ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُضاربةَ تَنفسِخُ إذا عَزَل رَبُّ المالِ المُضارِبَ أو نَهاه عن التَّصرُّفِ؛ لأنَّ المُضاربةَ عندَهم عَقدٌ جائِزٌ، فيَجوزُ لكلٍّ منهما فَسخُها.
قال الحَنفيَّةُ: عَقدُ المُضاربةِ غَيرُ لَازمٍ، ولكلِّ واحِدٍ منهما -أعني رَبَّ المالِ والمُضارِبَ- الفَسخُ، لكنْ عندَ وُجودِ شَرطِه، وهو:
١ - عِلمُ صاحبِه بالعَزلِ؛ فإذا عزَل رَبُّ المالِ المُضارِبَ فلَم يَعلَمْ بعَزلِه حتى اشتَرى وباعَ فتَصرُّفه جائِزٌ؛ لأنَّه وَكيلٌ مِنْ جِهتِه، وعَزلُ الوَكيلِ قَصدًا يَتوقَّفُ على عِلمِه.
٢ - أنْ يَكونَ المالُ ناضًّا؛ فإنْ عَلِم المُضارِبُ بعَزلِه، والمالُ عُروضٌ فله أنْ يَبيعَها ولا يَمنَعَه العَزلُ عن ذلك؛ لأنَّ المُضاربةَ قد تَمَّت بالشِّراءِ وصَحَّت فلا يَجوزُ له العَزلُ بعدَ ذلك؛ لأنَّ حَقَّه قد ثبَت في الرِّبحِ،
[ ٨ / ٥٩٦ ]
وإنَّما يَظهَرُ بالقِسمةِ، وهي تُبتَنى على رأسِ المالِ، وإنَّما يَنِضُّ بالبَيعِ.
فإذا باعَ العُروضَ فلا يَجوزُ له أنْ يَشتريَ بثَمَنِها شَيئًا آخَرَ؛ لأنَّها قد صارتْ نَقدًا.
ويُشترطُ أيضًا أنْ يَكونَ رأسُ المالِ عَينًا وَقتَ الفَسخِ، دَراهمَ أو دَنانيرَ، حتى لو نَهى رَبُّ المالِ المُضاربَ عن التَّصرُّفِ، ورأسُ المالِ عُروضٌ وَقتَ النَّهيِ لَم يَصحَّ نَهيُه، وله أنْ يَبيعَها؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى بَيعِها بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ لِيَظهرَ الرِّبحُ، فكان النَّهيُ والفَسخُ إبطالًا لِحَقِّه في التَّصرُّفِ فلا يَملِكُ ذلك، وإنْ كان رأسُ المالِ دَراهمَ أو دَنانيرَ وَقتَ الفَسخِ والنَّهيِ صَحَّ الفَسخُ والنَّهيُ، لكنْ له أنْ يَصرِفَ الدَّراهمَ إلى الدَّنانيرِ، والدَّنانيرَ إلى الدَّراهمِ؛ لأنَّ ذلك لا يُعدُّ بَيعًا، لِاتِّحادِهما في الثَّمَنيَّةِ، فإذا كان رأسُ المالِ دَنانيرَ والذي نَضَّ (^١) له دَراهمَ، أو على العَكسِ فله أنْ يَبيعَها بجِنسِ رأسِ المالِ استِحسانًا؛ لأنَّ الرِّبحَ لا يَظهَرُ إلا به.
وإذا افتَرَق رَبُّ المالِ والمُضارِبُ، وفي المالِ دُيونٌ وقد رَبِح المُضارِبُ فيه أجبَرَه الحاكِمُ على اقتِضاءِ الدُّيونِ؛ لأنَّه بمَنزِلةِ الأجيرِ؛ لأنَّ الرِّبحَ له كالأُجرةِ، ولأنَّ عَمَله حصَل بعِوضٍ فيُجبَرُ على إتمامِه كالأجيرِ (^٢).
_________________
(١) قَوْلُهُمْ: «نَضَّ» أَيْ: صَارَ وَرِقًا وَعَيْنًا بَعْدَ مَا كَانَ مَتَاعًا، وَالنَّاضُّ عِنْدَ أَهْلِ الحِجَازِ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ.
