اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ المُساقاةِ هَلْ هي جائِزةٌ أو باطِلةٌ؟
فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ والصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ -وعليه الفَتوَى عِندَهم- إلى أنَّ المُساقاةَ جائِزةٌ، واستَدَلُّوا على ذلك بالسُّنة وإجماعِ الصَّحابةِ والقِياسِ والحاجةِ.
أمَّا السُّنةُ: فحَدِيثُ ابنِ عُمرَ ﵄ قَالَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمرٍ أَوْ زَرْعٍ» (^١).
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «افتَتحَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ خَيبَرَ، وَاشترَطَ أنَّ له الأَرْضَ، وَكلَّ صَفرَاءَ وَبَيضَاءَ، قالَ أهلُ خَيبَرَ: نَحنُ أعلَمُ بالأَرْضِ مِنكم، فَأعطِناها على أنَّ لَكم نِصفَ الثَمرَةِ، ولَنَا نِصفَها، فزَعَم أنَّه أَعطاهم على ذلك، فلَمَّا كان حينَ يُصرَمُ النَّخلُ بَعَثَ إلَيهِم عبدَ اللَّهِ بنَ رَوَاحةَ فحَزَرَ عليهم النَّخلَ، وهو الذي يُسَمِّيهِ أهلُ المَدينَةِ الخَرْصَ، فقالَ: في ذا كذا وكذا، قالوا: أَكثَرْتَ عَلَينَا يا ابنَ رَوَاحةَ. فقالَ: فأنَا ألِي حَزرَ النَّخلِ وَأُعطِيكم نِصفَ الذي قُلتُ. قالوا: هذا الحَقُّ وَبهِ تَقُومُ السَّمَاءُ والأَرضُ، قد رَضينَا أنْ نأْخُذَهُ بالَّذِي قُلتَ» (^٢).
وعن أبي الزُّبَيرِ أنَّه سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ ﵄ يَقولُ: «خَرَصَهَا ابنُ
_________________
(١) رواه البخاري (٢٢٠٣)، ومسلم (١٥٥١).
(٢) حَسَنٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٤١٠)، وابن ماجه (١٨٢٠)، والبيهقي في «الكبرى» (١١٤٠٨).
[ ٩ / ٦ ]
روَاحَةَ أَربَعِينَ ألفَ وَسقٍ، وزَعَم أنَّ اليَهُودَ لَمَّا خَيَّرَهُمُ ابنُ رَوَاحَةَ أخَذُوا الثَمرَ وَعليهمْ عِشرُونَ ألفَ وَسقٍ» (^١).
وأمَّا إجماعُ الصَّحابةِ: فعن أبي جَعْفَرٍ مُحمَّدِ بنِ عَلِيٍّ قالَ: «عَامَلَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ، ثم أبو بَكْرٍ وَعُمرُ وَعُثمانُ وَعَلِيٌّ، ثم أَهْلُوهُم إِلَى اليَوْمِ يُعْطُونَ الثُّلُثَ أَوِ الرُّبُعَ» (^٢).
وقالَ البُخاريُّ ﵀: وقالَ قَيسُ بنُ مُسْلِمٍ عن أبي جَعفَرٍ قال: «ما بالمَدِينَةِ أَهلُ بَيتِ هِجرَةٍ، إلا يَزْرَعونَ على الثُّلُثِ والرُّبُعِ، وزَارَعَ عَلِيٌّ، وسَعدُ بنُ مَالِكٍ، وعبدُ اللَّهِ بنُ مَسعودٍ، وعمرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ، وَالقَاسِمُ، وعُروَةُ، وآلُ أبي بَكْرٍ، وآلُ عُمرَ، وآلُ عَلِيٍّ …» (^٣).
وَهَذا أمرٌ صَحيحٌ مَشهورٌ عَمِلَ به رَسولُ اللَّهِ ﷺ حتى ماتَ، ثم خُلَفاؤُه الرَّاشِدونَ حتى ماتوا، ثم أهلُوهم مِنْ بَعدِهم، ولَم يَبقَ بالمَدينةِ أهلُ بَيتٍ إلَّا عَمِلَ بِهِ، فلم يُنكِرْه مُنكِرٌ؛ فكانَ إجماعًا، وفي إقرارِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ يَهودَ خَيبَرَ على مُساقاتِهمُ التي ساقاهم عليها النَّبيُّ ﷺ بَيانٌ واضِحٌ على أنَّ المُساقاةَ حُكمٌ مِنْ رَسولِ اللَّهِ ﷺ مُحكَمٌ غيرُ مَنسوخٍ.
وقد عَمِلَ به أزواجُ رَسولِ اللهِ ﷺ مِنْ بَعدِه، فرَوَى البُخارِيُّ عن ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عامَلَ خَيبَرَ بِشَطرِ ما يَخرُجُ
_________________
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٤١٥).
(٢) رواه ابن أبي شَيبة (٢١٢٣١).
