نَصَّ فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّ لِلمُضارِبِ أنْ يَستأجرَ مِنْ مالِ المُضاربةِ إذا كان المالُ كَثيرًا لا يَستطيعُ القيامَ بجَميعِه، أو كانت العادةُ ألَّا يَتولَّى هذه الأعمالَ بنَفْسِه؛ فإنِ استأجَرَ ولا حاجةَ لِلاستِئجارِ ضَمِن.
قال الحَنفيَّةُ: يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يَستأجرَ مَنْ يَعمَلُ في المالِ؛ لأنَّه مِنْ عادةِ التُّجارِ وضَروراتِ التِّجارةِ أيضًا؛ لأنَّ الإنسانَ قد لا يَتمكَّنُ مِنْ جَميعِ الأعمالِ بنَفْسِه فيَحتاجُ إلى الأجيرِ.
وله أنْ يَستأجرَ البُيوتَ لِيَجعلَ المالَ فيها؛ لأنَّه لا يَقدِرُ على حِفظِ المالِ إلا به، وله أنْ يَستأجِرَ السُّفُنَ والدَّوابَّ لِلحَملِ؛ لأنَّ الحَملَ مِنْ مَكانٍ إلى مَكانٍ طَريقٌ يَحصُلُ به الرِّبحُ ولا يُمكِنُه النَّقلُ بنَفْسِه (^١).
وقال المالِكيَّةُ: وعلى العامِلِ ما جَرَت العادةُ به، كالنَّشرِ والطَّيِّ لِلثِّيابِ الخَفيفَيْن، لا الكَثيرَيْن مما لَم تَجْرِ العادةُ به، وعليه الأجرُ مِنْ مالِه إنِ استأجَر على ذلك، لا على رَبِّ المالِ، ولا مِنَ الرِّبحِ، ومِثلُ ما ذُكِر النَّقلُ الخَفيفُ.
وأمَّا ما جَرَت العادةُ ألَّا يَتولَّاه، وتَولَّاه وهو مِنْ مَصلحةِ المالِ فله أجرُه إنِ ادَّعى أنَّه عَملُه لِيَرجِعَ بأجرِه، وخالَفَه رَبُّ المالِ بيَمينٍ؛ لأنَّها دَعوى بشَيءٍ مَعروفٍ، فتَتوجَّهُ عليه اليَمينُ حيث كانت دَعوى رَبِّ المالِ أنَّ
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٨٨)، و«الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٤٦)، و«مختصر الوقاية» (٢/ ١٨٩)، و«اللباب» (١/ ٥٤١).
[ ٨ / ٥٠٢ ]
العامِلَ نَصَّ على أنَّه على وَجهِ المَعروفِ، وأمَّا إنْ كان لِسُكوتِه فلا يَحلِفُ.
وله أيضًا أنْ يَستأجِرَ مِنَ المالِ إذا كان كَثيرًا لا يَقوى عليه مَنْ يَكفيه بَعضَ مُؤنَتِه مِنَ الأعمالِ أعمالٌ لا يَعمَلُها العامِلُ وليس مِثلُه يَعمَلُها (^١).
وقال الشافِعيَّةُ: على العامِلِ فِعلُ كلِّ ما يُعتادُ فِعلُه مِنْ عَملِ القِراضِ بحَسَبِ العُرفِ مما جَرَت العادةُ أنْ يَتولَّاه بنَفْسِه كطَيِّ الثَّوبِ ونَشرِه وذَرعِ الثَّوبِ وإدراجِه في الصُّندوقِ ووَزنِ الخَفيفِ كذَهَبٍ وفِضَّةٍ ومِسكٍ؛ لاقتِضاءِ العُرفِ ذلك، لا الأمتعةِ الثَّقيلةِ فليس عليه وَزنُها ولا نَحوُه كحَملِها ونَقلِها مِنَ الخانِ مَثَلًا لِلسُّوقِ وعَكسِه والنِّداءِ عليه لِجَريانِ العُرفِ بالاستِئجارِ لذلك.
وما لا يَلزَمُه كأُجرةِ كَيلٍ وحِفظٍ، فله الاستِئجارُ عليه مِنْ مالِ القِراضِ؛ لأنَّه مِنْ تَتمَّةِ التِّجارةِ ومَصالِحِها، ولو فعَله بنَفْسِه لَم يَستحِقَّ أُجرةً.
وما يَلزَمُه فِعلُه لو اكتَرى عليه مَنْ فَعلَه فالأُجرةُ في مالِه لا في مالِ القِراضِ، فلو شرَط على المالِكِ الاستِئجارَ عليه مِنْ مالِ القِراضِ حُكيَ فيه وَجهانِ، والظاهِرُ منهما عَدَمُ الصِّحةِ (^٢).
وقال الحَنابِلةُ: على العامِلِ أنْ يَتولَّى بنَفْسِه كلَّ ما جَرَت العادةُ أنْ يَتولَّاه المُضارِبُ بنَفْسِه مِنْ نَشرِ الثَّوبِ وطَيِّه وعَرضِه على المُشتَري
_________________
(١) «الشرح الكبير» (٥/ ٢٨٨)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥١١)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٠٩)، و«التاج والإكليل» (٤/ ١٨)، و«حاشية الصاوي» (٨/ ٤٠٢).
(٢) «مغني المحتاج» (٣/ ٣٤٤، ٣٥٤)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٨٧)، و«الديباج» (٢/ ٤٣٧).
[ ٨ / ٥٠٣ ]
ومُساوَمتِه وعَقدِ البَيعِ معه وأخذِ الثَّمنِ وانتِقادِه وشَدِّ الكيسِ وخَتمِه وإحرازِه في الصُّندوقِ ونَحوِ ذلك، ولا أجرَ له عليه؛ لأنَّه مُستحِقٌّ لِلرِّبحِ في مُقابَلتِه؛ فإنِ استأجَرَ مَنْ يَفعَلُ ذلك فالأجرُ عليه خاصَّةً؛ لأنَّ العَملَ عليه، فأمَّا ما لا يَليه العامِلُ في العادةِ -مِثلَ النِّداءِ على المَتاعِ ونَقلِه إلى الخانِ- فليس على العامِلِ عَملُه، وله أنْ يَكتريَ مَنْ يَعمَلُه؛ لأنَّ العَملَ في المُضاربةِ غَيرُ مَشروطٍ لِمَشقَّةِ اشتِراطِه، فرُجِع فيه إلى العُرفِ.
فإنْ فعَل العامِلُ ما لا يَلزَمُه فِعلُه مُتبَرِّعًا فلا أجرَ له، وإنْ فعَله لِيأخذَ عليه أجرًا فلا شَيءَ له أيضًا في المَنصوصِ عن أحمدَ، وفي وَجهٍ أنَّ له الأجرَ بِناءً على الشَّريكِ إذا انفرَد بعَملٍ لا يَلزَمُه هل له أجرٌ لِذلك؟ على رِوايتَيْن، وهذا مِثلُه، والصَّحيحُ أنَّه لا شَيءَ له في المَوضعَيْن؛ لأنَّه عَمِل في مالِ غَيرِه عَملًا لَم يُجعَلْ له في مُقابَلَتِه شَيءٌ، فلَم يَستحِقَّ شَيئًا كالأجنَبيِّ (^١).