(٢) «بدائع الصانع» (٦/ ١٠٩)، و«الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٦٠، ٤٦١)، و«الهداية» (٣/ ٢٠٩)، و«تبيين الحقائق» (٥/ ٢٠٧)، و«مجمع الضمانات» (٢/ ٦٦٤)، و«الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٣٩)، و«درر الحكام» (٣/ ٤٨١).
[ ٨ / ٥٩٧ ]
وقال الشافِعيَّةُ: القِراضُ مِنَ العُقودِ الجائِزةِ لكلِّ واحِدٍ منهما أنْ يَفسَخَه متى شاءَ مِنْ غَيرِ حُضورِ الآخَرِ ورِضاه، كما تَقدَّم.
ويَحصُلُ الفَسخُ بقَولِه: «فَسَختُ عَقدَ القِرانِ، أو رَفَعتُه، أو أبطَلتُه، أو لا تَتصرَّفْ بعدَ هذا»، أو نَحوَ ذلك، وباستِرجاعِ المالِ، فإنِ استَرجعَ بَعضَه انفسَخ فيه وبَقيَ في البَقيَّةِ، وبإعتاقِه واستِيلادِه له كالوَكالةِ.
ولو حبَس العامِلَ ومَنَعه التَّصرُّفَ، أو قال: لا قِراضَ بَينَنا، أو باعَ ما اشتَراه العامِلُ لِلقِراضِ عُزِل في أصَحِّ الوَجهَيْن، وفي الوَجهِ الآخَرِ: لَم يَنعَزِلْ.
وقيلَ بالفَرقِ بينَ أنْ يَكونَ له غَرَضٌ أو لا.
ولِلعامِلِ بعدَ الفَسخِ بَيعُ مالِ القِراضِ إذا تَوقَّع فيه رِبحًا، كأنْ ظَفِر بسُوقٍ أو براغِبٍ فلا يَشتَري لارتِفاعِ العَقدِ مع كَونِه لا حَظَّ له فيه.
ويَلزَمُ العامِلَ الاستيفاءُ لِدَينِ مالِ القِراضِ والرِّبحِ معًا على الصَّحيحِ إذا انفسَخ القِراضُ مِنْ أحَدِهما أو هُما فيَلزَمُه تَنضيضُ جَميعِ الدَّينِ لِيَرُدَّ كما أخَذَ.
وصُورةُ المَسألةِ: أنْ يَكونَ المالِكُ قد أذِن له في المُعاملةِ بالدَّينِ؛ فإذا انفسَخ القِراضُ وهناك دَينٌ لَزِم العامِلَ أنْ يَتقاضاه لِيَنِضَّ سَواءٌ كان هناك رِبحٌ أو لا.
ويَلزَمُ العاملَ أيضًا تَنضيضُ رأسِ المالِ إنْ كان ما بيَدِه عندَ الفَسخِ عَرضًا وطَلَب المالِكُ تَنضيضَه، سَواءٌ أكان في المالِ رِبحٌ أو لا على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ، فيُصيِّرُه نَقدًا لِيَرُدَّه كما أخَذه.
[ ٨ / ٥٩٨ ]
وكذلك الحُكمُ لو كان ما بيَدِه نَقدًا مِنْ غَيرِ جِنسِ رأسِ المالِ أو مِنْ جِنسِه، ولكنْ مِنْ غَيرِ صِفتِه، كالصِّحاحِ والمُكسَّرةِ فكالعُروضِ.
ولو أبطَل السُّلطانُ النَّقدَ الذي جَرى عليه القِراضُ والمالُ عَرضٌ رُدَّ مِنَ الأولِ.
وقيلَ: مِنَ الحادِثِ.
فإنْ لَم يَطلُبِ المالِكُ التَّنضيضَ لَم يَجِبْ إلا أنْ يَكونَ هو المالَ المَحجورَ عليه وحَظَّه في التَّنضيضِ فيَجِبُ.
ولو قال المالِكُ: «لا تَبِعْ ونُقسِّمُ العُروضَ بتَقويمِ عَدلَيْن»، أو قال: «أُعطيكَ نَصيبَكَ مِنَ الرِّبحِ ناضًّا»، أُجيبَ وكذا لو رَضيَ بأخذِ العُروضِ مِنَ العامِلِ بالقيمةِ، ولَم يَزِدْ راغِبٌ، فلو حدَث بعدَ ذلك غَلاءٌ لَم يُؤثِّرْ.
