اختلَف العُلماءُ في العَملِ في المُضاربةِ، هل لا بُدَّ أنْ يَكونَ في الاستِرباحِ بالبَيعِ والشِّراءِ فَقطْ أو يَصحُّ إذا احتَرف العامِلُ بالمالِ؟ فمنَعه المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وأجازَه الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ.
قال الشافِعيَّة: وَظيفةُ العامِلِ التِّجارةُ، وهي الاستِرباحُ بالبَيعِ والشِّراءِ، وكذا تَوابِعُها مما جَرَت العادةُ أنْ يَتولَّاه بنَفْسِه، كطَيِّ الثَّوبِ ونَشرِه وذَرعِ الثَّوبِ وإدراجِه في الصُّندوقِ ووَزنِ الخَفيفِ كذَهَبٍ وفِضَّةٍ ومِسكٍ؛ لِاقتِضاءِ العُرفِ ذلك، ليس كالأمتِعةِ الثَّقيلةِ، فليس عليه وَزنُها ولا
_________________
(١) «البحر الرائق» (٧/ ٢٦٧)، و«مجمع الأنهر» (٣/ ٤٥٦)، و«الدر المختار» (٥/ ٦٥٤)، و«درر الحكام» (٣/ ٤٨٤).
[ ٨ / ٤٢٣ ]
نَحوُه، كحَملِها ونَقلِها مِنَ الخانِ مَثلًا لِلسُّوقِ وعَكسُه لِجَريانِ العُرفِ بالاستِئجارِ لذلك.
وأما ما لا يَلزَمُه كأُجرةِ كَيلٍ وحِفظٍ، فله الاستِئجارُ عليه مِنْ مالِ القِراضِ؛ لأنَّه مِنْ تَتمَّةِ التِّجارةِ ومَصالِحِها، ولو فعَله بنَفْسِه لَم يَستحِقَّ أُجرةً.
وما يَلزَمُه فِعلُه لو اكتَرى عليه مِنْ فِعلِه فالأُجرةُ في مالِه، لا في مالِ القِراضِ، فلو شرَط على المالِك الاستِئجارَ عليه مِنْ مالِ القِراضِ ففيه وَجهانِ، والظاهِرُ منهما عَدمُ الصِّحَّةِ.
وخرَج بالتِّجارةِ استِخراجُ العاملِ الرِّبحَ باحتِرافٍ، فلو قارَضه لِيَشتريَ حِنطةً فيَطحنَ ويَخبِزَ، أو غَزلًا يَنسِجُه ويَبيعُه فسَد القِراضُ في الصُّورتَيْن؛ لأنَّ القِراضَ شُرِع رُخصةً لِلحاجةِ، وهذه الأعمالُ مَضبوطةٌ يُمكِنُ الاستِئجارُ عليها، فلَم تَشمَلْها الرُّخصةُ، والعامِلُ فيها ليس مُتَّجِرًا، بل مُحتَرِفٌ، فليست مِنْ وَظيفةِ العاملِ.
فلو اشتَرى الحِنطةَ وطَحَنها مِنْ غَيرِ شَرطٍ لَم يَنفسِخِ القِراضُ فيها في الأصَحِّ، ثم إنْ طحَن بغَيرِ الإذنِ فلا أُجرةَ له، ولو استأجَرَ عليه لَزِمتْه الأُجرةُ ويَصيرُ ضامِنًا، وعليه غُرمُ ما نقَص بالطَّحنِ؛ فإنْ باعَه لَم يَكُنِ الثَّمنُ مَضمونًا عليه؛ لأنَّه لَم يَتعدَّ فيه، وإنْ رَبِح فالرِّبحُ بينَهما كما شرَطا.
ولو شرَط أنْ يَستأجِرَ العامِلُ مَنْ يَفعلُ ذلك مِنْ مالِ القِراضِ وحَظُّ العامِلِ التَّصرُّفُ فَقطْ قال في المَطلَبِ يَظهَرُ الجَوازُ.