(٣) ذكره البُخَاري مُعَلَّقًا بصيغة الجَزْم (٢/ ٢٨٠) باب المُزارَعة بالشَّطر ونَحوِه. ورواه ابن أبي شيبة (٢١٢٤٦).
[ ٩ / ٧ ]
منها من ثَمرٍ أو زَرعٍ، فكَانَ يُعطِي أَزوَاجَهُ مِئةَ وَسقٍ: ثَمانُونَ وَسقَ تَمرٍ، وَعِشرُونَ وَسقَ شَعِيرٍ، فقَسَمَ عُمرُ خَيبَرَ، فخَيَّرَ أَزوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُقطِعَ لَهُنَّ مِنْ المَاءِ وَالأَرْضِ، أو يُمضِيَ لَهُنَّ، فَمِنهنَّ مَنِ اختَارَ الأَرْضَ، وَمِنهنَّ مَنِ اختَارَ الوَسْقَ، وكَانَتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ ممَّنِ اخْتارَتَا الأرْضَ والمَاءَ» (^١).
وَمِنْ طَريقِ القياسِ والنَّظَرِ أنَّ الأُصولَ مالٌ لا يَنمو بنَفْسِه، ولا تَجوزُ إجارَتُه، وإنَّما يُنَمَّى بالعَملِ عليه، فجازَ العَملُ عليه ببَعضِ ما يَخرُجُ مِنه، كالقِراضِ، بَلِ المُساقاةُ أوْلَى بالجَوازِ مِنْ القِراضِ، لأنَّ الغَرَرَ والخِطارَ في القِراضِ أكثَرُ، لأنَّه قد يَكونُ في المالِ رِبْحٌ، وقَد لا يَكونُ فيه رِبحٌ، وجَوازُ أحَدِ الأمرَيْنِ كَجَوازِ الآخَرِ، لَيسَ أحَدُهما أغلَب مِنْ صاحِبِه، والنَّخلُ قد أجرَى اللَّهُ تَعالى العادةَ بأنْ تَحمِلَ كلَّ سَنةٍ، فلا بدَّ أنْ يكونَ لِلنَّخلِ ثَمرةٌ في الأغلَبِ مِنْ الأحوالِ.
وأمَّا الضَّرورةُ والحاجةُ: فلأنَّ الحاجةَ ماسَّةٌ وداعيةٌ إليها؛ لأنَّ صاحِبَ الشَّجرِ قد لا يَقدِرُ على العَملِ بنَفْسِه، ولا يُحسِنُ تَعَهُّدَه، أو لا يَتفرَّغُ لَه، والقادِرُ على العَملِ والمُتفرِّغُ له لا يَجِدُ أرضًا ولا شَجرًا، فيَحتاجُ ذلك إلى الِاستِعمالِ، وهذا إلى العَملِ، ولَوِ استَأجَرَ المالِكُ مَنْ يَقُومُ بهذا لَزِمتْه الأُجرةُ في الحالِ، وقَد لا يَجِدُ ما يَستَأجِرُ به، وقَد لا يَحصُلُ له مِنْ الثِّمارِ شَيءٌ، ويَتَهاوَنُ العامِلُ، فدَعَتِ الحاجةُ إلى تَجويزِها؛
_________________
(١) رواه البخاري (٢٢٠٣)، ومسلم (١٥٥١).
[ ٩ / ٨ ]
دَفعًا لِلحاجَتَيْنِ، وتَحصيلًا لمَنفَعةِ كُلٍّ مِنهما، فجازَتْ، كالمُضارَبةِ (^١).
وذَهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ وزُفَرُ إلى عَدَمِ جَوازِ المُساقاةِ والمُزارَعةِ؛ لأنَّها استِئجارٌ ببَعضِ الخارِجِ، وأنَّه مَنهيٌّ عنه بالنَّصِّ والمَعقولِ.
أمَّا النَّصُّ، فما رُوِيَ عن رافِعٍ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه مَرَّ بِحائِطٍ فأَعْجَبَهُ، فقالَ: «لِمَنْ هذا؟ قُلتُ: هو لي. قالَ: مِنْ أيْنَ لكَ هذا؟ قُلتُ: اسْتأْجَرْتُهُ. قالَ: لا تَسْتَأْجِرْهُ بِشَيْءٍ» (^٢).
ورُوِيَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ «أنَّه نَهَى عن قَفيزِ الطَّحَّانِ» (^٣)، والاستِئجارُ ببَعضِ الخارِجِ في مَعناه، والمَنهيُّ عنه غيرُ مَشروعٍ.