وخرَج بقَدْرِ رأسِ المالِ الزائدِ عليه فلا يَلزمُه تَنضيضُه، بل هو عَرضٌ اشتَرَك فيه اثنانِ لا يُكلَّفُ أحَدُهما بَيعَه، نَعَمْ لو كان بَيعُ بَعضِه يُنقِصُ قيمَتَه كالعَبدِ لَزمَه تَنضيضُ الكلِّ.
وليس لِلعامِلِ تَأخيرُ البَيعِ إلى مَوسمِ رَواجِ المَتاعِ؛ لأنَّ حَقَّ المالِكِ مُعجَّلٌ.
وقيل: لا يَلزَمُ العامِلَ التَّنضيضُ إذا لَم يَكُنْ رَبِح إذ لا فائِدةَ له فيه؛ لأنَّ الغَرَض مِنَ البَيعِ أنْ يَظهرَ الرِّبحُ فيَصِلَ العامِلُ إلى حَقِّه منه، وقد زال هذا المَعنى.
ولو استَردَّ المالِكُ بَعضَ مالِ القِراضِ قبلَ ظُهورِ رِبحٍ وخُسرانٍ فيه
[ ٨ / ٥٩٩ ]
رجَع رأسُ المالِ إلى ذلك المُتبَقِّي بعدَ المُسترَدِّ؛ لأنَّه لَم يَترُكْ في يَدِه غَيرَه فصارَ كما لو اقتَصَر في الابتِداءِ على إعطائِه له، فلو كان مِئةً فاستَردَّ عَشَرةً، صارَ رأسُ المالِ تِسعينَ؛ لأنَّه لَم يَبْقَ في يَدِه غَيرُه.
وإنِ استَردَّ المالِكُ بغَيرِ رِضا العامِلِ بعدَ ظُهورِ الرِّبحِ فالمُسترَدُّ منه شائِعٌ رِبحًا ورأسَ مالٍ؛ لِعَدمِ التَّمييزِ، وذلك على النِّسبةِ الحاصِلةِ مِنْ جُملةِ الرِّبحِ، ورأسُ المالِ لا يَلحَقُه حُكمُ المُتبَقِّي لاستِقرارِ مِلكِ العامِلِ على ما يَخُصُّه مِنَ الرِّبحِ بحَسَبِ الشَّرطِ فلا يَسقُطُ بما يَحصُلُ مِنَ الخُسرانِ بعدَه.
أمَّا إذا كان الاستِردادُ برِضا العامِلِ؛ فإنْ قصَد هو والمالِكُ الأخذَ مِنَ الأصلِ اختَصَّ به، أو مِنَ الرِّبحِ فكذلك، لكنْ يَملِكُ العامِلُ مما بيَدِه مِقدارَ ذلك على الإشاعةِ، وإنْ أطلَقا حُمِل على الإشاعةِ، وحينَئذٍ الأشبَهُ -كما قال ابنُ الرِّفعةِ- أنْ تَكونَ حِصَّةُ العامِلِ قَرضًا، نقَلَه عنه الإسنَويُّ وأقَرَّه، ثم قال: وإذا كان الاستِردادُ بغَيرِ رِضاه، لا يَنفُذُ تَصرُّفُه في نَصيبِه، وإنْ لَم يَملِكْه بالظُّهورِ.
مِثالُه: رأسُ المالِ مِئةٌ مِنَ الدَّراهِمِ والرِّبحُ عِشرونَ منها، واستَرَدَّ المالِكُ مِنْ ذلك عِشرينَ فالرِّبحُ في هذا المِثالِ سُدسُ جَميعِ المالِ، وحينَئِذٍ يَكونُ المُسترَدُّ -وهو العِشرونَ- سُدسَه، وهو ثَلاثةُ دَراهِمَ وثُلثٌ، يُحسَبُ مِنَ الرِّبحِ فيَستقِرُّ لِلعامِلِ المَشروطُ منه، وهو دِرهمٌ وثُلثانِ، إنْ شُرِط له نِصفُ الرِّبحِ.
وبَقيَّتُه -أي: المُسترَدِّ- هو سِتَّةَ عَشَرَ وثُلثانِ مِنْ رأسِ المالِ، فيَعودُ رأسُ المالِ إلى ثلاثةٍ وثَمانينَ وثُلثٍ، فلو عادَ ما في يَدِه إلى ثَمانينَ لَم يَسقُطْ
[ ٨ / ٦٠٠ ]
ما استَقرَّ له، بل يأخُذُ منها دِرهمًا وثُلثَيْ دِرهَمٍ، ويُرَدُّ البَقيَّةُ، وهي ثَمانيةٌ وسَبعونَ دِرهمًا وثُلثُ دِرهَمٍ.