[ ٨ / ٤٢٤ ]
قال الأذرَعيُّ ﵀: وفيه نَظرٌ؛ لأنَّ الرِّبحَ لَم يَنشأْ عن تَصرُّفِ العامِلِ، وقد قال القاضي حُسَينٌ: لو قارَضه على أنْ يَشتريَ الحِنطةَ ويُخزِّنَها مُدةً؛ فإذا ارتفَع سِعرُها باعَها، لَم يَصحَّ؛ لأنَّ الرِّبحَ ليس حاصِلًا مِنْ جِهةِ التَّصرُّفِ.
قال الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وفي البَحرِ نَحوُه، وهذا هو الظاهِرُ، بل لو قال: «علَى أنْ تَشتريَ الحِنطةَ وتَبيعَها في الحالِ»، فإنَّه لا يَصحُّ.
ويُشترطُ ألَّا يُضيِّقَ المالِكُ على العامِلِ في التَّصرُّفِ، وحينَئِذٍ لا يَجوزُ أنْ يَشرُطَ عليه شِراءَ مَتاعٍ مُعيَّنٍ كهذه الحِنطةِ أو هذا الثَّوبِ أو شِراءِ نَوعٍ يَندُرُ وُجودُه، أو شرَط مُعاملةَ شَخصٍ بعَينِه، ك: «لا تَبِعْ إلا لِزَيدٍ»، أو: «لا تَشتَرِ إلا مِنه»، لِإخلالِه بالمَقصودِ؛ لأنَّ المتاعَ المُعيَّنَ قد لا يَربَحُ، والنادِرُ قد لا يَجِدُه، والشَّخصُ المُعيَّنُ قد لا يُعامِلُه، وقد لا يَجِدُ عندَه ما يظُنُّ أنَّ فيه رِبحًا.
أمَّا النَّوعُ الذي لا يَندُرُ وُجودُه فإنَّه يَصحُّ، ولو كان يَنقطِعُ كالفَواكِهِ الرَّطبةِ؛ لانتِفاءِ الضِّيقِ، وكذا إنْ ندَر وكان بمَكانٍ يُوجَدُ فيه في الأغلَبِ، ولو نَهاه عن هذه الأُمورِ صَحَّ؛ لأنَّه يُمكِنُه شِراءُ غَيرِ هذه السِّلعِ، والشِّراءُ والبَيعُ مِنْ غَيرِ زَيدٍ (^١).
وقال المالِكيَّةُ: وعلى العامِلِ ما جَرتِ العادةُ به، كالنَّشرِ والطَّيِّ لِلثِّيابِ
_________________
(١) «مغني المحتاج» (٣/ ٣٤٣، ٣٤٤)، و«نهاية المحتاج» (٥/ ٢٥٤، ٢٥٥)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٦٢، ٢٦٣)، و«الديباج» (٢/ ٤٢٨، ٤٢٩)، و«كفاية الأخيار» (٣٤١)، و«حاشية البيجوري على شرح ابن قاسم» (٢/ ٤٤).
[ ٨ / ٤٢٥ ]
الخَفيفَيْن، لا الكَثيرَيْن، مما لَم تَجرِ العادةُ به، وعليه الأجرُ مِنْ مالِه إنِ استأجَرَ على ذلك، لا على رَبِّ المالِ، ولا مِنَ الرِّبحِ، ومِثلُ ما ذُكِر النَّقلُ الخَفيفُ.
وأمَّا ما جرَت العادةُ ألَّا يَتولَّاه وتَولَّاه وهو مِنْ مَصلحةِ المالِ فله أجرُه إنِ ادَّعى أنَّه عَملُه؛ لِيَرجعَ بأجرِه، وخالَفه رَبُّ المالِ بيَمينٍ؛ لأنَّها دَعوى بشَيءٍ مَعروفٍ فتَتوجَّهُ عليه اليَمينُ حيث كانت دَعوى رَبِّ المالِ أنَّ العاملَ نَصَّ على أنَّه على وَجهِ المَعروفِ، وأمَّا إنْ كان لِسُكوتِه فلا يَحلِفُ.
وله أيضًا أنْ يَستأجرَ مِنَ المالِ إذا كان كَثيرًا لا يَقوى عليه مَنْ يَكفيه بَعضَ مُؤنَتِه مِنَ الأعمالِ التي لا يَعمَلُها العامِلُ، وليس مِثلُه يَعمَلُها.
