ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في الجُملةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يَتبرَّعَ أو يُقرِضَ أو يُحابيَ بمالِ المُضارَبةِ بلا إذنِ رَبِّ المالِ؛ فإنْ فعَل ضَمِن.
قال الحَنفيَّةُ: ليس لِلمُضاربِ أنْ يُقرِضَ مالَ المُضاربةِ؛ لأنَّ القَرضَ تَبرُّعٌ في الحالِ، إذْ لا يُقابِلُه عِوَضٌ لِلحالِ؛ وإنَّما يَصيرُ مُبادلةً في الثاني ومالُ الغَيرِ لا يَحتمِلُ التَّبرُّعَ.
وكذلك الهِبةُ والصَّدَقةُ؛ لأنَّ كلَّ واحِدةٍ منهما تَبرُّعٌ.
_________________
(١) «الأم» (٣/ ١٥١).
(٢) «الأم» (٣/ ١٩٣).
[ ٨ / ٤٩٥ ]
ولا يأخُذُ سَفتَجةً؛ لأنَّ أخْذَها استِدانةٌ، وهو لا يَملِكُ الاستِدانةَ.
وكذا لا يُعطَى سَفتَجةً؛ لأنَّ إعطاءَ السَّفتَجةِ إقراضٌ، وهو لا يَملِكُ الإقراضَ إلا بالتَّنصيصِ عليه هكذا، قال مُحمدٌ عن أبي حَنيفةَ: إنَّه قال: ليس له أنْ يُقرِضَ ولا أنْ يأخُذَ سَفتَجةً حتى يأمُرَه بذلك بعَينِه، فيَقولَ له خُذِ السَّفاتِجَ وأقرِضْ إنْ أحبَبتَ.
فأمَّا إذا قال له: «اعمَلْ في ذلك برأيِكَ»؛ فإنَّما هذا على البَيعِ والشِّراءِ والشَّركةِ والمُضارَبةِ وخَلطِ المالِ، وهذا قَولُ أبي يُوسُفَ، وقَولُنا، لِما ذَكَرنا أنَّ قَولَه: «اعمَلْ في ذلك برأيِك»، تَفويضُ الرَّأيِ إليه في المُضاربةِ والتَّبرُّعِ ليس مِنْ عَملِ المُضارَبةِ (^١).
وقال المالِكيَّةُ: ليس لِلعامِلِ أنْ يَهَب مِنْ مالِ القِراضِ شَيئًا لِغَيرِ ثَوابٍ بكَثيرٍ، ولو لِلاستِئلافِ، وأمَّا هِبةُ القَليلِ كدَفعِ لُقمةٍ لِسائِلٍ ونَحوِها فجائِزٌ، كما أنَّه يَجوزُ له أنْ يَهَب لِلثَّوابِ؛ لأنَّها بَيعٌ، والفَرقُ بينَ الشَّريكِ وعامِلِ القِراضِ حيث جازَ لِلشَّريكِ هِبةُ كَثيرٍ لِلِاستِئلافِ دونَ المُقارِضِ أنَّ العامِلَ الراجِحَ فيه أنَّه أجيرٌ، والقَولُ بأنَّه شَريكٌ مَرجوحٌ وحينَئِذٍ فالشَّريكُ أقوى منه.
ولا يُولِّي بسِلعةٍ مِنَ القِراضِ بأنْ يَشتريَ السِّلعةَ لِلقِراضِ فيُولِّيَها لِغَيرِه بمِثلِ ما اشتَرى به لِتَعلُّقِ حَقِّ رَبِّ المالِ بالرِّبحِ فيها، وهذا ما لَم يَخَفِ الوَضيعةَ -أي الخُسرَ- فيها وإلا جازَ.
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٩٢)، و«الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٤٨)، و«الهداية» (٣/ ٢١١)، و«تبيين الحقائق» (٥/ ٦٩)، و«مجمع الضمانات» (٢/ ٦٥٥)، و«الفتاوى الهندية» (٤/ ٢٩٢).
[ ٨ / ٤٩٦ ]
وله أنْ يأتيَ بطَعامٍ إلى قَومٍ ويَأتونَ بمِثلِه، وذلك له واسِعٌ إذا لَم يَتعمَّدْ أنْ يَتفضَّلَ عليهم؛ فإنْ تَعمَّدَ ذلك بغَيرِ إذنِ صاحِبِه فليَتحلَّلْ صاحِبَه؛ فإنْ حَلَّله فلا بأسَ به، وإنْ أبى فليُكافِئْه بمِثلِه إنْ كان شَيئًا له مُكافأةٌ، أي يُعطيه بقَدْرِ ما يَخُصُّه، أي: فيما زادَه مِنَ الطَّعامِ على غَيرِه.
