اختَلفَ الفُقهاءُ في عامِلِ المُساقاةِ، هَلْ له أنْ يُساقيَ غَيرَه؟ أم لا يَجوز له أنْ يُساقيَ غيرَه إلَّا بإذْنِ المالِكِ؟
فذهبَ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى أنَّه يَجوزُ لِلعاملِ في المُساقاةِ أنْ يُساقيَ غيرَه بغَيرِ إذْنِ ربِّ الحائِطِ إذا كانَ أمينًا، ولَو كانَ أقَلَّ أمانةً مِنه، لا غيرَ أمينٍ، فلا تَجوزُ مَساقاتُه، وإنْ كانَ الأولُ مِثلَه في عَدَمِ الأمانةِ؛ لأنَّ ربَّ الحائِطِ رُبَّما رَغِبَ في الأولِ؛ لِأمْرٍ لَيسَ في الثَّاني، كَما نَصَّ على ذلك
_________________
(١) «المغني» (٥/ ٢٣١)، و«الشرح الكبير» (٥/ ٥٥٨)، و«مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٦٢)، و«المبدع» (٥/ ٤٧)، و«الإنصاف» (٥/ ٤٦٧، ٤٦٨)، و«كشاف القناع» (٣/ ٦٢٥، ٦٢٦، ٦٣١)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٦٠٣، ٦٠٤)، و«مطالب أولي النهى» (٣/ ٥٥٩).
[ ٩ / ١٦ ]
المالِكيَّةُ. وهذا بخِلافِ عامِلِ القِراضِ؛ فإنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُقارِضَ عامِلًا آخَرَ، ولَو كانَ أمينًا، فإنْ فعلَ ضَمِنَ، والفَرقُ أنَّ مالَ القِراضِ يُغابُ عليه، والحائِطُ لا يُغابُ عليه.
والفَرقُ بينَ المُساقاةِ -حَيثُ كانَ لِلعاملِ أنْ يُساقيَ عليها-، وبَينَ المُضارَبةِ -حَيثُ لَم يَجُزْ لِلعاملِ أنْ يُضارِبَ بها- أنَّ تَصرُّفَ العامِلِ في المُضارَبةِ تَصرُّفٌ في حَقِّ ربِّ المالِ؛ لأنَّ العَقدَ لَيسَ بلازِمٍ، فلَم يَمْلِكْ الِافْتِياتَ عليه في تَصرُّفِه، وأنَّ تَصرُّفَ العامِلِ في المُساقاةِ تَصرُّفٌ في حَقِّ نَفْسِه؛ لِلُزومِ العَقدِ، فملكَ الِاستِنابةَ في تَصرُّفِه.
وتكونُ المُساقاةُ على مِثلِ نَصيبِه أو أقَلَّ.
فَإنْ ساقاه على أكثَرَ مِنْ الجُزءِ الذي ساقَى عليه صاحِبَ الحائِطِ -مِثلَ أنْ يَكونَ ساقاه صاحِبُ الحائِطِ على أنْ يَكونَ له النِّصفُ، وساقَى الآخَرَ على أنْ يَكونَ له الثُّلُثانِ- لا يَجوزُ عندَ الشافِعيَّةِ؛ لأنَّه لا يَملِكُ الزِّيادةَ.
وعِندَ المالِكيةِ في المَشهورِ -وهو قولُ مالِكٍ- أنَّه يَصحُّ، وتَكونُ له الزِّيادةُ، فتَكونُ الزِّيادةُ عليه إذا كانَ الجُزءُ الذي جعلَه أكثَرَ، وتَكونُ له إذا كانَ الجُزءُ المَشروطُ لِلعاملِ الثَّاني أقَلَّ.
وعلى القَولِ الذي يَقولُ: «إنَّها لا تَلزَمُ بالقَولِ، بَلْ هي مِنْ العُقودِ الجائِزةِ» فلا تَصحُّ (^١).
_________________
(١) «المدونة الكبرى» (١٢/ ٨)، و«الشرح الكبير» (٥/ ٣٢٥)، و«مواهب الجليل» (٧/ ٣٦٩)، و«التاج والإكليل» (٤/ ٤٥١)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥٤٥)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٣٤)، و«الحاوي الكبير» (٧/ ٣٦٣).
[ ٩ / ١٧ ]
وَذَهَبَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُساقِي أنْ يُساقيَ غَيرَه؛ قالَ الحَنفيَّةُ: لأنَّ الدَّفعَ إلى غَيرِه إثباتٌ لِلشَّرِكةِ في مالِ غَيرِه بغَيرِ إذْنِه؛ فلا يَصحُّ.
أمَّا إذا أذِنَ صاحِبُ الأشجارِ صَراحةً أو قالَ لَهُ: «اعمَلْ برَأيِكَ» ففي هذه الحالِ له أنْ يُساقيَ آخَرَ.
وَلَو لَم يَقُلْ لَه: «اعمَلْ برَأيِكَ فيه» فدفعَ العامِلُ إلى رَجُلٍ آخَرَ مُعامَلةً، فعَمِلَ فيه فأخرَجَ، فهو لِصاحِبِ النَّخلِ، ولا أجْرَ لِلعاملِ الأولِ، ولأنَّ استِحقاقَه بالشَّرطِ، وهو شَرطُ العَملِ، ولَم يُوجَدْ منه العَملُ بنَفْسِه، ولا بغَيرِه أيضًا؛ لأنَّ عَقدَه معه لَم يَصحَّ، فلَم يكُنْ عَملُه مُضافًا إلَيه، ولَه على العامِلِ الأولِ أجْرُ مِثلِ عَملِه يَومَ عَمِلَ؛ لأنَّه عَمِلَ له بأمْرِه فاستَحقَّ أجْرَ المِثْلِ، ولَو هَلَكَ الثَّمرُ في يَدِ العامِلِ الأخيرِ مِنْ غيرِ عَملِه، وهو في رُؤُوسِ النَّخلِ، فلا ضَمانَ على واحِدٍ مِنهما؛ لِانعِدامِ الغَصبِ مِنْ واحِدٍ مِنهما، وهو تَفويتُ يَدِ المالِكِ.