ولا يَجوزُ لِرَبِّ المالِ أنْ يَشترطَ عَملَ يَدِ العاملِ والقِراضُ فاسِدٌ مع الشَّرطِ المَذكورِ، ولِلعاملِ أُجرةُ مِثلِه، كما إذا اشتَرط عليه أنْ يَخيطَ ثِيابًا أو يَخرِزَ نِعالًا أو يَخرِزَ الجُلودَ التي يَشتَريها بمالِ القِراضِ لِلتِّجارةِ فيها ثم يَبيعَها والرِّبحُ بينَهما، وما أشبَهَ ذلك، أو أنْ يُشاركَ أو يُبضِعَ أو يَزرعَ مِنْ مالِ القِراضِ، فلا يَجوزُ؛ فإنْ فعَل فسَد القِراضُ؛ لِما فيه مِنَ التَّحجيرِ، ولأنَّه يُوجِبُ زيادةَ جَهالةٍ في العَملِ، ولِلعاملِ أُجرةُ مِثلِه في ذِمَّةِ رَبِّ المالِ سَواءٌ حصَل رِبحٌ أو لا.
مِنْ «المُدوَّنةِ» قال مالِكٌ: لا يَجوزُ لِرَبِّ المالِ أنْ يَشترطَ على العامِلِ أنْ يَجلسَ بالمالِ ههنا في حانوتٍ مِنَ البَزازينَ أو السَّقاطينَ يَعملُ فيه ولا يَعملُ في غَيرِه أو على أنْ يَجلسَ في القيساريةِ أو على ألَّا يَشتريَ إلا مِنْ
[ ٨ / ٤٢٦ ]
فُلانٍ أو على ألَّا يَتَّجِرَ إلا في سِلعةٍ، كذا وليس وُجودُها بمأمونٍ أو على أنْ يَزرعَ فلا يَنبَغي ذلك كلُّه؛ فإنْ نزلَ ذلك كلُّه كان العامِلُ أجيرًا، وما كان مِنْ زَرعٍ أو فَضلٍ أو خَسارةٍ فلرَبِّ المالِ وعليه.
ولو عَلِم رَبُّ المالِ أنَّه يَجلِسُ في حانوتٍ فهو جائِزٌ ما لَم يَشترطْ عليه.
ولو زرَع العامِلُ مِنْ غَيرِ شَرطٍ في أرضٍ اشتَراها مِنْ مالِ القِراضِ أو اكتَراها جازَ ذلك إذا كان بمَوضِعِ أمْنٍ وعَدلٍ ولا يَضمنُ، وأمَّا إنْ خاطَرَ به في مَوضِعِ ظُلمٍ وغَررٍ يَرى أنَّه خَطرٌ؛ فإنَّه ضامِنٌ، ولو أخَذَ العامِلُ نَخلًا مُساقاةً فأنفَقَ عليها مِنْ مالِ القِراضِ كان كالزَّرعِ، ولَم يَكُنْ مُتعدِّيًا (^١).
وقال الحَنفيَّةُ: ولو دفَع إليه ألْفَ دِرهمٍ مُضاربةً على أنْ يَشتريَ بها الثِّيابَ ويَقطَعها بيَدِه ويَخيطَها على أنَّ ما رزَق اللهُ ﷾ في ذلك مِنْ شَيءٍ فهو بينَهما نِصفانِ فهو جائِزٌ على ما اشتَرطا؛ لأنَّ العَملَ المَشروطَ عليه مما يَصنَعُه التُّجارُ على قَصدِ تَحصيلِ الرِّبحِ فهو؛ كالبَيعِ والشِّراءِ، وكذلك لو قال له: علَى أنْ يَشتريَ بها الجُلودَ والأُدمَ ويَخرِزَها خِفافًا ودِلاءً ورَوايا وأجرِبةً فكلُّ هذا مِنْ صُنعِ التُّجارِ على قَصدِ تَحصيلِ الرّبِح فيَجوزُ شَرطُه على المُضاربةِ.
