اختلَف الفُقهاءُ فيما إذا اختلَف رَبُّ المالِ والعامِلُ في قَدرِ الجُزءِ المَشروطِ مِنَ الرِّبحِ فادَّعى العامِلُ النِّصفَ مَثلًا وقال رَبُّ المالِ: «الثُّلثُ»، هل يَكونُ القَولُ قَولَ رَبِّ المالِ أو قَولَ العامِلِ، أو يَتحالَفان؟ على أقوالٍ:
قال الحَنفيَّةُ -خِلافًا لِزُفَرَ والحَنابِلةِ في المَذهبِ-: القَولُ قَولُ رَبِّ المالِ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ يُنْكِرُ السُّدسَ الزائِدَ واشتِراطُه له والقَولُ قَولُ المُنكِرِ، ولأنَّه لو أنكَر الرِّبحَ رأسًا كان القَولُ قَولَه، فكذلك قَدرُه، ولأنَّ شَرطَ الرِّبحِ يُستفادُ مِنْ قِبَلِه، فكان القَولُ في مِقدارِ المَشروطِ قَولَه، ألَا تَرى أنَّه لو أنكَرَ الشَّرطَ رأسًا فقال: لَم أشرُطْ لكَ رِبحًا؛ وإنَّما دَفعتُ إليكَ بِضاعةً، كان القَولُ قَولَه، فكذا إذا أقَرَّ ببَعضٍ دونَ بَعضٍ.
فإنْ أقاما جَميعًا البَيِّنةَ فالبَيِّنةُ بَيِّنةُ العامِلِ.
وقال زُفَرُ وأبو حَنيفةَ في قَولِه الأولِ: القَولُ قَولُ العامِلِ؛ لِأنَّهما اتَّفقا
[ ٨ / ٥٦٩ ]
على أنَّه يَستحِقُّ المُضارَبةَ، وظاهِرُ الحالِ التَّساوي فكان القَولُ قَولَه.
وقال الكاسانيُّ ﵀: ولو اختلَفا في الرِّبحِ فقال رَبُّ المالِ: «شَرطتُ لكَ الثُّلثَ»، وقال المُضارِبُ: «شَرطتَ لي النِّصفَ»، ثم هلَك المالُ في يَدِ المُضارِبِ قال مُحمدٌ: يَضمَنُ المُضارِبُ السُّدسَ مِنَ الرِّبحِ يُؤدِّيه إلى رَبِّ المالِ مِنْ مالِه خاصَّةً ولا ضَمانَ عليه فيما سِوى ذلك؛ لأنَّا قد بَيَّنَّا أنَّ القَولَ في شَرطِ الرِّبحِ قَولُ رَبِّ المالِ، وإذا كان كذلك فنَصيبُ المُضارِبِ الثُّلثُ، وقد ادَّعى النِّصفَ، ومَنِ ادَّعى أمانةً في يَدِه ضَمِنها لذلك يَضمَنُ سُدسَ الرِّبحِ (^١).
وقال المالِكيَّةُ: إذا اختلَف رَبُّ المالِ والعامِلُ في قَدْرِ الجُزءِ المَشروطِ مِنَ الرِّبحِ فقال العامِلُ: أخَذتُه على النِّصفِ، وقال رَبُّ المالِ على الثُّلثِ؛ فإنْ كان لَم يَعملْ فالقَولُ قَولُ رَبِّ المالِ، أشبَهَ أو لَم يُشبِهْ؛ لأنَّ له أنْ يَنتزِعَه منه، وإنْ أحَبَّ الآخَرُ أنْ يَعملَه على الثُّلثِ عَمِل أو رَدَّه.
فإنِ اختَلَفا بعدَ العَملِ وفي المالِ رِبحٌ كان القَولُ قَولَ العامِلِ بشَرطَيْن:
الأولُ: أنْ يَدَّعيَ مُشبِهًا ويَحلِفَ سَواءٌ أشبَهَ رَبُّ المالِ أو لا، فإنْ نكَل صُدِّق رَبُّ المالِ ويَحلِفُ؛ فإنْ نَكَل صُدِّق مُدَّعي الأشبَهِ؛ فإنِ ادَّعيا ما لا يُشبِهُ كأنْ يَقولَ العامِلُ: «الثُّلثان»، ويَقولَ رَبُّ المالِ: «بل الثُّمنُ»، حلَفا ورجَعا لِقِراضِ المِثلِ وكذا لو نَكَلا.