وَلَو هَلَكَ مِنْ عَملِه في أمْرٍ خالَفَ فيه أمْرَ العامِلِ الأولِ، فالضَّمانُ لِصاحِبِ النَّخلِ على العامِلِ الآخَرِ دونَ الأولِ؛ لأنَّ الخِلافَ قَطَعَ نِسبةَ عَملِه إلَيه، فبَقيَ مُتلِفًا على المالِكِ مالَه، فكانَ الضَّمانُ عليه.
وَلَو هَلَكَ في يَدِه مِنْ عَملِه في أمْرٍ لَم يُخالِفْ فيه أمْرَ العامِلِ الأولِ، فلِصاحِبِ النَّخلِ أنْ يُضَمِّنَ أيَّهما شاءَ؛ لأنَّه إذا لَم يُوجَدْ منه بخِلافٍ بَقيَ عَملُه مُضافًا إلَيه، كَأنَّه عَمِلَ لِنَفْسِه؛ فكانَ له أنْ يُضَمِّنَه، ولَه أنْ يُضَمِّنَ الثَّاني؛ لأنَّه في مَعنَى غاصِبِ الغاصِبِ، فإنِ اختارَ تَضمينَ الأولِ لَم يَرجِعْ
[ ٩ / ١٨ ]
على الآخَرِ بشَيءٍ؛ لأنَّه عَمِلَ بأمرِ الأولِ، فلَو رَجعَ عليه لَرَجعَ هو عليه أيضًا؛ فلا يُفيدُ، وإنِ اختارَ تَضمينَ الآخَرِ يَرجِعُ على الأولِ؛ لأنَّه غرَّه في هذا العَقدِ؛ فيَرجِعُ عليه بضَمانِ الغَررِ، وهو ضَمانُ السَّلامةِ.
هَذا إذا لَم يَقُلْ لَه: «اعمَلْ فيه برَأيِك» فأمَّا إذا قالَ وشرطَ النِّصفَ فدفعَه إلى رَجلٍ آخَرَ بثُلُثِ الخارِجِ، فهو جائِزٌ؛ لِمَا ذَكَرْنا، وما خَرجَ مِنْ الثَّمرِ فنِصْفُه لِربِّ النَّخلِ، والسُّدُسُ لِلعاملِ الأولِ؛ لأنَّ شَرطَ الثُّلُثِ يَرجِعُ إلى نَصيبِه خاصَّةً؛ لأنَّ العَملَ واجِبٌ عليه، فبَقيَ له السُّدُسُ ضَرورةً.
وَذكرَ مُحمَّدٌ ﵀ في «الأصلِ»: أنَّه إذا لَم يَقُلْ لَهُ: «اعمَلْ فيه برَأيِكَ» وشرطَ له شَيئًا مَعلومًا، وشرطَ الأولُ لِلثَّاني مثلَ ذلك، فهُما فاسِدانِ، ولا ضَمانَ على العامِلِ الأولِ (^١).
وأمَّا الحَنابِلةُ؛ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا ساقَى رَجُلًا أو زارَعَه، فعامَلَ العامِلُ غيرَه على الأرضِ والشَّجرِ، لَم يَجُزْ ذلك، وبِهَذا قالَ أبو يُوسفَ وأبو ثَورٍ، وأجازَه مالِكٌ إذا جاءَ برَجُلٍ أمينٍ.
وَلَنا: أنَّه عامِلٌ في المالِ بجُزءٍ مِنْ نَمائِه، فلَم يَجُزْ أنْ يُعامِلَ غيرَه فيه، كالمُضارِبِ، ولأنَّه إنَّما أذِنَ له في العَملِ فيه، فلَم يَجُزْ أنْ يَأذَنَ لِغَيرِه، كالوَكيلِ.
فَأمَّا إنِ استَأجَرَ أرضًا فلَه أنْ يُزارِعَ غيرَه فيها؛ لأنَّها صارَتْ مَنافِعُها مُستَحقَّةً لَه، فملكَ المُزارَعةَ فيها، كالمالِكِ، والأُجرةُ على المُستَأجِرِ دونَ المُزارِعِ، كَما ذَكَرْنا في الخَراجِ.
_________________
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٨٧، ١٨٨)، و«ابن عابدين» (٨/ ٣٣٧)، و«درر الحكام» (٣/ ٥٠٨).
[ ٩ / ١٩ ]
وَكذلك يَجوزُ لِمَنْ في يَدِه أرضٌ خَراجيَّةٌ أنْ يُزارِعَ فيها؛ لأنَّه بمَنزِلةِ المُستَأجِرِ لَها، ولِلمَوقوفِ عليه أنْ يُزارِعَ في الوَقفِ ويُساقيَ على شَجرِهِ؛ لأنَّه إمَّا مالِكٌ لِرَقَبةِ ذلك، أو بمَنزِلةِ المالِكِ، ولا نَعلَمُ في هذا خِلافًا عندَ مَنْ أجازَ المُساقاةَ والمُزارَعةَ، واللَّهُ أعلمُ (^١).