وقال الباجيُّ: إنِ اجتَمَع مع رُفقائِه فجاؤُوا بطَعامٍ على ما يَتخارَجُه الرُّفَقاءُ في السَّفرِ فذلك واسِعٌ، وإنْ كان بَعضُه أكثَرَ مِنْ بَعضٍ ما لَم يَتعمَّدْ أنْ يَتفضَّلَ عليهم بأمرٍ مُستَنكَرٍ.
وإنْ كان مِنهم مَنْ يأكُلُ في بَعضِ الأوقاتِ أكثَرَ مِنْ صاحِبِه ومَن يَصومُ في يَومٍ دونَ رُفقائِه فذلك جائِزٌ، وكذلك إذا أخرَج كلُّ واحِدٍ منهم بقَدْرِ ما يَتساوى فيه ثم يُنفِقون منه في طَعامِهم وغَيرِه مما مَسَّتهم الحاجةُ إليه، وذلك لأنَّ انفِرادَ كلِّ إنسانٍ بتَوَلِّي طَعامِه يَشُقُّ عليه ويَشغَلُه عما هو بسَبَبِه مِنْ أمرِ تِجارَتِه، قال ابنُ عَرَفةَ: وكذلك غَيرُ المُسافِرينَ، قالَه بَعضُ مَنْ لَقيتُ، وهو واضِحٌ. اه.
وسمِع ابنُ القاسِمِ: لا بأسَ على عامِلِ القِراضِ في إعطاءِ السائِلِ الكِسرةَ، وكذلك التَّمراتُ. قال ابنُ رُشدٍ؛ لأنَّه مِنَ اليَسيرِ الذي لا يُتشاحُّ في مِثلِه.
وكذا الوَصيُّ يُعطي السائِلَ مِنْ مالِ يَتيمِه، وأصلُه قَولُ اللهِ ﷾: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: ٦١] الآيةَ (^١).
_________________
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣١٤)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٢٦)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٢٤٣)، و«مواهب الجليل» (٧/ ٦٣، ٦٤)، و«التاج والإكليل» (٤/ ٤٣٨، ٤٣٩).
[ ٨ / ٤٩٧ ]
وقال الشافِعيَّةُ: لا يَتصدَّقُ العامِلُ مِنْ مالِ القِراضِ ولو بكِسرةٍ؛ لأنَّ العَقدَ لَم يَتناوَلْه (^١).
وقال الحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا يَهَبُ المُضارِبُ مِنْ مالِ المُضارَبةِ إلا بإذنِ رَبِّ المالِ، ونقَل حَنبَلٌ عن الإمامِ أحمدَ أنَّ له أنْ يَتبرَّعَ ببَعضِ الثَّمنِ لِمَصلَحةٍ.
ولا يَجوزُ له أنْ يُقرِضَ مِنْ مالِ المُضارَبةِ وظاهِرُه ولو برَهنٍ.
ولا يَجوزُ له أنْ يُحابيَ في بَيعٍ أو شِراءٍ لِمُنافاتِه مَقصودَ الشَّركةِ، وهو طَلَب الرِّبحِ.
ولا يأخُذُ بمالِ المُضارَبةِ سَفتَجةً بأنْ يَدفعَ المُضارِبُ مِنْ مالِ المُضارَبةِ إلى إنسانٍ، ويأخُذُ منه -أي: المَدفوعِ إليه- كِتابًا إلى وَكيلٍ ببَلدٍ آخَرَ يَستَوفي منه ما أخَذَه منه مُوكِّلُه أو يُعطيها -أي: السَّفتَجةَ- بأنْ يَشتريَ المُضارِبُ عَرضًا لِلمُضاربةِ، ويُعطيَ بثَمنِه كِتابًا إلى وَكيلِه -أي: المُشتَري- ببَلدٍ آخَرَ لِيَستَوفيَ البائِعُ منه -أي: الثَّمنِ-؛ لأنَّ فيه خَطرًا لَم يُؤذَنْ فيه (^٢).
وقال ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ ﵀: ولا يَهَبُ المُقارِضُ شَيئًا مِنْ مالِ القِراضِ، ولا يُعطي منه سائِلًا، ولا يُكافِئُ أحَدًا.
فإنْ خالَط غَيرَه في أكلٍ، وجعَل حِصَّتَه ولَم يَتفضَّلْ عليهم فلا بأسَ به؛
_________________
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٥٥)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٥٤).
(٢) «المغني» (٥/ ١٥)، و«المبدع» (٥/ ٩)، و«كشاف القناع» (٣/ ٥٨٦)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٥٤).
[ ٨ / ٤٩٨ ]
فإنْ فعَل مِنْ ذلك شَيئًا يُحلِّلُ رَبَّ المالِ؛ فإنْ لَم يُحلِّلْه فليُكافِئْه بمِثلِ ذلك، فيما له مُكافأةٌ، هذا كلُّه مما لا خِلافَ فيه (^١).