وإنِ استَردَّ المالِكُ بَعضَه بعدَ ظُهورِ الخُسرانِ فالخُسرانُ مُوزَّعٌ على المُسترَدِّ، والبَقيَّةُ بعدَه، وحينَئذٍ لا يَلزَمُ جَبرُ حِصَّةِ المُسترَدِّ -وهو عِشرونَ- لو رَبِح المالُ بعدَ ذلك؛ لأنَّه لو رَدَّ الجَميعَ بعدَ الخُسرانِ لَم يَلزمْه شَيءٌ، ويَصيرُ رأسُ المالِ المُتبَقِّي بعدَ المُسترَدِّ وحِصَّتُه مِنَ الخُسرانِ.
مِثالُه: المالُ -أي: رأسُ المالِ- مِئةٌ، والخُسرانُ الحاصِلُ فيه عِشرونَ ثم استَردَّ المالِكُ عِشرينَ فرُبعُ العِشرينَ التي هي جَميعُ الخُسرانِ، وحِصَّةُ المُسترَدِّ منها خَمسةٌ، فكأنَّه استرَدَّ خَمسةً وعِشرينَ، ويَعودُ بعدَ ذلك رأسُ المالِ المُتبَقِّي بعدَ المُسترَدِّ، وبعدَ حِصَّتِه مِنَ الخُسرانِ إلى خَمسةٍ وسَبعينَ؛ لأنَّ الخُسرانَ إذا وَزَّعناه على الثَّمانينَ خَصَّ كلَّ عِشرينَ خَمسةٌ، والعِشرونَ المُسترَدَّةُ حِصَّتُها خَمسةٌ، فيَبقى ما ذكَره، فلو رَبِح بعدَ ذلك شَيئًا قُسِّم بينَهما رِبحًا على حَسَبِ ما شَرَطاه (^١).
وقال الحَنابِلةُ: المُضاربةُ مِنَ العُقودِ الجائِزةِ تَنفسِخُ بفَسخِ أحَدِهما أيَّهما كان، وبمَوتِه وجُنونِه، والحَجرِ عليه لِسَفَهٍ؛ لأنَّه مُتصرِّفٌ في مالِ غَيرِه فهو كالوَكيلِ، ولا فَرقَ بينَ ما قبلَ التَّصرُّفِ وبعدَه.
_________________
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٦١، ٧٦٢)، و«البيان» (٧/ ١٩٧)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٥٧، ٣٦٠)، و«نهاية المحتاج» (٥/ ٢٧٢، ٢٧٦)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٨٠، ٢٨٣)، و«الديباج» (٢/ ٤٣٩، ٤٤١).
[ ٨ / ٦٠١ ]
فإذا انفَسَخت والمالُ ناضٌّ لا رِبحَ فيه أخَذه رَبُّه، وإنْ كان فيه رِبحٌ قَسَّما الرِّبحَ على ما شرَطاه.
وإنِ انفَسَخت المُضاربةُ والمالُ عَرضٌ فاتَّفَقا على بَيعِه أو قَسْمِه أو أخذِه جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما لا يَعدوهما، فيُقوَّمُ العَرضُ عليه وتُدفَعُ حِصَّةُ العامِلِ؛ لأنَّه أسقَطَ مِنَ العامِلِ البَيعَ.
وإنْ قصَد رَبُّ المالِ الحِيلةَ لِيَختَصَّ بالرِّبحِ بأنْ كان العامِلُ اشتَرى خَزًّا في الصَّيفِ لِيَربحَ في الشِّتاءِ أو يَرجُوَ دُخولَ مَوسِمٍ أو قَفلٍ؛ فإنَّ حَقَّه يَبقى مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّ أصلَ المَذهَبِ أنَّ الحِيلَ لا أثَرَ لها.
وإذا ارتفَع السِّعرُ بعدَ ذلك -أي: بعدَ التَّقويمِ على المالِكِ ودَفعِه حِصَّةَ العامِلِ- لَم يَكُنْ لِلمُضارِبِ أنْ يُطالِبَ بقِسطِه على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ، كما لو ارتفَع بعدَ بَيعِه لِأجنَبيٍّ.