وإذا دفَع مالًا مُضاربةً وأمَرَ المُضارِبَ أنْ يَعملَ في ذلك برأيِه أو لَم
_________________
(١) «تهذيب المدونة» (٢/ ١٨٤)، و«الشرح الكبير» (٥/ ٢٨٦، ٢٨٨)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥١٠، ٥١١)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٠٧، ٢٠٩)، و«التاج والإكليل» (٤/ ٤١٥، ٤١٨)، و«حاشية الصاوي» (٨/ ٤٠٢، ٤٠٤)، و«منح الجليل» (٧/ ٣٣٢).
[ ٨ / ٤٢٧ ]
يأمُرْه فاستأجَرَ المُضاربُ ببَعضِه أرضًا بَيضاءَ واشتَرى ببَعضِه طَعامًا فزَرعَه في الأرضِ فهو جائِزٌ على المُضاربةِ بمَنزِلةِ التِّجارةِ؛ لأنَّ عَملَ الزِّراعةِ مِنْ صُنعِ التُّجارِ يَقصِدونَ به تَحصيلَ النَّماءِ، وإليه أشارَ صاحِبُ الشَّرعِ ﷺ: «الزارِعُ يُتاجِرُ رَبَّه» (^١) وما كان مِنْ عَملِ التُّجارِ يَملِكُه المُضارِبُ بمُطلقِ العَقدِ.
ولو استأجَرَ أرضًا بَيضاءَ على أنْ يَغرِسَ فيها شَجرًا أو أرطابًا فقال: «ذلك مِنَ المُضاربةِ»، فهو جائِزٌ، والوَضيعةُ على رَبِّ المالِ، والرِّبحُ على ما اشتَرطا؛ لأنَّه مِنْ صَنيعِ التُّجارِ يَقصِدونَ به استِنماءَ المالِ، ولو كان دفَع إليه مُضاربةً بالنِّصفِ وقال له: «اعمَلْ فيه بِرأيكَ»، فأخَذَ المُضارِبُ نَخلًا وشَجرًا وأرطابًا مُعاملةً على أنَّ ما أخرَجَ اللهُ بعدُ مِنْ ذلك فنِصفُه لِصاحبِ النَّخلِ ونِصفُ المُضارِبِ على المُضارِبِ، فعمِل وأنفَق مالَ المُضاربةِ عليه؛ فإنَّ ما خرَج مِنْ ذلك بينَ صاحِبِ النَّخلِ والمُضارِبِ نِصفانِ، ولا يَكونُ لِرَبِّ المالِ شَيءٌ مِنْ ذلك؛ لأنَّه إنَّما استحَقَّ النِّصفَ بعَقدِ المُعاملةِ، وفي عَقدِ المُعاملةِ العامِلُ يُؤاجِرُ نَفْسَه، وصاحِبُ المالِ إنَّما فوَّض الأمرَ إلى رأيِه في المُضاربةِ؛ لأنَّ مَنافِعَ يَدِه فيما يَستوجِبُ بإقامتِه العَملَ بمَنافِعِه، تَكونُ له خاصَّةً، والنَّفقةَ التي أنفَقها مِنْ مالِه خاصَّةً، وهو ضامِنٌ لِما أنفَق مِنْ ذلك مِنْ مالِ المُضاربةِ؛ لأنَّه صرَف إلى حاجةِ نَفْسِه على وَجهٍ لَم يَأذنْ له رَبُّ المالِ فيه، ولو كان المُضارِبُ أخَذَ مِنْ رَجلٍ أرضًا بَيضاءَ على أنْ
_________________
(١) لم أقف عليه.
