشتَرطَ رَبُّ المالِ على العامِلِ ألَّا يُسافِرَ بالمالِ أو أنْ يُسافِرَ به أو ألَّا يَتَّجِرَ إلا في بَلدٍ بعَينِه أو نَوعٍ بعَينِه، أو ألَّا يَشتريَ إلا مِنْ رَجلٍ بعَينِه، فهذا كلُّه صَحيحٌ، سَواءٌ كان هذا النَّوعُ مما يَعُمُّ وُجودُه أو لا يَعُمُّ، والرَّجلُ ممَّن يَكثُرُ عندَه المَتاعُ أو يَقِلُّ؛ لأنَّه عَقدٌ يَصحُّ تَخصيصُه بنَوعٍ، فصَحَّ تَخصيصُه في رَجُلٍ بعَينِه، وسِلعةٍ بعَينِها، كالوَكالةِ.
أمَّا إذا شرَط ألَّا يَبيعَ إلا برأسِ المالِ أو أقَلَّ أو قال: «لا تَبِعْ إلا مِنْ فُلانٍ، ولا تَشتَرِ إلا مِنْ فُلانٍ ولا تَبِعْ إلا ممَّن اشتَريتَ منه»، لَم يَصِحَّ ذلك،
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٩٩، ١٠٠)، و«الهداية شرح البداية» (٣/ ٢٠٤)، و«الاختيار» (٣/ ٢٤، ٢٥)، و«الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٤٨، ٤٤٩)، و«مختصر الوقاية» (٢/ ١٩٠)، و«اللباب» (١/ ٥٤٢)، و«تبيين الحقائق» (٥/ ٥٩)، و«مجمع الضمانات» (٢/ ٦٥٢)، وابن عابدين (٤/ ٣٢١).
[ ٨ / ٤٤٠ ]
وهي شُروطٌ فاسِدةٌ؛ لأنَّها تُفوِّتُ المَقصودَ مِنَ المُضاربةِ، وهو الرِّبحُ، أو تَمنعُ الفَسخَ الجائِزَ بحُكمِ الأصلِ (^١).
وقال المالِكيَّة: لا يَجوزُ أنْ يَشرُطَ رَبُّ المالِ على العامِلِ أنْ يُتاجِرَ فيما يَقِلُّ وُجودُه -أي: ما يُوجدُ تارةً ويُعدَمُ أُخرى-، بأنْ قال: «لا تَتَّجِرْ إلا في الشَّيءِ الفُلانيِّ»، وكان وُجودُه في بَلدِ القِراضِ قَليلًا؛ فإنْ فعَل وعمِل فسَد القِراضُ، وكان فيه قِراضُ المِثلِ في الرِّبحِ على المَشهورِ، وسَواءٌ خالَف واشتَرى غَيرَه أو اشتَراه، وقيلَ: له أُجرةُ مِثلِه.
وكذا لا يَجوزُ أنْ يُشترَطَ يَدُ رَبِّ المالِ مع العامِلِ في البَيعِ والشِّراءِ والأخْذِ والعَطاءِ مما يَتعلَّقُ بالقِراضِ؛ فإنْ فعَل فسَد القِراضُ؛ لِما فيه مِنَ التَّحجيرِ، ولأنَّه يُوجِبُ زيادةَ جَهالةٍ في العَملِ، ولِلعامِلِ أُجرةُ مِثلِه في ذِمَّةِ رَبِّ المالِ، سَواءٌ حصَل رِبحٌ أو لا، بخِلافِ قِراضِ المِثلِ؛ فإنَّه يَكونُ في الرِّبحِ؛ فإنْ لَم يَحصُلْ له رِبحٌ فلا شَيءَ له.
وكذا لا يَجوزُ اشتِراطُ مُشاورةِ رَبِّ المالِ ومُراجَعتِه في البَيعِ والشِّراءِ، ويَفسُدُ القِراضُ لِما فيه مِنَ التَّحجيرِ عليه والتَّضييقِ، وهو مُخالِفٌ سُنَّةَ القِراضِ، وفيه أُجرةُ المِثلِ؛ لأنَّه لَم يَأتمِنْه على ذلك، فهو حينَئِذٍ شَبيهٌ بالأجيرِ؛ فلِهذا كان له أُجرةُ مِثلِه.
وكذا لا يَجوزُ اشتِراطُ أمينٍ على العامِلِ، أو اشتِراطُ تَعيينِ مَحَلٍّ لِلتَّجْرِ لا يَتعدَّاه لِغَيرِه، كسُوقٍ أو حانوتٍ، أو اشتِراطُ تَعيينِ زَمنٍ له لا يُتاجِرُ في
_________________
(١) «المغني» (٥/ ٤٠، ٤١)، و«الإفصاح» (١/ ٤٤٩).
