اختلَف الفُقهاءُ في رَبِّ المالِ هل يَجوزُ له أنْ يَشتريَ مِنْ مالِ المُضارَبةِ أو لا يَجوزُ؟
فذهَب الحَنفيَّةُ خِلافًا لِزُفَرَ، وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجوزُ شِراءُ رَبِّ المالِ مِنَ المُضارِبِ وشِراءُ المُضارِبِ مِنْ رَبِّ المالِ، وإنْ لَم يَكُنْ في المُضاربةِ رِبحٌ؛ لأنَّ لِرَبِّ المالِ في مالِ المُضارَبةِ مِلكُ رَقبةٍ، لا مِلكُ تَصرُّفٍ، ومِلكُه في حَقِّ التَّصرُّفِ كمِلكِ الأجنَبيِّ، ولِلمُضارِبِ فيه مِلكُ التَّصرُّفِ لا الرَّقبةِ، فكان في حَقِّ مِلكِ الرَّقبةِ كمِلكِ الأجنَبيِّ حتى لا يَملِكَ رَبُّ المالِ مَنعَه عن التَّصرُّفِ فكان مالُ المُضاربةِ في حَقِّ كلِّ واحِدٍ منهما كمالِ الأجنَبيِّ، لذلك جازَ الشِّراءُ بينَهما (^١).
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ١٠١).
[ ٨ / ٥٢٣ ]
وذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وزُفَرُ مِنَ الحَنفيَّةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِرَبِّ المالِ أنْ يَشتريَ مِنَ المالِ الذي في يَدِ العامِلِ لِلقِراضِ لِنَفْسِه؛ لأنَّ المالَ له، فلا يَجوزُ أنْ يَشتريَ منه؛ لأنَّه بَيعُ مالِه بمالِه وشِراءُ مالِه بمالِه، إذِ المالانِ جَميعًا لِرَبِّ المالِ، وهذا لا يَجوزُ، كما لا يَجوزُ أنْ يَشتريَ الوَكيلُ مِنْ وِكيلِه.
وإنِ اشتَرى منه مِنْ غَيرِ مالِ المُضاربةِ جازَ.
وقال الحَنابِلةُ: وليس لِلمُضاربِ أنْ يَشتريَ مِنْ مالِ المُضاربةِ لِنَفْسِه مِنَ المُضاربةِ إذا ظهَر رِبحٌ؛ لأنَّه يَصيرُ شَريكًا فيه؛ فإنْ لَم يَظهَرْ رِبحٌ فالصَّحيحُ عندَ الحَنابِلةِ أنَّه يَصحُّ شِراؤُه مِنْ رَبِّ المالِ أو بإذنِه، كالوَكيلِ.
وعندَ زُفَرَ: لا يَجوزُ بَيعُ رَبِّ المالِ مِنَ المُضارِبِ، ولا بَيعُ المُضارِبِ منه؛ لِانعِدامِ الرِّبحِ؛ لأنَّ الرِّبحَ يَحصُلُ إذا بِيعَ مِنَ الأجنَبيِّ؛ إذِ البَيعُ تَمليكُ مالٍ بمالٍ غَيرِه، وهو يَشتَري مالَه بمالِه ويُرابِحُ مَنْ يُريدُ المُرابَحةَ بلا بَيانٍ، أي: مِنْ غَيرِ بَيانِ أنَّه اشتَراه سَليمًا بكذا مِنَ الثَّمنِ فتَعَيَّب عندَه، أمَّا بَيانُ العَيبِ القائِمِ نَفْسِه به فلا بُدَّ منه لِئلَّا يَكونَ غاشًّا له؛ لِلحَديثِ الصَّحيحِ: «مَنْ غَشَّ فليس مِنَّا» (^١).
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ١٠١)، و«الجامع الصغير وشرحه النافع الكبير» (١/ ٣٤٧)، و«مجمع الأنهر» (٣/ ١١١)، و«روضة الطالبين» (٣/ ٧٥٠)، و«البيان» (٧/ ٢٠٧)، و«التهذيب في فقه الإمام الشافِعي» للبغوي (٤/ ٣٩٢)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٥٢)، و«نهاية المحتاج» (٥/ ٢٦٦)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٧٥)، و«الديباج» (٢/ ٤٣٥)، و«المبدع» (٥/ ٢٦، ٢٧)، و«الإنصاف» (٥/ ٤٣٨، ٤٣٩) و«كشاف القناع» (٣/ ٦٠٤)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٧٤).
[ ٨ / ٥٢٤ ]
وقال المالِكيَّةُ: يَجوزُ لِرَبِّ المالِ أنْ يَشتريَ مِنَ العامِلِ سِلعةً مِنْ مالِ القِراضِ إذا كان صَحيحًا مِنْ غَيرِ شَرطِ ذلك عندَ العَقدِ، وسَواءُ اشتَراه بنَقدٍ أو بأجَلٍ ما لَم يَتوصَّلْ بذلك إلى أخْذِ شَيءٍ مِنَ الرِّبحِ قَبلَ المُفاصَلةِ بأنْ يَشتريَ منه كما يَشتَري مِنَ الناسِ بغَيرِ مُحاباةٍ.
ولا يَجوزُ لِعامِلِ القِراضِ أنْ يَشتريَ مِنْ رَبِّ المالِ سِلَعًا لِلتِّجارةِ سَواءٌ كان ذلك قبلَ العَملِ أو بعدَه، كان ما يَشتَريه قَليلًا أو كَثيرًا، وعَلَّلوا المَنعَ بأنَّه يُؤدِّي إلى قِراضٍ بعُروضٍ؛ لأنَّ رأسَ المالِ رجَع إلى رَبِّه، وكأنَّه دفَع المالَ عُروضًا.
والمَشهورُ في هذا الكَراهةُ لِئلَّا يَتحيَّلَ على القِراضِ بعَرضٍ لِرُجوعِ رأسِ المالِ لِرَبِّه.
وأمَّا شِراءُ العامِلِ سِلعةً لِنَفْسِه لا لِتِجارةِ المُضاربةِ؛ فإنَّه جائِزٌ (^١).