المُساقاةُ لُغةً: مُفاعَلةٌ مِنْ السَّقْيِ، سُمِّيتْ بذلك لِاحتياجِها إلى السَّقْيِ في الأغلَبِ؛ لأنَّه أنفَعُ أعمالِها، وأصْلُ مَنفعَتِها، وأكثَرُها مُؤنةً، لا سيَّما أهلَ الحِجازِ؛ فإنَّهم يَسقونَ مِنْ الآبارِ نَضحًا، فيَعظُمُ أمْرُه وتَكثُرُ مَشَقَّتُه.
والبَعلُ يَجوزُ مُساقاتُه، ولا سَقْيَ فيه؛ لأنَّ ما فيه مِنْ المُؤَنِ يَقومُ مَقامَ السَّقْيِ.
وَقيلَ: مِنْ «السَّقِيِّ» بكَسرِ القافِ وتَشديدِ الياءِ، وهي: صِغارُ النَّخلِ.
وَأهلُ المَدينةِ يُسَمُّونَها المُعامَلةَ: وهي مُفاعَلةٌ مِنْ العَملِ (^١).
_________________
(١) «تبيين الحقائق» (٥/ ٢٨٤)، و«الاختيار» (٣/ ٩٩)، و«شرح الزرقاني» (٣/ ٤٥٨)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٦٢)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٩١)، و«المغني» (٥/ ٢٢٦)، و«شرح الزركشي» (٢/ ١٧٤)، و«المطلع على أبواب المقنع» (٢٦٣)، و«المبدع» (٥/ ٤٥).
[ ٩ / ٣ ]
والمُساقاةُ شَرعًا:
تَعدَّدَتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ المُساقاةِ، وإنْ كانَتْ كلُّها بمَعنًى واحِدٍ، وهي دَفعُ الشَّجرِ إلى آخَرَ مُعامَلةً لِيَقومَ بسَقْيِه وعَملِ سائِرِ ما يَحتاجُ إليه بجُزءٍ مَعلومٍ له مِنْ ثَمرِه، كالنِّصفِ والثُّلُثِ والرُّبُعِ.
قالَ الحَنفيَّةُ: هي دَفعُ النَّخلِ، والكَرْمِ، والأشجارِ المُثمِرةِ مُعامَلةً إلى مَنْ يُصلِحُه بجُزءٍ مَعلومٍ مِنْ ثَمرِه، شائِعٍ، كالنِّصْفِ والرُّبُعِ، قَلَّ أو كَثُرَ (^١).
وقالَ المالِكيَّةُ: عَقْدٌ مِنْ ربِّ الحائِطِ أوِ الزَّرعِ مع غَيرِه على القِيامِ بمُؤنةِ شَجرٍ، أو نَباتٍ، بجُزءٍ مِنْ غَلَّتِه، لا مَكِيلةٍ، ولا بجُزءٍ مِنْ غَلَّةِ غَيرِه، بصيغةِ: ساقَيتُ، أو لَفظِ: عامَلتُ، فقَطْ، لا بلَفظِ إجارةٍ أو شَرِكةٍ أو بَيعٍ؛ فلا تَنعقِدُ بذلك، أيْ: مِنْ البادِئِ مِنهما، ويَكفي مِنْ الثَّاني أنْ يَقولَ: قَبِلتُ، أو: رَضيتُ، ونَحوَ ذلك (^٢).
وقالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: هي عَقدٌ على عَملِ مُؤنةِ النَّباتِ بقَدْرٍ لا مِنْ غيرِ غَلَّتِه، لا بلَفظِ بَيعٍ أو إجارةٍ أو جُعلٍ (^٣).
وقالَ الشافِعيَّةُ: هي أنْ يَدفَعَ الإنسانُ نَخلًا أو شَجرَ عِنَبٍ فَقَطْ إلى مَنْ يُحسِنُ العَملَ فيها مدَّةً مَعلومةً؛ لِيَقومَ بسَقْيِها وتَعهُّدِها على أنَّ ما
_________________
(١) «تبيين الحقائق» (٥/ ٢٨٤)، و«مختصر الوقاية» (٢/ ١٩٨)، و«الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٦٠).
(٢) «حاشية الصاوي مع الشرح الصغير» (٨/ ٤٣٦).
(٣) «شرح حدود ابن عرفة» (٥٠٨)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٢٧)، و«حاشية ميارة» (٢/ ١٨١).
[ ٩ / ٤ ]
رَزَقَ اللَّهُ تَعالى مِنْ الثَّمرةِ يَكونُ بَينَهما على ما يَتَّفِقانِ عليه (^١).
وقالَ الحَنابِلةُ: المُساقاةُ هي: دَفعُ شَجرٍ -لَه ثَمرٌ مَأكولٌ-، مَغروسٍ مَعلومٍ لِلمالِكِ والعامِلِ برُؤيةٍ، أو صِفةٍ لَهُما، لِمَنْ يَعمَلُ عليه، ويَقومُ بمَصلَحَتِه بجُزءٍ مَشاعٍ مَعلومٍ مِنْ ثَمرِه النَّامي بعَملِه المُتكرِّرِ كلَّ عامٍ؛ كالنَّخلِ والكَرْمِ والرُّمَّانِ والجَوزِ واللَّوزِ والزَّيتونِ؛ فلا تَصحُّ على ما يَتكرَّرُ حَملُه في عامٍ واحِدٍ؛ كالقُطنِ والقِثَّاءِ ونَحوِ ذلك.
والمُناصَبةُ هي: دَفعَ أرضٍ وشَجرٍ له ثَمرٌ مَأكولٌ، بلا غَرسٍ، لِمَنْ يَغرِسُه ويَعمَلُ عليه بجُزءٍ مَشاعٍ مَعلومٍ مِنْ ثَمرَتِه، أو مِنهما، أي: الشَّجرِ والثَّمرِ.
فالمُساقاةُ أعَمُّ مِنْ المُناصَبةِ (^٢).
_________________
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٦٩)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٦٢)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٩١)، و«كنز الراغبين» (٣/ ١٤٦).
(٢) «المغني» (٥/ ٢٢٦)، و«شرح الزركشي» (٢/ ١٧٤)، و«المبدع» (٥/ ٤٥)، و«كشاف القناع» (٣/ ٦٢٤، ٦٢٥)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٦٠٠، ٦٠١).
[ ٩ / ٥ ]