[ ٨ / ٤٢٨ ]
يَزرعَها طَعامًا فما خرَج منها فنِصفُه لِصاحبِ الأرضِ ونِصفُه على المُضاربةِ فاشتَرى طَعامًا ببَعضِ المالِ فزَرَعه في الأرضِ ثم أنفَق ما بَقيَ مِنَ المُضاربةِ عليه حتى بلَغ فهذا جائِزٌ؛ لأنَّه مُستأجِرٌ الأرضَ بنِصفِ الخارجِ منها، ولو استأجرَها بدَراهمَ جازتِ المُضاربةُ، فكذلك إذا استأجرَها بنِصفِ الخارجِ منها، ولو استأجرَها بدَراهمَ جازَ على المُضاربةِ لذلك، وتَصرُّفُه هنا في المالِ؛ فإنَّ استِحقاقَه لِلخارجِ باعتِبارِ أنَّه بما بَذرَه، والبَذرُ مِنْ مالِ المُضاربةِ، فلِهذا كان نِصفُ الخارجِ لِصاحبِ الأرضِ، ونِصفُه يُباعُ يَستوفي رَبُّ المالِ رأسَ مالِه والبَقيَّةُ بينَه وبينَ المُضاربِ على الشَّرطِ، وإنْ لَم يَكُنْ قال له: «اعمَلْ فيه بِرأيِكَ»، فالمُضارِبُ ضامِنٌ لِلمُضاربةِ؛ لأنَّه أشرَك غَيرَه في مالِ المُضاربةِ، وقد بَيَّنَّا أنَّ بمُطلَقِ العَقدِ لا يَملِكُ المُضارِبُ الإشراكَ، وهو بمَنزلةِ دَفعِه بَعضَ المالِ مُضاربةً إلى غَيرِه، وإذا صارَ مُخالِفًا بتَصرُّفِه ضمِن مالَ المُضاربةِ، وهو مِلكُ المَضمونِ به، فما خرَج مِنَ الزَّرعِ بينَ المُضاربِ ورَبِّ المالِ نِصفانِ على الشَّرطِ (^١).
وقال الحَنابِلةُ: على العامِلِ أنْ يَتولَّى بنَفْسِه كلَّ ما جرَت العادةُ أنْ يَتولَّاه المُضارِبُ بنَفْسِه مِنْ نَشرِ الثَّوبِ وطَيِّه وعَرضِه على المُشتَري وَمساومَتِه وعَقدِ البَيعِ معه، وأخْذِ الثَّمنِ وانتِقادِه وشَدِّ الكيسِ وخَتمِه وإحرازِه في الصُّندوقِ، ونَحوِ ذلك، ولا أجرَ له عليه؛ لأنَّه مُستحِقٌّ لِلرِّبحِ في
_________________
(١) «المبسوط» (٢٢/ ٥٤، ٧٢، ٧٣)، و«بدائع الصانع» (٦/ ٩٥)، و«الهداية» (٤/ ٤)، و«تبيين الحقائق» (٥/ ٢٠٧)، و«مجمع الضمانات» (٢/ ٦٥٥)، و«الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٣٤).
[ ٨ / ٤٢٩ ]
مُقابَلتِه؛ فإنِ استأجرَ مَنْ يَفعَلُ ذلك فالأجرُ عليه خاصَّةً؛ لأنَّ العَملَ عليه، فأمَّا ما لا يَليه العامِلُ في العادةِ، مِثلَ النِّداءِ على المَتاعِ ونَقلِه إلى الخانِ، فليس على العامِلِ عَملُه، وله أنْ يَكتريَ مَنْ يَعملُه؛ لأنَّ العَملَ في المُضاربةِ غَيرُ مَشروطٍ لِمَشقَّةِ اشتِراطِه، فرُجِع فيه إلى العُرفِ.
فإنْ فعَل العامِلُ ما لا يَلزَمُه فِعلُه مُتبرِّعًا فلا أجرَ له، وإنْ فعَله لِيأخُذَ عليه أجرًا فلا شَيءَ له أيضًا في المَنصوصِ عن أحمدَ، وفي وَجهٍ أنَّ له الأجرَ بِناءً على الشَّريكِ إذا انفَردَ بعَملٍ لا يَلزَمُه هل له أجرٌ لذلك؟ على رِوايتَيْن، وهذا مِثلُه، والصَّحيحُ أنَّه لا شَيءَ له في المَوضعَيْن؛ لأنَّه عمِل في مالِ غَيرِه عَملًا لَم يُجعَلْ له في مُقابَلتِه شَيءٌ فلَم يَستحِقَّ شَيئًا كالأجنَبيِّ (^١).