[ ٨ / ٤٤١ ]
غَيرِه، ولو تَعدَّد، ك: «لا تَشتَرِ أو لا تَبِعْ إلا في الشِّتاءِ، أو اشتَرِ في الصَّيفِ وبِعْ في الشِّتاءِ»؛ لأنَّ التَّحديدَ ببَعضِ السِّلعِ أو زَمانٍ مُعيَّنٍ تَحجيرٌ يُخِلُّ بحِكمةِ القِراضِ، لِاحتِمالِ ألَّا تُساعِدَه الأسواقُ في تلك السِّلعةِ أو ذلك الزَّمانِ، أو اشتِراطُ ألَّا يَشتريَ بالمالِ شَيئًا إلى بُلوغِ بَلدِ كذا، وبَعدَ بُلوغِه يَكونُ له التَّصرُّفُ في أيِّ مَحلٍّ، أو تَعيينُ شَخصٍ لِلشِّراءِ منه، بحَيثُ لا يَشتَري شَيئًا مِنْ غَيرِه، أو لِلبَيعِ له، بحيث لا يَبيعُ سِلعةً لِغَيرِه؛ فيَفسُدُ القِراضُ في ذلك كلِّه لِلتَّحجيرِ المُخالِفِ لِسُنَّةِ القِراضِ، وفيه أُجرةُ المِثلِ والرِّبحُ لِرَبِّ المالِ، والخَسارةُ عليه في الجَميعِ.
لأنَّ كلَّ شَرطٍ في عَقدٍ يُؤدِّي إلى فَواتِ المَقصودِ بالعَقدِ، أو تَعذُّرِه؛ فإنَّه مُبطِلٌ له، أصلُه إذا باعَه سِلعةً على ألَّا يَتصرَّفَ فيها أو ألَّا يَبيعَها، أو تَزوَّج امرأةً وشرَط ألَّا يَطأَها، وهذه صِفةُ تَنازُعِنا فيه في شَرطِ خُصوصِ التَّصرُّفِ مِنَ الوُجوهِ التي ذكَرناها، فوَجَب فَسادُ العَقدِ إذا وقَع عليها.
ووَجهُ قَولِهم: إنَّ القِراضَ الفاسِدَ يُرَدُّ العامِلُ فيه كلِّه إلى إجارةِ المِثلِ جُملةً مِنْ غَيرِ تَفصيلٍ أنَّ القِراضَ إجارةٌ بغَررٍ؛ لأنَّ العامِلَ يَعملُ في المالِ على جُزءٍ مما يُربَحُ فيه إنْ كان فيه رِبحٌ، إلا أنَّه استُثنِيَ مِنَ الأُصولِ لِلضَّرورةِ؛ فإنَّما يَجوزُ إذا وقَع على وَجهِه وسُنَّتِه.
فإذا وقَع على خِلافِ ذلك فليس بقِراضٍ، وإنْ سَمَّياه قِراضًا، وإنَّما هو إجارةٌ فاسِدةٌ، فيُرَدُّ فيها إلى إجارةِ مِثلِه، وإنَّما يَكونُ قِراضًا إذا عمِلا على سُنَّةِ القِراضِ، ألَا تَرى أنَّه لو قارَضه على أنْ يَعملَ له بالمالِ إلى أجَلِ كذا
[ ٨ / ٤٤٢ ]
وكذا في كذا وكذا وله كذا وكذا لَكانت إجارةً، ولَم يَكُنْ قِراضًا، فلا مَعنى لِلاعتِبارِ بذِكرِ القِراضِ إلا إذا عمِل به على سُنَّتِه. وأيضًا فإنَّ القِراضَ عَقدٌ صَحيحٌ يُوجِبُ عِوَضًا مُسمًّى لِلعامِلِ بالعَملِ؛ فإذا كان فاسِدًا وجَب له أجرُ المِثلِ في عَملِه لِفَواتِه، أصلُه إذا استأجَره إجارةً فاسِدةً ففاتَتْ بالعَملِ أو باعَه بَيعًا فاسِدًا ففاتَتِ السِّلعةُ المَبيعةُ.
إلا أنَّهم أجازوا لِرَبِّ المالِ أنْ يَشترِطَ على العامِلِ ألَّا يَنزِلَ وادِيًا أو لا يَسيرَ بالمالِ في اللَّيلِ؛ لِما فيه مِنَ الخَطرِ، أو ألَّا يَنزلَ بالمالِ في البَحرِ المالِحِ أو الحُلوِ؛ لِما فيه مِنَ الخَطرِ، أو أنْ يَبتاعَ سِلعةً بعَينِها له، وكان ذلك لِغَرضٍ صَحيحٍ مِنْ قِلَّةِ الرِّبحِ فيها، أو حُصولِ الوَضيعةِ فيها؛ فإنَّه يَعملُ بشَرطِه؛ لأنَّه شَرطٌ جائِزٌ، وضمِن العامِلُ المالَ إنْ خالَف واحِدًا مما ذُكِر، أي: وحصَل التَّلفُ بسَببِ المُخالفةِ، وأمَّا لو خاطَر وسلَّمَ ثم تَلِف المالُ بعدَ ذلك فلا ضَمانَ عليه (^١).
