اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ -إلا وَجهًا ضَعيفًا عندَ الحَنابِلةِ- على أنَّه لا يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يُضارِبَ غَيرَه إلا أنْ يأذَن له رَبُّ المالِ صَريحًا باتِّفاقِهم، أو يَقولَ له: «اعمَلْ برأيِك»، عندَ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ الشَّيءَ لا يَتضمَّنُ مِثلَه؛ لأنَّ المُضارَبةَ مِثلُ المُضاربةِ، فلا يُستفادُ بمُطلَقِ عَقدِ المُضاربةِ مِثلُه؛ لِتَساويهما في القُوَّةِ، فلا بُدَّ مِنَ التَّنصيصِ عليه أو التَّفويضِ المُطلَقِ إليه كالوَكيلِ لا يَملِكُ التَّوكيلَ إلا بقَولِ الأصيلِ: «اعمَلْ برأيِكَ»، بخِلافِ الإبضاعِ والإيداعِ؛
_________________
(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٣٢٠)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٦١).
(٢) «المغني» (٥/ ٢٩، ٣٠)، و«كشاف القناع» (٣/ ٥٨٦)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٥٥).
[ ٨ / ٥٠٧ ]
لأنَّهما دونَ المُضاربةِ، لا مِثلُها، فيَتضَمَّنهما، ولأنَّ هذا يُوجِبُ في المالِ حَقًّا لِغَيرِه، ولا يَجوزُ إيجابُ حَقٍّ في مالِ إنسانٍ بغَيرِ إذنِه (^١).
إلا أنَّهم اختَلَفوا في الرِّبحِ الحاصِلِ في ذلك، وفي الضَّمانِ، هل يَضمَنُ بالدَّفعِ نَفْسِه أو لا بُدَّ مِنَ التَّصرُّفِ أو لا بُدَّ مِنْ رِبحِ المُضارِبِ الآخَرِ؟
فقال أبو حَنيفةَ في رِوايةِ الحَسَنِ عنه: لا يَضمَنُ بالدَّفعِ، ولا بتَصرُّفِ المُضارِبِ الآخَرِ حتى يَربَحَ؛ فإذا رَبِحَ ضمِن المُضارِبُ الأولُ لِرَبِّ المالِ؛ لأنَّ العَقدَ المُجرَّدَ لا يُوجِبُ الضَّمانَ؛ ولِهذا لا يَضمَنُ الفُضوليُّ بمُجرَّدِ بَيعِ مالِ الغَيرِ، ولا بالتَّسليمِ لِأجلِ التَّصرُّفِ؛ لأنَّه إيداعٌ، وهو يَملِكُ ذلك، ولا بالتَّصرُّفِ؛ لأنَّه وَكيلٌ فيه، وهو له أنْ يُوكِّلَ، وهذا لأنَّه إنَّما يَصيرُ ضامِنًا بالمُخالَفةِ، وبهذه الأشياءِ لا يَصيرُ مُخالِفًا، ألَا تَرى أنَّ له أنْ يَفعلَ كلُّ واحِدٍ منها على الانفِرادِ، فلا يَكونَ ضامِنًا به، لكنْ إذا رَبِح أثبَت الشَّركةَ فيه؟ وإثباتُ الشَّركةِ في مالِ الغَيرِ سَببٌ لِلضَّمانِ كما إذا خلَطه بمالِ غَيرِه.
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٦٥، ٩٦)، و«العناية شرح الهداية» (١٢/ ١٣٩)، و«الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٤٧، ٤٤٨)، و«تبيين الحقائق» (٥/ ٦٣، ٦٤)، و«مجمع الأنهر» (٣/ ٤٤٧)، و«الشرح الكبير» (٥/ ٢٩٥)، و«شرح مختصر خليل» للخرشي (٦/ ٢١٤)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥١٩)، و«روضة الطالبين» (٣/ ٧٥٣)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٤٩)، و«نهاية المحتاج» (٥/ ٢٦٢)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٧٠، ٢٧١)، و«الديباج» (٢/ ٤٣٣)، و«المغني» (٥/ ٢٨، ٢٩)، و«المحرر» (١/ ٣٥١)، و«الفروع» (٤/ ٢٩٠)، و«الإنصاف» (٥/ ٤١٧)، و«كشاف القناع» (٣/ ٥٨٦، ٥٨٧)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٥٥)، و«مطالب أولى النهي» (٢/ ٥٠٧).