وقالوا: ويَصحُّ دَفعُ عَبدٍ أو دَفعُ دابَّةٍ أو قِربةٍ أو قِدرٍ أو آلةِ حَرثٍ أو نَورَجٍ أو مِنجَلٍ ونَحوِه لِمَنْ يَعملُ به بجُزءٍ مِنْ أُجرتِه، ويَصحُّ دَفعُ ثَوبٍ إلى مَنْ يَخيطه، أو دَفعُ غَزلٍ إلى مَنْ يَنسِجُه بجُزءٍ مِنْ رِبحِه.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ دفَع ثَوبَه إلى خَيَّاطٍ لِيُفصِّلَه قُمصانًا يَبيعُها وله نِصفُ رِبحِها بحَقِّ عَملِه جازَ، نَصَّ عليه في رِوايةِ حَربٍ.
وإنْ دفَع غَزلًا إلى رَجلٍ يَنسِجُه ثَوبًا بثُلثِ ثَمنِه أو رُبعِه جازَ، نَصَّ عليه ولَم يُجِزْ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ شيئًا مِنْ ذلك؛ لأنَّه عِوَضٌ مَحمولٌ مَجهولٌ وعَملٌ مَجهولٌ، وقد ذكَرنا وَجهَ جَوازِه، وإنْ جعَل له مع ذلك
_________________
(١) «المغني» (٥/ ٣٢، ٣٣)، و«كشاف القناع» (٣/ ٥٨٥)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٥٣).
[ ٨ / ٤٣٠ ]
دَراهمَ مَعلومةً لَم يَجُزْ، نَصَّ عليه، وعنه الجَوازُ، والصَّحيحُ الأولُ، وقال أبو بَكرٍ: هذا قَولٌ قَديمٌ، وما رُويَ غَيرُ هذا، فعليه المُعتمَدُ، قال الأثرَمُ: سَمِعتُ أبا عَبدِ اللهِ يَقولُ: لا بأسَ بالثَّوبِ يُدفَعُ بالثُّلثِ والرُّبعِ.
وسُئِلَ عن الرَّجلِ يُعطي الثَّوبَ بالثُّلثِ ودِرهَمٍ ودِرهَمَيْن قال: أكرَهُه؛ لأنَّ هذا شَيءٌ لا يُعرَفُ، والثُّلثُ إذا لَم يَكُنْ معه شَيءٌ نَراه جائِزًا؛ لِحَديثِ جابِرٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطى خَيبَرَ على الشَّطرِ، قيلَ لِأبي عَبدِ اللهِ: فإنْ كان النَّساجُ لا يَرضى حتى يُزادَ على الثُّلثِ دِرهمٌ، قال: فليَجعَلْ له ثُلثًا وعُشرَيْ ثُلثٍ ونِصفَ عُشرٍ، وما أشبَهَه، ورَوى الأثرمُ عن ابنِ سِيرينَ والنَّخَعيِّ والزُّهريِّ وأيُّوبَ ويَعلَى بنِ حَكيمٍ أنَّهم أجازوا ذلك، وقال ابنُ المُنذِرِ: كَرِه هذا كلَّه الحَسَنُ وقال أبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ: هذا كلُّه فاسِدٌ، واختارَه ابنُ المُنذِرِ وابنُ عَقيلٍ، وقالوا لو دفَع شَبَكةً إلى الصَّيادِ لِيَصيدَ بها السَّمكَ بينَهما نِصفَيْن، فالصَّيدُ كلُّه لِلصَّيادِ، ولِصاحبِ الشَّبَكةِ أجرُ مِثلِها، وقياسُ ما نُقِل عن أحمدَ صِحَّةُ الشَّركةِ وما رزَق الله ﷾ بينَهما على ما شرَطاه؛ لأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَملِ فيها، فصَحَّ دَفعُها ببَعضِ نَمائِها كالأرضِ (^١).
ويَصحُّ حَصادُ زَرعٍ ورَضاعُ قِنٍّ واستيفاءُ مالٍ ونَحوُ ذلك، كبِناءِ دارٍ وطاحونٍ ونَجرِ بابٍ وطَحنِ نَحوِ بُرٍّ بجُزءٍ مَشاعٍ منه؛ لأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَملِ عليها، فصَحَّ العَقدُ عليها ببَعضِ نَمائِها كالشَّجرِ في المُساقاةِ، ولا
_________________
(١) «المغني» (٥/ ٧، ٨).
