أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ القِراضَ بالدَّنانيرِ والدَّراهمِ جائِزٌ (^٣) لأنَّهما ثَمنُ المَبيعاتِ، وقيمُ المُتلفاتِ، والناسُ يَشترِكونَ بهما مِنْ زَمنِ النَّبيِّ ﷺ إلى زَمنِنا مِنْ غَيرِ نَكيرٍ.
_________________
(١) «المدونة الكبرى» (١٢/ ١٠٧).
(٢) «روضة الطالبين» (٣/ ٤٧٣)، و«البيان» (٦/ ٣٦٣)، و«مغني المحتاج» (٣/ ١٨٦)، و«النجم الوهاج» (٥/ ١٢).
(٣) «الإجماع» (٥٢٧)
[ ٨ / ٤٠١ ]
واتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ -وكذا الظاهِريَّةُ- على أنَّ المُضاربةَ لا تَصحُّ بالعُروضِ، ولو كان العَرضُ مِثليًّا مِثلَ بُرٍّ وحَريرٍ؛ لأنَّ قيمَتَه ربَّما زادت قبلَ بَيعِه، فيُشارِكُه الآخَرُ في نَماءِ العَينِ التي هي مِلكُه، ولأنَّ القِراضَ في الأصلِ غَررٌ؛ لأنَّه إجارةٌ مَجهولةٌ، إذْ لا يَدري العامِلُ كم يَربَحُ في المالِ، ولا إنْ كان يَربَحُ أو لا، إلا أنَّ الشَّرعَ جَوَّزه لِلاضطِرارِ إليه، وحاجةِ الناسِ إلى التَّعاملِ عليه، فيَجِبُ ألَّا يَجوزَ منه إلا مِقدارُ ما جَوَّزه الشَّرعُ، وأنْ يَكونَ ما عَداه مَمنوعًا بالأصلِ.
وأيضًا فإنَّ القِراضَ بالعُروضِ لا يَخلو مِنْ أربَعةِ أوْجُهٍ:
إمَّا أنْ يَجعَلا رأسَ مالِ القِراضِ العَرضَ بعَينِه، أو ثَمنَه الذي يَبيعُه به، أو قيمَتَه يَومَ العَقدِ، أو قيمَتَه يَومَ التَّفاضُلِ؛ لأنَّ مَعرِفةَ رأسِ المالِ ومِقدارِه لا بُدَّ منها في القِراضِ؛ لِيَعرِفَ العامِلُ علامَ يَعمَلُ؛ فإنْ كان العَرضُ نَفْسُه هو رأسَ المالِ فذلك غَررٌ؛ لأنَّه قد يأخُذُ السِّلعةَ وقيمَتُها ألفُ دِينارٍ ويَردُّها وقيمَتُها مِئةُ دينارٍ، فيَذهَبُ العامِلُ ببَعضِ رأسِ المالِ، أو يأخُذُها وقيمَتُها مِئةُ دِينارٍ فيَرُدُّها وهي تُساوي ألفَ دِينارٍ فيَذهَبُ رَبُّ المالِ بأُجرةِ العامِلِ.
وإنْ كان الثَّمنُ الذي يَبيعُه به هو رأسَ المالِ فقد اشتَرطَ رَبُّ المالِ مَنفعةً لِنَفْسِه على العامِلِ فيما تَحمَّل عنه مِنْ مُؤنةِ بَيعِها وما يَكفيه مِنْ ذلك.
إنْ كانت قيمَتُها يَومَ يَدفَعُها إليه هي رأسَ المالِ كان رَبُّ المالِ قد باعَ منه العَرضَ بما قَوَّماه به على أنَّه إنْ باعَه بأقَلَّ مِنْ ذلك جبَره مِنْ رِبحِه، وإنْ كان باعَه بأكثَرَ مِنْ ذلك كان له نِصفُ الفَضلِ، فذلك مِنَ الغَررِ البَيِّنِ
[ ٨ / ٤٠٢ ]
والمُزابَنةِ، كمَن دفَع إلى رَجلٍ ثَوبًا لِيَبيعَه بعَشَرةِ دَنانيرَ على أنَّ عليه ما نقَص وله بعضَ ما زاد.
وإنْ كان رأسُ المالِ قيمتَها يَومَ التَّفاضُلِ فذلك أيضًا غَررٌ بَيِّنٌ؛ لأنَّ قيمَتَه يَومَ التَّفاضُلِ مَجهولةٌ، فيَكونُ العامِلُ يَعملُ على رأسِ مالٍ مَجهولٍ، قد يَكثُرُ فيَغترِقُ رِبحَه أو يَقلُّ فيَذهَبُ ببَعضِ رأسِ مالِ رَبِّ المالِ، فصارت جَميعُ وُجوهِ هذه المَسألةِ إلى غَررٍ وفَسادٍ (^١).
ولأنَّ مَوضوعَ القِراضِ أنْ يَنفرِدَ رَبُّ المالِ برأسِ مالِه، ويَكونَ حَقُّ العامِلِ في الرِّبحِ مُشترَكًا هو ورَبُّ المالِ فيه على شَرطِهما، وتَجويزُ القِراضِ بالعُروضِ يُؤدِّي إلى مُشاركةِ العامِلِ لِرَبِّ المالِ في رأسِ مالِه، وأنْ يَنفردَ المالِكُ بالرِّبحِ ويَذهبَ عَملُ العامِلِ باطِلًا؛ لأنَّ رأسَ المالِ إذا كان عَرضًا لَم يَخلُ أنْ يَكونَ مما له مِثلٌ، أو لا مِثلَ له؛ فإنْ كان مما له مِثلٌ، كالطَّعامِ وغَيرِه، فإنَّ العامِلَ يَحتاجُ عندَ المُفاضلةِ إلى رَدِّ مِثلِه، وقد يَعقِدانِ القِراضَ على كُرِّ حِنطةٍ يُساوي وَقتَ العَقدِ عَشرةَ دَنانيرَ، فيَعملُ العامِلُ ويَربحُ عَشَرةً أُخرى، فإذا أرادَ المُفاضَلةَ جازَ أنْ يَغلوَ ثَمنُه، فيُساويَ الآنَ عِشرينَ، فيَنفردَ رَبُّ المالِ برأسِ المالِ وبالرِّبحِ، وجازَ أنْ يَرخُصَ فيُساويَ خَمسةَ دَنانيرَ، فيُشاركَ العامِلُ رَبَّ المالِ في قَطعِه مِنْ رأسِ مالِه، وإنْ كان مما لا مِثلَ له فالاعتِبارُ بقيمَتِه، فلا يَخلو أنْ تَكونَ مُعتبرةً وَقتَ العَقدِ أو وَقتَ المُفاضَلةِ، ولا يَجوزُ اعتبارُها وَقتَ العَقدِ؛
_________________
(١) «المقدمات الممهدات» (٣/ ١٦، ١٧)، و«المعونة» (٢/ ١٢٣، ١٢٤).
[ ٨ / ٤٠٣ ]
لأنَّه يُؤدِّي إلى ما ذكَرناه، وكذلك اعتِبارُها وَقتَ المُفاضَلةِ، وإذا أدَّى إلى هذا وجَب مَنعُه (^١).