[ ٨ / ٥٠٨ ]
وقال أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ وأبو حَنيفةَ في ظاهِرِ الرِّوايةِ عنه: إذا عَمِل به ضَمِن، رَبِح، أو لَم يَربَحْ؛ لأنَّ الدَّفعَ إيداعٌ حَقيقةً، وإنَّما يَتقرَّرُ كَونُه لِلمُضارَبةِ بالتَّصرُّفِ.
وقال زُفَرُ وأبو يُوسُفَ في رِوايةٍ عنه: يَضمَنُ بالدَّفعِ، عَمِل أو لَم يَعمَلْ؛ لأنَّه ليس له أنْ يَدفعَ المالَ على وَجهِ المُضاربةِ؛ لأنَّ العَقدَ لا يَقتَضي مِثلَه على ما بَيَّناه فيَضمَنَ الأولُ بالدَّفعِ والآخَرُ بالأخْذِ؛ لأنَّ كلًّا منهما مُتعَدٍّ كالمُودَعِ إذا أعارَ الوَديعةَ بغَيرِ إذنِ صاحِبِه.
ثم رَبُّ المالِ بالخيارِ إنْ شاءَ ضَمِن الأولُ رأسَ مالِه؛ لأنَّه صارَ غاصِبًا بالدَّفعِ إلى غَيرِه بغَيرِ إذنِه، وإنْ شاءَ ضَمِن الآخَرُ؛ لأنَّه قبَض مالَ الغَيرِ بغَيرِ إذنِ صاحبِه، وهذا ظاهِرٌ على أصلِهما؛ لأنَّهما يُوجِبانِ الضَّمانَ على مُودَعِ المُودَعِ.
وأمَّا عندَ أبي حَنيفةَ فقد قيلَ: يَنبَغي ألَّا يَضمَنَ الآخَرُ كمُودَعِ المُودَعِ؛ لأنَّ المُودَعَ الآخَرَ يَقبِضُ لِمَنفَعةِ الأولِ، فلا يَكونُ ضامِنًا.
وقيلَ: يَضمَنُ الآخَرُ عندَه أيضًا؛ لأنَّ المُضارِبَ الآخَرَ قَبَضه لِنَفعِ نَفْسِه، فجازَ أنْ يَكونَ ضامِنًا.
فإنْ ضَمِن الأولُ صَحَّتِ المُضاربةُ بينَ الأولِ والآخَرِ، والرِّبحُ بينَهما على ما شرَطا؛ لأنَّه بأداءِ الضَّمانِ مَلكَه مِنْ وَقتِ خالَفَ فصارَ كما لو دفَع مالَ نَفْسِه مُضاربةً إلى الآخَرِ، وإنْ ضَمِن الآخَرُ يَرجِعُ بما ضمِن على الأولِ؛ لأنَّه التَزمَ له سَلامةَ المَقبوضِ له عن الضَّمانِ؛ فإذا لَم يُسلِّمْ له رجَع
[ ٨ / ٥٠٩ ]
عليه بالمُخالفةِ، إذ هو مَغرورٌ مِنْ جِهتِه كمُودَعِ الغاصِبِ، وصَحَّت المُضاربةُ بينَهما؛ لأنَّه لَمَّا كان قَرارُ الضَّمانِ عليه مَلَك المَدفوعَ مُستَنِدًا إلى وَقتِ التَّعدِّي فيَتبيَّنُ أنه دفَع مُضاربةً مِلكَ نَفْسِه، ويَكونُ الرِّبحُ بينَهما على ما شرَطا لِصِحَّةِ المُضاربةِ، ويَطيبُ لِلآخَرِ ما رَبِح؛ لأنَّه يَستحِقُّه بالعَملِ، ولا خُبثَ في عَملِه، ولا يَطيبُ لِلأولِ؛ لأنَّه يَستحِقُّه برأسِ المالِ، ومِلكُه فيه ثبَت مُستَنِدًا فلا يَخلو عن شُبهةٍ، فيَكونُ سَبيلُه التَّصدُّقَ، هذا إذا كانتِ المُضارَبتانِ صَحيحَتَيْن.
