إذا اختلَف رَبُّ المالِ والمُضارِبُ في رَدِّ رأسِ مالِ المُضاربةِ فادَّعى المُضارِبُ أنَّه رَدَّه على المالِكِ وأنكَره المالِكُ، اختلَف الفُقهاءُ هل يُقبَلُ قَولُ المُضاربِ أو قَولُ المالِكِ رَبِّ المالِ.
فذهَب الحَنفيَّةُ (^٣) والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ القَولَ
_________________
(١) «المدونة الكبرى» (١٢/ ١٢٦، ١٢٧)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣١٢)، و«التاج والإكليل» (٤/ ٤٣٧)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٢٥)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥٣٤).
(٢) «مجمع الضمانات» (٢/ ٦٦٢).
(٣) قال الكاسانيُّ في «بدائع الصانع» (٦/ ١٠٨): لو اقتَسما الرِّبحَ ثم اختَلفَا فقال المُضاربُ: «قد كنتُ دفَعتُ إليكَ رأسَ المالِ قبلَ القِسمةِ»، وقال ربُّ المالِ: «لَم أَقبضْ رأسَ المالِ قبلَ ذلك» فالقَولُ قولُ ربِّ المالِ، ويردُّ المُضارِبُ ما قبَضه لنفسِه تمامَ رأسِ المالِ يحتَسبُ على رأسِ ربِّ المالِ بما قبَض من رأسِ مالِه ويتمُّ له رأسُ المالِ بما يردُّه المُضارِبُ، فإن بقِي شيءٌ بعدَ ذلك ممَّا قبَضه المُضارِبُ كان بينَهما نِصفَينِ، وإنَّما كان كذلك لأنَّ المُضارِبَ يدَّعي أنَّها رأسَ المالِ، وربُّ المالِ ينكِرُ ذلك، والمُضارِبُ -وإن كان أَمينًا- فالقَولُ قَولُ الأمينِ في إسقاطِ الضَّمانِ عن نَفسِه لا في التَّسليمِ إلى غيرِه، ولأنَّ المُضارِبَ يدَّعي خُلوصَ ما بقِي من المالِ والرِّبحِ، وربُّ المالِ يَجحدُ ذلك فلا يُقبلُ قَولُ المُضارِبِ في الاستِحقاقِ. فإن أقاما البَينةَ فالبَينةُ بينةُ المُضارِبِ؛ لأنَّها تُثبِت إيفاءَ رأسِ المالِ ولا يُقالُ: الظَّاهرُ شاهدٌ للمُضارِبِ فيما ادَّعاهُ من إيفاءِ رأسِ المالِ؛ إذِ الرِّبحُ لا يَكونُ إلا بعدَ الإيفاءِ إذْ هو شَرطُ صحَّةِ قِسمةِ الرِّبحِ؛ لأنَّا نَقولُ قد جرَت عادةُ التُّجارِ بالمُقاسَمةِ مع بَقاءِ رأسِ المالِ في يدِ المُضاربِ فلَم يكنِ الظَّاهرُ شَاهدًا للمُضارِبِ. وذكَر ابنُ سماعةَ في نوادرِه عن أبي يُوسفَ في رَجلٍ دفَع إلى رَجلٍ ألفَ دِرهمٍ مُضارَبةً صَحيحَةً ثم جعَل ربُّ المالِ يَأخذُ الخَمسينَ والعِشرينَ لنَفقتِه والمُضارِبُ يَعملُ بالنَّفقةِ ويتَربَّحُ فيما يشتَري ويَبيعُ ثم احتَسبا فإنَّهما يحتَسبانِ برأسِ المالِ ألفَ درهمٍ يومَ يحتَسبانِ والرِّبحُ بينَهما نِصفانٍ، ولا يَكونُ ما أخَذ ربُّ المالِ من النَّفقةِ نُقصانًا من رأسِ المالِ ولكِنَّهما يحتَسبانِ رأسَ المالِ ألفًا من جَميعِ المالِ وما بقِي من ذلك فهو بينَهما نِصفانِ؛ لأنَّا لو جعَلنا المَقبوضَ من رأسِ المالِ بطَلت المُضارَبةُ؛ لأنَّ استِرجاعَ ربِّ المالِ رأسَ مالِه يُوجِبُ بُطلانَ المُضارَبةِ، وهما لم يَقصِدا إبطالَها فيجعَلُ رأس المالِ فيما بقِي لئلَّا يبطلَ هذا إذا كان في المُضارَبةِ رِبحٌ؛ فإن لم يَكنْ فيها رِبحٌ فلا شيءَ للمُضارِبِ؛ لأنَّ الشَّرطَ قد صحَّ فلا يَستَحقُّ إلا ما شرطَ -وهو الرِّبحُ- ولَم يُوجدْ.
[ ٨ / ٥٨٥ ]
قَولُ العامِلِ بيَمينِه؛ لأنَّه أمينٌ، ولأنَّ مُعظمَ النَّفعِ لِرَبِّ المالِ، فالعامِلُ كالمُودَعِ، وانتِفاعُه هو ليس بها، بل بالعَملِ فيها، ولأنَّ المالِكَ يَملِكُ انتِزاعَها مِنْ يَدِه مَتى شاءَ، فهو كالوَكيلِ بغَيرِ جُعلٍ.
