ذهَب جُمهورُ فُقهاءِ المَذاهِبِ الأربَعةِ إلى أنَّ المُضارِبَ إذا خلَط مالَ المُضارَبةِ بمالِه ولَم يَتميَّزْ، أو بمالِ غَيرِه لِيَعملَ بهما، ولَم يأذَنْ له رَبُّ المالِ؛ فإنَّه يَضمَنُ؛ لأنَّه أمانةٌ، فهي كالوَديعةِ.
فإنْ قال له: اعمَلْ برأيكَ جازَ له ذلك عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ أيضًا، وإليكَ تَفصيلَ أقوالِهم.
_________________
(١) «المغني» (٥/ ٣٢، ٣٣)، و«كشاف القناع» (٣/ ٥٨٥)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٥٣).
[ ٨ / ٥٠٤ ]
قال الحَنفيَّةُ: لو خلَط المُضارِبُ مالَ المُضارَبةِ بمالِه أو بمالِ غَيرِه لِيَعملَ بهما يَضمَنُ؛ لأنَّه يُوجِبُ في مالِ رَبِّ المالِ حَقًّا لِغَيرِه فلا يَجوزُ إلا بإذنِه؛ فإنْ أذِنَ له أو قال له: اعمَلْ فيه برأيكَ فله أنْ يَخلِطَه بمالِه أو بمالِ غَيرِه.
فإذا خلَط المُضارِبُ مالَ المُضاربةِ بمالِه وقد أذِنَ له رَبُّ المالِ أو فَوَّض الأمرَ إليه يُقسَّمُ الرِّبحُ الحاصِلُ على مِقدارِ رأسَيِ المالِ، أي أنَّه يأخُذُ رِبحَ رأسِ مالِه خاصَّةً؛ لأنَّه رِبحُ مالِه، ويُقسَّمُ مالُ المُضاربةِ بينَه وبينَ رَبِّ المالِ على الوَجهِ الذي شرَطاه.
مَثلًا: لو أعطى رَبُّ المال خَمسينَ دينارًا مُضاربةً لِآخرَ بنِصفِ الرِّبحِ، وخلَط المُضارِبُ مالَ المُضاربةِ المَذكورِ بمِئةِ دينارٍ له ورَبِح ثَلاثينَ، تَكونُ عِشرونَ دِينارًا منها رِبحَ رأسِ مالِه، وتَكونُ لِلمُضارِبِ خاصَّةً، وتَكونُ الدَّنانيرُ العَشَرةُ الباقيةَ رِبحَ مالِ المُضاربةِ، فيَقتَسِمُها مع رَبِّ المالِ مُناصَفةً (^١).
وقال المالِكيَّةُ: يَجوزُ لِلعامِلِ أنْ يَخلِطَ مالَ القِراضِ بغَيرِه، وإنْ بمالِه إنْ كان المالُ المَخلوطُ والمَخلوطُ به مِثليًّا؛ لأنَّ كَثرةَ المالِ تُحَصِّلُ الرِّبحَ الكَثيرَ.
وخَلطُ مالِ القِراضِ هو الصَّوابُ إنْ خافَ العامِلُ بتَقديمِ أحدِ المالَيْن في البَيعِ والشِّراءِ رُخصًا لِلمالِ الآخَرِ، أي بأنْ خافَ العامِلُ بتَقديمِ أحَدِهما
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٩٩، ١٠٠)، و«مجمع الضمانات» (٢/ ٦٦٠)، و«البحر الرائق» (٧/ ٢٦٤)، و«الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٠٩)، و«درر الحكام» (٣/ ٤٧٥).
[ ٨ / ٥٠٥ ]
في البَيعِ رُخصًا في ثَمنِ الآخَرِ، أو خافَ بتَقديمِ أحَدِهما في الشِّراءِ غُلُوَّ الثَّمنِ في الآخَرِ، ويَكونُ ما اشتَرى مِنَ السِّلعِ بينَهما على القِراضِ.
وهل مَعنى الصَّوابِ أنَّه يَجِبُ أو يُندَبُ؟ قَولانِ، ويَنبَني عليهما لو لَم يَخلِطْ فحَصلَ خُسرٌ فعلى أنَّه يَجِبُ يَضمَنُ العامِلُ الخُسرَ إذا خافَ ولَم يَخلِطْ، وعلى أنَّه يُندَبُ لا يَضمَنُ.
وهذا إذا كان بغَيرِ شَرطٍ؛ فإنْ شرَط عليه بأنْ دفَع إليه ألفَ دينارٍ على أنْ يُضيفَ إليها مِئةً مِنْ مالِه ويَعمَلَ بها ويَكونَ الرِّبحُ بينَهما نِصفَيْن كان فاسِدًا ويُرَدُّ فيه العامِلُ إلى أُجرةِ مِثلِه (^١).
وقال الشافِعيَّةُ: لا يَجوزُ لِلمُقارِضِ أنْ يَخلِطَ مالَه بمالِ القِراضِ، وعليه تَمييزُ كلِّ واحِدٍ مِنَ المالَيْن؛ فإنْ خلَطَهما فعلى ضَربَيْن:
أحَدُهما: أنْ يَكونَ بإذنِ رَبِّ المالِ خَلَط مالَه بمالِ المُضارَبةِ فيَجوزَ ويَصيرَ شَريكًا ومُضارِبًا، ومُؤنةُ المالِ مُقسَّطةٌ على قَدْرِ المالَيْن، ونَفقةُ نَفْسِه إنْ قيلَ: إنَّها لا تَجِبُ في مالِ القِراضِ فهو مُختَصٌّ بها، وإنْ قيلَ: إنَّها تَجِبُ في مالِ القِراضِ فهي مُقسَّطةٌ على قَدْرِ المالَيْن بالحِصَصِ.
والضَّربُ الآخَرُ: أنْ يَخلِطَ المالَيْن بغَيرِ إذنِ رَبِّ المالِ مالَه ومالَ المُضاربةِ، فيَبطُلَ القِراضُ؛ لأنَّه يَصيرُ كالعادِلِ به عن حُكمِه فيَلتَزمَ نَفقةَ
_________________
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٢٩٠)، و«البيان والتحصيل» (١٢/ ٤١٤، ٤١٥)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢١٠)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥١٤)، و«التاج والإكليل» (٤/ ٤٢٠).
[ ٨ / ٥٠٦ ]
نَفْسِه لا تَختلِفُ، وتَكونَ نَفقةَ المالَيْن بقَدْرِ الحِصَصِ، ورِبحُ مالِ القِراضِ كلُّه لِرَبِّ المالِ؛ لِفَسادِ القِراضِ، ولِلعامِلِ أُجرةُ مِثلِ عَملِه فيه، ولا يُوجبَ له أُجرةَ كلِّ العَملِ؛ لأنَّ عَملَه قد تَوزَّعَ على مالِه ومالِ القِراضِ (^١).
وقال الحَنابِلةُ: ليس لِلمُضارِبِ أنْ يَخلِطَ مالَ المُضاربةِ بمالِه؛ فإنْ فعَل ولَم يَتمَيَّزْ ضَمِنه؛ لأنَّه أمانةٌ، فهو كالوَديعةِ؛ فإنْ قال له: «اعمَلْ برأيكَ» جازَ له ذلك؛ لأنَّه قد يَرى الخَلطَ أصَحَّ له، فيَدخُلُ في قَولِه: «اعمَلْ برأيِك»، وهكَذا القَولُ في المُشاركةِ به ليس له فِعلُها إلا أنْ يَقولَ: «اعمَلْ برأيِك» فيَملِكَها (^٢).