اختلَف الفُقهاءُ في المُضاربةِ هل تَصحُّ أنْ يُشترَطَ أنْ تَكونَ مُؤقَّتةً بمُدةٍ أو لا بُدَّ مِنْ عَدمِ التَّقييدِ -بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّها إلى غَيرِ أجَلٍ جائِزةٌ-؟.
فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى جَوازِ أنْ تَكونَ المُضاربةُ مُؤقَّتةً بوَقتٍ، فلو قال له: خُذْ هذا المالَ مُضاربةً إلى شَهرٍ أو سَنةٍ جازتِ المُضاربةُ؛ لأنَّ المُضاربةَ تَوكيلٌ، ولأنَّ التَّوكيلَ يَحتمِلُ التَّخصيصَ بوَقتٍ دونَ وَقتٍ، ويَبطُلُ العَقدُ بمُضيِّ الوَقتِ المُحدَّدِ؛ لأنَّ الحُكمَ المُؤقَّتَ يَنتَهي بمُضيِّ الوَقتِ، ولأنَّه تَوكيلٌ فيُوَقَّتُ بما وَقَّته، والتَّوقيتُ مُفيدٌ؛ فإنَّه تَقييدٌ بالزَّمانِ، فصارَ كالتَّقييدِ بالنَّوعِ والمَكانِ (^٢)؛ ولأنَّه تَصرُّفٌ يُوقَّتُ بنَوعٍ مِنَ المَتاعِ، فجازَ تَوقيتُه في الزَّمانِ، كالوَكالةِ؛ ولأنَّ لرَبِّ المالِ مَنعُه مِنَ البَيعِ والشِّراءِ في كلِّ وَقتٍ إذا رَضيَ أنْ يأخُذَ بمالِه عَرضًا؛ فإذا شرَط ذلك فقد شرَط ما هو مِنْ مُقتَضى العَقدِ، فصَحَّ، كما لو قال: إذا انقَضتِ السَّنةُ فلا تَشتَرِ شَيئًا.
_________________
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ١٨٠).
(٢) «بدائع الصانع» (٦/ ٩٩)، و«الهداية شرح البداية» (٣/ ٢٠٥)، و«الاختيار» (٣/ ٢٥)، و«الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٤٩)، و«اللباب» (١/ ٥٤٣)، و«تبيين الحقائق» (٥/ ٩٠)، و«مجمع الضمانات» (٢/ ٦٥٣)، وابن عابدين (٨/ ٢٩٣)، و«الهندية» (٤/ ٢٩٨)، و«الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١٦٧٦) رقم (٣٢٨١).
[ ٨ / ٤٤٥ ]
قال منها: سألتُ أحمدَ عن رَجلٍ أعطى رَجلًا ألفًا مُضاربةً شَهرًا؛ فإذا مَضى شَهرٌ تَكونُ قَرضًا، قال: لا بأسَ به، قُلتُ: فإذا جاءَ الشَّهرُ وهي مَتاعٌ قال: إذا باعَ المَتاعَ يَكونُ قَرضًا (^١).
وذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ، وحَكاه الطَّحاويُّ عن الحَنفيَّةِ وخَطَّأه الكاسانيُّ إلى أنَّه لا يَجوزُ تَوقيتُ المُضاربةِ بوَقتٍ بأنْ يُقارضَه إلى مُدةٍ مَعلومةٍ لا يَفسَخُها قَبلَها، ولا على أنَّه إذا انقَضتِ المُدةُ انفَسَخ العَقدُ، فلَم يَجُزْ أنْ يَبيعَ ما اشتَراه مِنَ المَتاعِ، ولا أنْ يَستأنِفَ شِراءَ غَيرِه، ومتى وقَع العَقدُ على ذلك كان فاسِدًا؛ لِما فيه مِنَ التَّحجيرِ الخارجِ عن سُنَّةِ القِراضِ، ولأنَّ القِراضَ مِنَ العُقودِ الجائِزةِ لكلِّ واحِدٍ منهما تَركُه لو شاءَ؛ فإذا شرَط الأجلَ فكأنَّما منَع نَفْسَه مِنْ تَركِه، وذلك غَيرُ جائِزٍ؛ لأنَّه كالوَكالةِ، وهو مُتضمِّنٌ لِمَعناها؛ لأنَّ المالَ لِلمالِكِ، وإنَّما يَتصرَّفُ العامِلُ فيه لِطَلبِ الفَضلِ فيه والنَّماءِ نِيابةً عن المالِكِ، والقَدرُ الذي يَفترِقان فيه أنَّ التَّوكيلَ لا يَتضمَّنُ شَركةَ الوَكيلِ لِلمُوكِّلِ في الرِّبحِ، والقِراضُ يَتضمَّنُ ذلك؛ فإذا ثبَت ذلك صَحَّ أنَّه مِنَ العُقودِ الجائِزةِ، فيَجِبُ أنْ يَكونَ ما أخرَجه إلى اللُّزومِ باطِلًا؛ لأنَّه يُخرِجُه عن بابِه وأصلِه، وتَوقيتُه يَقتَضي اللُّزومَ، فوجَب فَسادُه؛ فإذا وقَع رُدَّ إلى قِراضِ مِثلِه عن المالِكيَّةِ (^٢).