وقال الشافِعيَّةُ: يُشترطُ ألَّا يُضيِّقَ المالِكُ على العامِلِ في التَّصرُّفِ، وحينَئِذٍ لا يَجوزُ أنْ يَشرُطَ عليه شِراءَ مَتاعٍ مُعيَّنٍ، كهذه الحِنطةِ أو هذا الثَّوبِ، أو شِراءَ نَوعٍ يَندُرُ وُجودُه، أو يَشرُطَ مُعاملةَ شَخصٍ بعَينِه، كـ: «لا
_________________
(١) «المقدمات الممهدات» (٣/ ١٣)، و«الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١٦٩)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٢٨٤، ٢٨٨)، و«الذخيرة» (٦/ ٣٦) و«التاج والإكليل» (٤/ ٤١٣، ٤١٧)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥٠٨، ٥١١، ٥١٨)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٠٦، ٢٠٨، ٢١٣)، و«الشرح الصغير» (٨/ ٣٩٨، ٣٩٩)، و«البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٣٥٨).
[ ٨ / ٤٤٣ ]
تَبِعْ إلا لِزَيدٍ، ولا تَشتَرِ إلا منه»؛ لِإخلالِه بالمَقصودِ؛ لأنَّ المَتاعَ المُعيَّنَ قد لا يَربَحُ، والنادِرَ قد لا يَجِدُه، والشَّخصَ المُعيَّنَ قد لا يُعامِلُه، وقد لا يَجِدُ عندَه ما يُظَنُّ أنَّ فيه رِبحًا.
أمَّا النَّوعُ الذي لا يَندُرُ وُجودُه؛ فإنَّه يَصحُّ، ولو كان يَنقطِعُ، كالفَواكِه الرَّطبةِ؛ لِانتِفاءِ الضِّيقِ، وكذا إنْ ندَرَ، وكان بمَكانٍ يُوجدُ فيه في الأغلَبِ، ولو نَهاه عن هذه الأُمورِ صَحَّ؛ لأنَّه يُمكِنُه شِراءُ غَيرِ هذه السِّلعِ، والشِّراءُ والبَيعُ مِنْ غَيرِ زَيدٍ (^١).
وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: واختلَفوا في المُقارِضِ، يَشتَرطُ رَبُّ المالِ عليه خُصوصَ التَّصرُّفِ، مِثلَ أنْ يَشترطَ عليه تَعيينَ جِنسٍ ما مِنَ السِّلعِ، أو تَعيينَ جِنسٍ ما مِنَ البَيعِ، أو تَعيينَ مَوضِعٍ ما لِلتِّجارةِ، أو تَعيينَ صِنفٍ ما مِنَ الناسِ يَتَّجِرُ معهم، فقال مالِكٌ والشافِعيُّ في اشتِراطِ جِنسٍ مِنَ السِّلعِ: لا يَجوزُ ذلك إلا أنْ يَكونَ ذلك الجِنسُ مِنَ السِّلعِ التي لا تَختَلِفُ وَقتًا ما مِنْ أوقاتِ السَّنةِ.
وقال أبو حَنيفةَ: يَلزمُه ما اشتَرطَ عليه، وإنْ تَصرَّف في غَيرِ ما اشتَرطَ عليه ضمِن.
فمالِكٌ والشافِعيُّ رأيا أنَّ هذا الاشتِراطَ مِنْ بابِ التَّضييقِ على المُقارِضِ، فيَعظُمُ الغَررُ بذلك، وأبو حَنيفةَ استَخفَّ الغَررَ المَوجودَ في
_________________
(١) «مغني المحتاج» (٣/ ٣٤٣، ٣٤٤)، و«نهاية المحتاج» (٥/ ٢٥٤، ٢٥٥)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٦٢، ٢٦٣)، و«الديباج» (٢/ ٤٢٨، ٤٢٩)، و«كفاية الأخيار» (٣٤١)، و«حاشية البيجوري على شرح ابن قاسم» (٢/ ٤٤).
[ ٨ / ٤٤٤ ]
ذلك، كما لو اشتَرط عليه ألَّا يَشتريَ جِنسًا ما مِنَ السِّلعِ لَكانَ على شَرطِه في ذلك بإجماعٍ (^١).