وأمَّا إذا كانت إحداهما فاسِدةً، أو كِلتاهما فلا ضَمانَ على واحدةٍ منهما؛ لأنَّه إنْ كانت الأُخرى هي الفاسِدةَ صار أجيرًا على ما بَيَّنَّا، ولِلأولِ أنْ يَستأجرَ مَنْ يَعمَلُ في المالِ، وإنْ كانت هي الأُولى فكذلك؛ لأنَّ فَسادَها يُوجِبُ فَسادَ الأُخرى؛ لأنَّ الأُولى لَمَّا فسَدت صارَت إجارةً، وصارَ الرِّبحُ كلُّه لرَبِّ المالِ، ولو صَحَّت الأُخرى في هذه الحالةِ لَصارَ الآخَرُ شَريكًا، وليس لِلأجيرِ أنْ يُشرِكَ غَيرَه، بل المُضارِبُ لا يَملِكُ ذلك، فكانت فاسِدةً بالضَّرورةِ، وكانا أجيرَيْن، وكذا إذا كانتا فاسدتَيْن؛ فإذا كانا أجيرَيْن لا يَضمَنُ واحِدٌ منهما، ولا يُقالُ: الأجيرُ ليس له أنْ يَستأجِرَ لِلعَملِ فكيف جازَ هنا لِلمُضارِبِ الأولِ أنْ يَستأجِرَ بعدَما فَسَدت الأُولى، وهو أجيرٌ فيها؛ لأنَّا نَقولُ: الفاسِدُ مِنَ العُقودِ مُعتَبَرٌ بالصَّحيحِ منها، فلَمَّا كان له أنْ يَستأجرَ في المُضاربةِ الصَّحيحةِ كان له أنْ يَستأجرَ في الفاسِدةِ أيضًا (^١).
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٦٥، ٩٦)، و«العناية شرح الهداية» (١٢/ ١٣٩)، و«الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٤٧، ٤٤٨)، و«تبيين الحقائق» (٥/ ٦٣، ٦٤)، و«مجمع الأنهر» (٣/ ٤٤٧).
[ ٨ / ٥١٠ ]
وقال المالِكيَّةُ: لا يَجوزُ لِعامِلِ القِراضِ أنْ يَدفَعَ المالَ لِعامِلٍ آخَرَ قِراضًا بغَيرِ إذنِ رَبِّ المالِ؛ فإنْ حصَل تَلفٌ أو خُسرٌ فالضَّمانُ مِنَ العامِلِ الأولِ، وإنْ حصَل رِبحٌ فلا شَيءَ لِلعامِلِ الأولِ مِنَ الرِّبحِ؛ وإنَّما الرِّبحُ لِلعامِلِ الثاني، ورَبِّ المالِ؛ لأنَّ القِراضَ جُعلٌ لا يُستحَقُّ إلا بتَمامِ العَملِ، والعامِلَ الأولَ لَم يَعمَلْ، فلا رِبحَ له.
ثم إنْ دخَل العامِلُ الأولُ مع الآخَرِ على مِثلِ ما دخَل عليه الأولُ مع رَبِّ المالِ فظاهِرٌ، وإنْ دخَل معه على أكثَرَ مما دخَل عليه مع رَبِّ المالِ فإنَّ العامِلَ الأولَ يُغرَّمُ لِلعامِلِ الآخَرِ الزِّيادةَ، والرِّبح لِلعامِلِ الآخَرِ مع رَبِّ المالِ، ولا شَيءَ لِلعامِلِ الأولِ مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّ القِراضَ جُعلٌ لا يُستحَقُّ إلا بتَمامِ العَملِ، والعامِلَ الأولَ لَم يَعمَلْ، فلا رِبحَ له.
كما لو جُعِل له الثُّلثُ في الرِّبحِ، فقارَضَ آخَرَ بالنِّصفِ، فالرِّبحُ بينَ رَبِّه والعامِلُ الآخَرُ على الثُّلثِ والثُّلثَيْن، وعلى العامِلِ الأولِ لِلآخَرِ تَمامُ النِّصفِ.