قال الشافِعيَّةُ: كلُّ أمين ادَّعى الرَّدَّ على مَنِ ائتَمَنه يُصدَّقُ بيَمينِه إلا المُرتَهَنَ والمُستأجَرَ.
[ ٨ / ٥٨٦ ]
وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ إلى أنَّ القَولَ قَولُ رَبِّ المالِ مع يَمينِه إذا لَم تُوجدْ بَيِّنةٌ؛ لأنَّ العامِلَ قبَض المالَ لِنَفعِ نَفْسِه، فلَم يُقبَلْ قَولُه في رَدِّه كالمُستَعيرِ، ولأنَّ رَبَّ المالِ مُنكِرٌ، والقَولَ قَولَ المُنكِرِ، ولأنَّ المُضاربَ لَم يَقبِضْ رأسَ المالِ إلا لِنَفعِ نَفْسِه ولَم يأخُذْه لِنَفعِ رَبِّ المالِ (^١).
وقال المالِكيَّةُ: القَولُ قَولُ العامِلِ أنَّه رَدَّ مالَ المُضاربةِ إلى رَبِّه مع رِبحِه حيث قبَضه بغَيرِ بَيِّنةٍ، وإلا بأنْ قبَضه ببَيِّنةٍ فلا بُدَّ مِنْ بَيِّنةٍ تَشهَدُ له بالرَّدِّ على المَشهورِ؛ لأنَّ القاعِدةَ أنَّ كلَّ شَيءٍ أُخِذ بالإشهادِ لا يُبرأُ منه إلا بالإشهادِ، ولا بُدَّ أنْ تَكونَ البَيِّنةُ مَقصودةً لِلتَّوثُّقِ، وهي التي يُشهِدُها الدافِعُ على القابِضِ خَوفَ الجُحودِ، فلو أشهَدَها القابِضُ بغَيرِ حُضورِ رَبِّ المالِ أو أشهَدَها رَبُّ المالِ، لا لِخَوفِ الجُحودِ، فكما لو كان القَبضُ بلا بَيِّنةٍ، والظاهِرُ أنَّه يُقبَلُ قَولُ الدافِعِ في أنَّ إشهادَه لِخَوفِ الجُحودِ، ثم إنَّه لا بُدَّ مِنْ حَلِفِه على دَعوى الرَّدِّ، وإنْ لَم يَكُنْ مُتَّهمًا اتِّفاقًا.
وهذا فيما إذا ادَّعى العامِلُ رَدَّ رأسِ المالِ ورِبحِه، أو ادَّعى رَدَّ رأسِ المالِ وحِصةِ رَبِّ المالِ مِنَ الرِّبحِ، حيث كان فيه رِبحٌ.
_________________
(١) «البيان» (٧/ ٢٣٣)، و«المهذب» (١/ ٣٩٦)، و«روضة الطالبين» (٣/ ٧٦٤)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٦١)، و«نهاية المحتاج» (٥/ ٢٧٨)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٨٥)، و«الديباج» (٢/ ٤٤٢)، و«المغني» (٥/ ٤٥)، و«الكافي» (٢/ ٢٨٢)، و«الإنصاف» (٥/ ٤٥٥)، و«كشاف القناع» (٣/ ٦١٣)، و«مجمع الضمانات» (٢/ ٦٦٢).
[ ٨ / ٥٨٧ ]
وأمَّا إنِ ادَّعى رَدَّ رأسِ المالِ فَقط دونَ رِبحٍ، حيث كان فيه رِبحٌ ففيه ثَلاثةُ أقوالٍ:
الأولُ: عَدمُ قَبولِ قَولِه ولو أبقَى العامِلُ بيَدِه قَدْرَ حِصَّتِه مِنَ الرِّبحِ وهو ظاهِرُ المُدوَّنةِ.
والثاني: يُقبَلُ قَولُه، وهو لِلَّخميِّ.
والثالِثُ: لا يُقبَلُ قَولُه، وهو لِلقابِسيِّ.
والرابِعُ: يُقبَلُ إنِ ادَّعى رَدَّ رأسِه مع رَدِّ حَظِّ رَبِّ المالِ مِنَ الرِّبحِ، وأمَّا لو ادَّعى رَدَّ رأسِ المالِ فَقط مع بَقاءِ جَميعِ الرِّبحِ بيَدِه فلا يُقبلُ قَولُه، وهو قَولٌ القابِسيِّ وِفاقًا لِلمُدونةِ.
والحاصِلُ أنَّ المُدونةَ ظاهِرُها عَدمُ القَبولِ في المَسألتَيْن، واللَّخميُّ يَقولُ بالقَبولِ فيهما، والقابِسيُّ يَقولُ بالقَبولِ في واحِدةٍ، وبعَدمِه في واحِدةٍ (^١).