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ١٠٩، ١١٢)، و«المبسوط» (٢٢/ ٨٩)، و«مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ٦٤)، و«تبيين الحقائق» (٤/ ١٢٣)، و«الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٢٤)، و«المغني» (٥/ ٤٥)، و«كشاف القناع» (٣/ ٦١٣)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٨٨).
[ ٨ / ٥٧٠ ]
والآخَرُ: أنْ يَكونَ المالُ بيَدِه أو وَديعةً عندَ أجنَبيٍّ أو عندَ رَبِّ المالِ، ومِثلَ كَونِ المالِ بيَدِه كَونُ الرِّبحِ أو الحِصَّةِ التي يَدَّعيها بيَدِه ومَفهومُه أنَّه لو سَلَّمه لِرَبِّه على وَجهِ المُفاصَلةِ لا يَكونُ القَولُ قَولَ العامِلِ، بل القَولُ لِرَبِّه ولو مع وُجودِ شَبَهِ العامِلِ، وهو كذلك إنْ بَعُدَ قيامُه، وأمَّا إنْ قَرُبَ فالقَولُ قَولُه.
والقَولُ قَولُ رَبِّ المالِ إنِ ادَّعى في قَدْرِ الجُزءِ المَشروطِ الشَّبَهَ فَقط، ولَم يُشبِّهِ العامِلُ؛ فإنْ لَم يُشبِّهْ رَبُّه أيضًا فقِراضُ المِثلِ (^١).
وقال الشافِعيَّةُ: إذا اختلَف العامِلُ ورَبُّ المالِ في القَدْرِ المَشروطِ لِلعامِلِ، كأنْ قال: «شَرطتَ النِّصفَ»، فقال المالِكُ: «بل الثُّلثَ»؛ فإنَّهما يَتحالَفان؛ لأنَّهما اختلَفا في عِوَضِ عَقدٍ مع اتِّفاقِهما على صِحَّتِه فيَتحالَفان كالمُتبايِعَيْن إذا اختلَفا في قَدْرِ الثَّمنِ، وهل يَنفسِخُ بمُجرَّدِ الحَلِف؟ فيه قَولانِ: قيلَ: فإذا حلَفا، فُسِخ العَقدُ، والصَّحيحُ: أنَّه لا يَنفسِخُ بمُجرَّدِ التَّحالُفِ بل يَفسخانِه أو أحَدُهما أو الحاكِمُ.
واختَصَّ الرِّبحُ والخُسرانُ بالمالِكِ ولِلعامِلِ أُجرةُ مِثلِ عَملِه، وإنْ زادَت على ما ادَّعاه؛ لأنَّ مُقتَضى التَّحالُفِ والفَسخِ رُجوعُ كلٍّ مِنَ العِوَضَيْن لِصاحِبِه؛ فإنْ تَعذَّرَ تُرجَعُ قيمَتُه، وقد رجَع المالُ ورِبحُه لِلمالِكِ، وقياسُه رُجوعُ العَملِ لِلعامِلِ، لكنَّه تَعذَّر، فأوجَبْنا قيمَتَه، وهي الأُجرةُ.
_________________
(١) «المدونة» «الكبرى» (١٢/ ٩٠)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣١١، ٣١٢)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥٣٣)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٢٥)، و«التاج والإكليل» (٤/ ٤٣٦)، و«منح الجليل» (٧/ ٣٧٩)، و«حاشية الصاوي» (٨/ ٤٢٨).
[ ٨ / ٥٧١ ]
وفي وَجهٍ: أنَّ الأُجرةَ إنْ كانت أكثَرَ مما ادَّعاه العامِلُ فليس له إلا ما ادَّعاه (^١).
وقال الإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الأُخرى: إنَّ العامِلَ إذا ادَّعى أُجرةَ المِثلِ وزيادةً يَتغابَنُ الناسُ بمِثلِها فالقَولُ قَولُه، وإنِ ادَّعى أكثَرَ فالقَولُ قَولُه فيما وافَقَ أُجرةَ المِثلِ (^٢).