وَعن رَافعِ بنِ أُسيْدِ بنِ ظُهيْرٍ عن أبيه «أنَّه خَرجَ إلى قَوْمهِ إلى بَني حَارِثَةَ، فقالَ: يا بَني حَارِثَةَ لقد دخلَتْ علَيْكُمْ مُصيبَةٌ. قالوا: ما هيَ؟ قال: نَهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن كِراءِ الأرضِ. قُلنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إذًا
_________________
(١) «تبيين الحقائق» (٥/ ٢٨٤)، و«الاختيار» (٣/ ٩٩)، و«الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٦٠)، و«مختصر الوقاية» (٢/ ١٩٨)، و«اللباب» (٢/ ١٦)، و«المدونة» (١٢/ ٢)، و«ابن بطال» (٦/ ٤٦٤)، و«الإشراف» (٣/ ١٨٤، ١٨٥)، و«المقدمات الممهدات» (٢/ ٥٤٨)، و«الشرح الكبير» (٥/ ٣١٥)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٢٧)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥٣٦)، و«حاشية ميارة» (٢/ ١٨١)، و«حاشية الصاوي» (٨/ ٤٣٦)، و«الإجماع» لابن المنذر (٥٤٢)، و«البيان» (٧/ ٢٥١، ٢٥٢)، و«شرح مسلم» (١٠/ ٢١٠)، و«روضة الطالبين» (٣/ ٧٦٩)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٦٢)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٩١)، و«المغني» (٥/ ٢٢٦، ٢٤٢)، و«شرح الزركشي» (٢/ ١٧٤)، و«المبدع» (٥/ ٤٥)، و«حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» (٩/ ١٨٣، ١٨٤).
(٢) رواه الطَّبَراني في «الكبير» (٤٣٥٤).
(٣) رواه الدَّارَقُطني (٣/ ٤٧) في كِتاب البُيوع ح (١٩٥).
[ ٩ / ٩ ]
نُكرِيهَا بِشَيءٍ مِنْ الحَبِّ، قالَ: لا، قالَ: وكُنَّا نُكرِيهَا بِالتِّبنِ، فقالَ: لا، وكُنَّا نُكرِيهَا بِما على الرَّبِيعِ السَّاقِي، قالَ: لا، ازرَعْهَا أوِ امنَحْهَا أخَاكَ» (^١).
وظاهِرُ قَولِه ﷺ: «ازْرَعْهَا أوِ امْنَحْهَا أخَاكَ» يَدلُّ على سَدِّ بابِ المُزارَعةِ والمُساقاةِ عليهم بالنَّهيِ مُطلَقًا.
وأمَّا المَعقولُ: فهو أنَّ الِاستِئجارَ ببَعضِ الخارِجِ مِنْ النِّصفِ والثُّلُثِ والرُّبُعِ ونَحوِها استِئجارٌ ببَدَلٍ مَجهولٍ، وأنَّه لا يَجوزُ، كَما إذا استَأْجَرَه أنْ يَرعَى غَنَمَه ببَعضِ الخارِجِ منها، تَبيَّنَ أنَّ حَديثَ خَيبَرَ مَحمولٌ على الجِزيةِ دونَ المُزارَعةِ، صِيانةً لِدَلائلِ الشَّرعِ عن التَّناقُضِ، والدَّليلُ على أنَّه لا يُمكِنُ حَملُه على المُزارَعةٍ: أنَّه ﵊ قالَ فيهِ: «أُقِرُّكُمْ ما أَقَرَّكُمُ اللهُ بهِ» (^٢). وهذا منه ﵊ تَجهيلٌ لِلمدَّةِ، وجَهالةُ المدَّةِ تَمنَعُ صِحَّةَ المُزارَعةِ بلا خِلافٍ، بَقيَ تَركُ الإنكارِ على التَّعامُلِ، وذا يُحتَمَلُ أنْ يَكونَ لِلجَوازِ، ويُحتَمَلُ أنْ يَكونَ لِكَونِه مَحَلَّ الِاجتِهادِ، فلا يَدلُّ على الجَوازِ مع الِاحتِمالِ (^٣).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ دَفعَ الرجُلِ نَخلًا مُساقاةً على الثُّلُثِ أو الرُّبُعِ أو النِّصفِ؛ جائِزٌ، وأنكَرَ النُّعمانُ المُعامَلةَ على شَيءٍ مِنْ الغَرسِ ببَعضِ ما يَخرُجُ مِنها (^٤).
_________________
(١) حَديثٌ ضَعِيفٌ: رواه النَّسَائيّ (٣٨٦٢).
(٢) رواه البُخَارِيّ مُعَلَّقًا (٣/ ١١٥٥) باب إخراجِ اليهودِ من جَزيرة العرب، وقال عُمرُ عن النَّبِيِّ ﷺ: «أُقِرُّكم ما أقَرَّكُمُ اللهُ به».
(٣) «المبسوط» (٢٣/ ١١، ١٢)، و«بدائع الصنائع» (٦/ ١٧٥)، و«تبيين الحقائق» (٥/ ٢٨٤)، و«الاختيار» (٣/ ٩٩)، و«الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٦٠)، و«مختصر الوقاية» (٢/ ١٩٨)، و«اللباب» (٢/ ١٦).
(٤) «الإجماع» (٥٤٢).
[ ٩ / ١٠ ]