وإنْ دخَل معه على أقلَّ -كالرُّبعِ في المِثالِ- فالزائِدُ لِرَبِّ المالِ لا لِلعامِلِ الأولِ؛ لأنَّه لا شَيءَ له إذا لَم يَحصُلْ رِبحٌ؛ فإنْ لَم يَحصُلْ لِلعامِلِ الآخَرِ رِبحٌ فلا شَيءَ له، ولا يَلزَمُ لِلعامِلِ الأولِ لذلك الآخَرِ شَيءٌ أصلًا، كما هي القاعِدةُ أنَّ العامِلَ لا شَيءَ له إذا لَم يَحصُلْ له رِبحٌ (^١).
_________________
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٢٩٥)، و«شرح مختصر خليل» للخرشي (٦/ ٢١٤، ١٥)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥١٩، ٥٢٠)، و«حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ٤٠٨).
[ ٨ / ٥١١ ]
وقال الشافِعيَّةُ: لا يَجوزُ لِلعامِلِ أنْ يُقارضَ آخَرَ بغَيرِ إذنِ رَبِّ المالِ؛ فإنْ فعَل فهو فاسِدٌ مُطلَقًا سَواءٌ أقصَد المُشارَكةَ في عَملٍ ورِبحٍ أم رِبحٍ فَقطْ، أم قصَد الانسِلاخَ؛ لأنَّ المالِكَ لَم يَأذَنْ فيه، ولَم يأتَمِنْ على المالِ غَيرَه؛ فإنْ تَصرَّف العامِلُ للآخَرِ بغَيرِ إذنِ المالِكِ فتَصرُّفُ غاصِبٍ فيَضمَنُ ما تَصرَّف فيه؛ لأنَّ الإذنَ صدَر ممَّن ليس بمالِكٍ ولا وَكيلٍ.
فإنِ اشتَرى في الذِّمَّةِ لِلأولِ وسَلَّمَ ما أخَذَه مِنْ مالِ القِراضِ فيما اشتَراه ورَبِح وقُلنا بالجَديدِ المُقرَّرِ في المَذهبِ، وهو أنَّ الرِّبحَ كلَّه لِلغاصِبِ فالرِّبحُ هنا جَميعُه لِلعامِلِ الأولِ في الأصَحِّ؛ لأنَّ الآخَرَ تَصرَّف له بإذنِه، فأشبَهَ الوَكيلَ، ولأنَّ الشِّراءَ صَحيحٌ، والتَّسليمَ فاسِدٌ فيَضمَنُ الثَّمنَ الذي سَلَّمَه ويُسلِّمُ له الرِّبحَ سَواءٌ أعلِمَ بالحالِ أم لا. وعليه لِلآخَرِ أُجرتُه مِنْ زيادَتِه مِنْ غَيرِ تَمييزٍ؛ لأنَّه لَم يَعمَلْ مَجانًا.
والقَديمٍ: أنَّ الرِّبحَ لِلمالِكِ، إذْ لو جَعلناه لِلغاصِبِ لاتَّخَذه الناسُ ذَريعةً إلى الغَصبِ.
قال الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: فالأصَحُّ عليه مِنْ خِلافٍ مُنتشِرٍ أنَّ الرِّبحَ نِصفُه لِلمالِكِ ونِصفُه بينَ العامِلين سَواءٌ.
وقيلَ: هو -أي: الرِّبحُ في المسألةِ المَذكورةِ- لِلآخَرِ مِنَ العامِلَيْن، واختارَه السُّبكيُّ؛ لأنَّه لَم يَتصرَّفْ بإذنِ المالِكِ فأشبَهَ الغاصِبَ، أمَّا لو اشتَرى في الذِّمَّةِ لِنَفْسِه يَقَعُ لها.