_________________
(١) «المغني» (٥/ ٤٠، ٤١)، و«المبدع» (٥/ ٢١)، و«الإنصاف» (٥/ ٤٣٠)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٦٩).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١٧٨) رقم (١٠٢٦)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٢٨٤)، و«التاج والإكليل» (٤/ ٤١٢)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥٠٨)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٠٦)، و«الشرح الصغير» (٨/ ٣٩٥).
[ ٨ / ٤٤٦ ]
وعلَّل أبو حَفصٍ العُكبَريُّ عَدمَ الجَوازِ بثلاثةِ مَعانٍ:
أحَدُها: أنَّه عَقدٌ يَقعُ مُطلَقًا؛ فإذا شرَط قَطْعَه لَم يَصحَّ كالنِّكاحِ.
الثاني: أنَّ هذا ليس مِنْ مُقتَضى العَقدِ، وليس له فيه مَصلحةٌ، فأشبَهَ ما لو شرَطَ ألَّا يَبيعَ، وبَيانُه أنَّه ليس مِنْ مُقتَضى العَقدِ أنَّه يَقتَضي أنْ يَكونَ رأسُ المالِ ناضًّا؛ فإذا منَعه البَيعَ لَم يَنِضَّ.
الثالِثُ: أنَّ هذا يُؤدِّي إلى ضَررٍ بالعامِلِ؛ لأنَّه قد يَكونُ الرِّبحُ والحَظُّ في بَقيَّةِ المَتاعِ، ويَبيعُه بعدَ السَّنةِ فيَمتنِعُ ذلك بمُضِيِّها (^١).
وقال الشافِعيَّةُ: لا يُشترطُ بَيانُ مُدةِ القِراضِ لأنَّهما قادِران على فَسخِ القِراضِ متى أرادا، فلو ذكَر مُدةً كشَهرٍ لَم يَصحَّ لِإخلالِ التَّأقيتِ بمَقصودِ القِراضِ، فقد لا يَربَحُ في المُدةِ وإنْ عَيَّنَ مُدةً كشَهرٍ، ومَنَعَه التَّصرُّفَ أو البَيعَ بعدَها فسَد العَقدُ؛ لِما مَرَّ أنَّه يُخِلُّ بمَقصودِ العَقدِ؛ فإنَّه قد لا يَجِدُ راغِبًا في المُدةِ ولا تَحصُلُ التِّجارةُ والرِّبحُ، ومع ذلك هو مُخالِفٌ لِمُقتَضى العَقدِ أيضًا؛ فإنَّ مُقتَضاه بعدَ الفَسخِ تَنضيضُ رأسِ المالِ، ومَنعُه مِنَ التَّصرُّفِ بعدَ المُدةِ يَمنَعُ مِنْ ذلك.
وإنْ منَعه الشِّراءَ فَقطْ كأنْ قال: «لا تَشتَرِ بعدَها ولكَ البَيعُ»، فلا يَفسُدُ البَيعُ في الأصَحِّ لِحُصولِ الاستِرباحِ بالبَيعِ الذي له فِعلُه بَعدَ الشَّهرِ، ولأنَّ المالِكَ مُتمكِّنٌ مِنْ مَنعِه مِنَ الشِّراءِ في كلِّ وَقتٍ، فجازَ أنْ يَتعرَّضَ له في العَقدِ بخِلافِ المَنعِ مِنَ البَيعِ.
_________________
(١) «المغني» (٥/ ٤١).
[ ٨ / ٤٤٧ ]
ورأيٌ آخَرُ: يَفسُدُ؛ لأنَّ ما كان وَضعُه على الإطلاقِ كان التَّأقيتُ منُافيًا له؛ كالبَيعِ والنِّكاحِ.
وصُورةُ المَسألةِ: أنْ تَكونَ المُدةُ يَتأتَّى فيها الشِّراءُ لِغَرضِ الرِّبحِ، بخِلافِ ساعةٍ ونَحوِها، فلو قال: «قارَضتُك سَنةً» ولَم يَزِدْ فالأصَحُّ المَنصوصُ: البُطلانُ (^١).
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: أمَّا القِراضُ إلى أجَلٍ فلا يَجوزُ عندَ الجَميعِ لا إلى سَنةٍ ولا إلى سِنينَ مَعلومةٍ ولا إلى أجَلٍ مِنَ الآجالِ؛ فإنْ وقَع فَسخٌ ما لَم يَشرَعِ العامِلُ في الشِّراءِ بالمالِ؛ فإنْ كان ذلك مَضى ورُدَّ إلى قِراضِ مِثلِه عندَ مالِكٍ، وأمَّا الشافِعيُّ فيُرَدُّ عندَه إلى أُجرةِ مِثلِه، وكذلك كلُّ قِراضٍ فاسِدٍ، هذا قَولُه وقَولُ عَبدِ العَزيزِ بنِ أبي سَلمةَ الماجِشونِ.
وأمَّا أبو حَنيفةَ فقال في المُضاربةِ إلى أجَلٍ: جائِزةٌ، إلا أنْ يَتفاسَخا (^٢).