وإذا لَم يَرضَ رَبُّ المالِ أنْ يأخُذَ عَرضًا وطلَب البَيعَ أو طلَبه ابتِداءً مِنْ غَيرِ فَسخِ المُضاربةِ فله ذلك، ويَلزَمُ المُضارِبَ بَيعُه مُطلَقًا على الصَّحيحِ مِنَ المَذهَبِ، وإنْ لَم يَكُنْ فيه رِبحٌ، وقبَضَ ثَمنَه؛ لأنَّ عليه رَدَّ المالِ نَضًّا كما أخَذَه.
وقيلَ: لا يُجبَرُ إذا لَم يَكُنْ في المالِ رِبحٌ أو كان فيه رِبحٌ وأسقَطَ العامِلُ حَقَّه منه.
وإنْ طلَب العامِلُ البَيعَ وأبى رَبُّ المالِ وقد ظهَر في المالِ رِبحٌ أُجبِرَ رَبُّ المالِ على البَيعِ؛ لأنَّ حَقَّ العامِلِ في الرِّبحِ، ولا يَظهرُ إلا بالبَيعِ، وإنْ
[ ٨ / ٦٠٢ ]
لَم يَظهَرْ رِبحٌ لَم يُجبَرْ؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه، وقد رَضيَه مالِكُه كذلك فلَم يُجبَرْ على بَيعِه.
وإنْ طلَب رَبُّ المالِ البَيعَ وأبى العامِلُ ففيه وَجهانِ:
أحَدُهما: يُجبَرُ العامِلُ على البَيعِ؛ لأنَّ عليه رَدَّ المالِ ناضًّا كما أخَذَه.
والآخَرُ: لا يُجبَرُ إذا لَم يَكُنْ في المالِ رِبحٌ، أو أُسقِطَ حَقُّه مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّه بالفَسخِ زالَ تَصرُّفُه وصارَ أجنَبيًّا مِنَ المالِ، فأشبَهَ الوَكيلَ إذا اشتَرى ما يَستحِقُّ رَدَّه، فزالَتْ وَكالتُه قبلَ رَدِّه.
ولو كان رأسُ المالِ دَنانيرَ فصارَ دَراهمَ أو دَراهمَ فصارَ دَنانيرَ فهو كَما لو كان عَرضًا على ما شُرِح، إنْ رَضيَه رَبُّ المالِ وإلا لَزِمَ العامِلَ إعادَتُه كما كان.
وإذا نَضَّ رأسُ المالِ جَميعُه لَم يَلزَمِ العامِلَ أنْ يَنِضَّ له البَقيَّةَ؛ لأنَّه شَرِكةٌ بينَهما، ولا يَلزَمُ الشَّريكَ أنْ يَنِضَّ مالَ شَريكِه، ولأنَّه إنَّما لَزمَه أنْ يَنِضَّ رأسَ المالِ لِيَرُدَّ رأسَ مالِه على صِفتِه، ولا يُوجدُ هذا المَعنى في الرِّبحِ، وهذا على المَذهبِ إنَّما يَلزَمُه البَيعُ في مِقدارِ رأسِ المالِ، والصَّحيحُ مِنَ المَذهَبِ يَلزَمُه في الجَميعِ.
وإنِ انفَسَخ القِراضُ والمالُ دَينٌ لَزِم العامِلَ تَقاضيه سَواءٌ ظهَر في المالِ رِبحٌ أو لَم يَظهَرْ؛ لأنَّ المُضاربةَ تَقتَضي رَدَّ رأسِ المالِ على صِفتِه، والدُّيونُ لا تَجري مَجرى الناضِّ، فلَزِمه أنْ يَنِضَّه كما لو ظهَر في المالِ رِبحٌ، وكما لو كان رأسُ المالِ عَرضًا، ويُفارِقُ الوَكيلَ؛ فإنَّه لا يَلزَمُه رَدُّ المالِ كما
[ ٨ / ٦٠٣ ]
قبَضه، ولِهذا لا يَلزَمُه بَيعُ العُروضِ، ولا فَرقَ بينَ كَونِ الفَسخِ مِنَ العامِلِ أو مِنْ رَبِّ المالِ.