[ ٨ / ٤٣١ ]
يَصحُّ تَخريجُها على المُضاربةِ بالعُروضِ؛ لأنَّها إنَّما تَكونُ بالتِّجارةِ والتَّصرُفِ في رَقبةِ المالِ وهذا بخِلافِه، ولا يُعارضُه حَديثُ الدارَقُطنيِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى عن عَسبِ الفَحلِ وعن قَفيزِ الطَّحَّانِ، لِحَملِه على قَفيزٍ مِنَ المَطحونِ، فلا يَدري البَقيَّةَ بَعدَه، فتَكونُ المَنفعةُ مَجهولةً، ويَكونُ المِقدارُ هنا جُزءًا مَشاعًا، بخِلافِ ما قَدَّر له قَفيزًا؛ فإنَّه لا يَدري البَقيَّةَ بَعدَ القَفيزِ كم هي؟ فتَكونُ المَنفعةُ مَجهولةً.
وإنْ جعَل له مع الجُزءِ المَشاعِ دِرهمًا فأكثَرَ لَم يَصحَّ نَصًّا، ويَصحُّ بَيعٌ ونَحوُه، كإيجارٍ لِمَتاعٍ وغَزوٍ بدابَّةٍ وبجُزءٍ مِنْ رِبحِه، أي: المَتاعِ، أو بجُزءٍ مِنْ سَهمِها، أي: الدَّابَّةِ، نَصَّ عليه فيمَن أعطى فرَسه على النِّصفِ مِنَ الغَنيمةِ، بخِلافِ ما لو قال: بِعْ عَبدي أو أجِّرْه والثَّمنُ أو الأُجرةُ بينَنا، فلا يَصحُّ، والثَّمنُ أو الأُجرةُ لِرَبِّه ولِلآخَرِ أُجرةُ مِثلِه.
ويَصحُّ دَفعُ دابَّةٍ أو نَحلٍ ونَحوِهما كعَبدٍ وأَمَةٍ لِمَنْ يَقومُ بهما مُدَّةً مَعلومةً، كسَنةٍ ونَحوِها، بجُزءٍ منهما، كرُبعِهما أو خُمسِهما، والنَّماءُ لِلدَّابَّةِ أو النَّحلِ ونَحوِهما مِلكٌ لهما، أي: الدافِعِ والمَدفوعِ إليه على حَسَبِ مِلكِهما؛ لأنَّه نَماؤُه.
قال البُخاريُّ في «صَحيحِه»، وقال مَعمَرٌ: لا بأسَ أنْ تَكونَ الماشيةُ على الثُّلثِ أو الرُّبعِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى.
ولا يَجوزُ دَفعُ دابَّةٍ ونَحلٍ ونَحوِهما لِمَنْ يَقومُ بهما مُدةً ولو مَعلومةً بجُزءٍ مِنْ نَماءٍ، كدَرٍّ ونَسلٍ وصُوفٍ وعَسلٍ ونَحوِ ذلك، كمِسكٍ وزُبادٍ، لِحُصولِ نَمائِه بغَيرِ عَملٍ، وله أُجرةُ مِثلِه؛ لأنَّه عَمِلَ بعِوضٍ لَم يُسَمَّ له.
[ ٨ / ٤٣٢ ]
وعنه: يَصِحُّ، اختاره الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ (^١).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ قال له: «اعمَلْ برأيِك»، هل له الزِّراعةُ؟ يَحتمِلُ ألَّا يَملِكَ ذلك؛ لأنَّ المُضاربةَ لا يُفهَمُ مِنْ إطلاقِها، وقد رُويَ عن أحمدَ ﵀ فيمَن دفَع إلى رَجلٍ ألفًا، وقال: «اتَّجِرْ فيها بما شِئتَ»، فزرَع فرِبحٍ فيه فالمُضاربةُ جائِزةٌ، والرِّبحُ بينَهما، قال القاضي: ظاهِرُ هذا أنَّ قَولَه: اتَّجِرْ بما شِئتَ دَخلَت فيه؛ لأنَّها مِنَ الوُجوهِ التي يُبتَغى بها النَّماءُ، وعلى هذا لو هلَك المالُ كلُّه لَم يَلزَمْه ضَمانُه (^٢).