فإنِ اقتَضى منه قَدْرَ رأسِ المالِ أو كان الدَّينُ قَدْرَ الرِّبحِ أو دونَه لَزِم العامِلَ تَقاضيه أيضًا؛ لأنَّه إنَّما يَستحِقُّ نَصيبَه مِنَ الرِّبحِ عندَ وُصولِه إليهما على وَجهٍ يُمكِنُ قِسمَتُه، ووُصولُ كلِّ واحِدٍ منهما إلى حَقِّه منه، ولا يَحصُلُ ذلك إلا بعدَ تَقاضيه (^١).
وذهَب المالِكيَّةُ إلى أنَّ لكلٍّ مِنْ رَبِّ المالِ والعامِلِ فَسخَ القِراضِ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ، أي: شِراءِ السِّلعِ بالمالِ؛ لأنَّ عَقدَه غَيرُ لَازمٍ بإجماعٍ.
ولِرَبِّ القِراضِ فَقط الفَسخُ إنْ تَزوَّد العامِلُ مِنْ مالِ القِراضِ ولَم يَظعَنْ مِنْ بَلَدِه -أي: يَشرَعْ في السَّفرِ- إذ لا ضَرَرَ عليه في ذلك، وإنَّما الضَّررُ على رَبِّ المالِ فيما صرَف مِنْ مالِه.
وليس لِلعامِلِ حينَئذٍ فَسخٌ، بل الكَلامُ لِرَبِّ المالِ دونَ العامِلِ؛ لأنَّ التَّزوُّدَ مِنْ مالِ القِراضِ بالنِّسبةِ لِلعامِلِ عَملٌ، فيَلزَمُه تَمامُه، إلا أنْ يَلتزِمَ له العامِلُ غُرمَ ما اشتَرى به الزادَ لِرَبِّ المالِ؛ فإنْ تَزوَّد العامِلُ مِنْ مالِه فلَه الفَسخُ، لا لِرَبِّ المالِ، إلا أنْ يَدفعَ له رَبُّ المالِ ما غَرِمه في الزادِ.
وإلا بأنْ عَمِل فيه في الحَضرِ أو ظعَن في السَّفرِ فلِنُضوضِ المالِ ببَيعِ
_________________
(١) «المغني» (٥/ ٣٨)، و«الشرح الكبير» (٥/ ١٧١)، و«المبدع» (٥/ ٣٢)، و«الإنصاف» (٤/ ٤٤٦، ٤٨٨)، و«كشاف القناع» (٣/ ٦١٠)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٨٢، ٥٨٣).
[ ٨ / ٦٠٤ ]
السِّلعِ، ولا كَلامَ لِواحِدٍ منهما في فَسخِه، فيَبقى المالُ تحتَ يَدِ العامِلِ لِنُضوضِه، والنُّضوضُ خُلوصُ المالِ ورُجوعُه عَينًا كما كان، وبه تَمَّ العَملُ، فليس لِلعامِلِ تَحريكُ المالِ بَعدَه في الحَضرِ إلا بإذنٍ، وجازَ في السَّفرِ إلى أنْ يَصِلَ لِبَلدِ القِراضِ إلا لِمَنعٍ مِنْ رَبِّ المالِ لِلعامِلِ عن التَّحريكِ في السَّفرِ بعدَ النُّضوضِ فليس له التَّحريكُ حينَئذٍ.
وإنْ طلَب أحَدُهما نُضوضَه ببَيعِ سِلعةٍ لِيَظهرَ المالُ، وطَلَبَ الآخَرُ الصَّبرَ لِغَرضٍ كزِيادةِ رِبحٍ؛ نَظرَ الحاكِمُ فيما هو الأصلَحُ مِنْ تَعجيلٍ أو تأخيرٍ لِسُوقٍ يَرجوه ونَحوِه، أخَّره فيَحكُمُ به وإلا أمَرَ ببَيعِه.
فإنِ اتَّفقا على نُضوضِه جازَ، كما لو اتَّفَقا على قِسمةِ العُروضِ بالقيمةِ؛ فإذا لَم يَكُنْ حاكِمٌ شَرعيٌّ فجَماعةُ المُسلِمينَ ويَكفي منهم اثنان أو واحِدٌ عارِفٌ يَرضَيانِه (^١).
وقد تَقدَّم هذا التَّفصيلُ في حُكمِ القِراضِ هل هو عَقدٌ لَازِمٌ أو جائِزٌ؟ لكنْ أُعيده هنا لِأهمِّيَّتِه.