وإنِ اشتَرى هذا الثاني بعَينِ مالِ القِراضِ فباطِلٌ شِراؤُه على الجَديدِ
[ ٨ / ٥١٢ ]
القائِلِ ببُطلانِ شِراءِ الفُضوليِّ، وأمَّا القَديمُ المُقابِلُ له فقائِلٌ بالوَقفِ، هذا كلُّه إنْ بَقيَ المالُ؛ فإنْ تَلِف في يَدِ العامِلِ الآخَرِ وعَلِم بالحالِ فغاصِبٌ، فقَرارُ الضَّمانِ عليه، وإنْ جَهِل فعلى العامِلِ الأولِ (^١).
قال الحَنابِلةُ: ليس لِلمُضارِبِ دَفعُ المالِ إلى آخَرَ مُضاربةً إلا إنْ أذِنَ له رَبُّ المالِ، وإلا فلا؛ فإنْ فعَل ولَم يَتلَفِ المالُ، ولم يَظهَرْ فيه رِبحٌ رَدَّه إلى مالِكِه ولا شَيءَ له ولا عليه.
وإنْ تَلِف أو رَبِح فيه فقال الشَّريفُ أبو جَعفَرٍ: هو في الضَّمانِ والتَّصرُّفُ كالغاصِبِ ولِرَبِّ المالِ مُطالبةُ مَنْ شاءَ منهما برَدِّ المالِ إنْ كان باقيًا وبرَدِّ بَدلِه إنْ كان تالِفًا أو تَعذَّر رَدُّه؛ فإنْ طالَب الأولَ وضَمَّنه قيمةَ التالِفِ ولَم يَكُنِ الآخَرُ على عِلمٍ بالحالِ لَم يَرجِعْ عليه بشَيءٍ؛ لأنَّه دفَعه إليه على وَجهِ الأمانةِ، وإنْ عَلِم بالحالِ رجَع عليه؛ لأنَّه قبَض مالَ غَيرِه على سَبيلِ العُدوانِ، وتَلِف تَحتَ يَدِه فاستَقَرَّ ضَمانُه عليه، وإنْ ضَمِن الآخَرُ مع عِلمِه بالحالِ لَم يَرجعْ على الأولِ، وإنْ لَم يَعلَمْ فهل يَرجِعُ على الأولِ؟ على وَجهَيْن:
أحَدُهما: يَرجِعُ عليه؛ لأنَّه غَرَّه فأشبَهَ ما لو غَرَّه بحُرِّيةِ أَمَةٍ.
والآخَرُ: لا يَرجِعُ؛ لأنَّ التَّلَف كان في يَدِه فاستَقَرَّ الضَّمانُ عليه.
_________________
(١) «البيان» (٧/ ٢٠٤، ٢٠٦)، و«روضة الطالبين» (٣/ ٧٥٣)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٤٩)، و«نهاية المحتاج» (٥/ ٢٦٢)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٧٠، ٢٧١)، و«الديباج» (٢/ ٤٣٣).
[ ٨ / ٥١٣ ]
وإنْ رَبِح في المالِ فالرِّبحُ لِمالِكِه ولا شَيءَ لِلمُضارِبِ الأولِ؛ لأنَّه لَم يُوجَدْ منه مالٌ، ولا عَملٌ، وهل لِلآخَرِ أجرُ مِثلِه؟ على رِوايَتَيْن:
إحداهما: له ذلك؛ لأنَّه عَمِل في مالِ غَيرِه بعِوَضٍ لَم يُسلَّمْ له، فكان له أجرُ مِثلِه كالمُضاربةِ الفاسِدةِ.
والأُخرى: لا شَيءَ له؛ لأنَّه عَمِل في مالِ غَيرِه بغَيرِ إذنِه، فلَم يَستحِقَّ لذلك عِوَضًا كالغاصِبِ، وفارَقَ المُضاربةَ؛ لأنَّه عَمِل في مالِه بإذنِه، وسَواءٌ اشتَرى بعَينِ المالِ أو في الذِّمَّةِ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَحتمِلُ أنَّه إذا اشتَرى في الذِّمَّةِ يَكونُ الرِّبحُ له؛ لأنَّه رِبحٌ فيما اشتَراه في ذِمَّتِه مما لَم يَقَعْ في الشِّراءِ فيه لِغَيرِه، فأشبَهَ ما لو لَم يَنقُدِ الثَّمنَ مِنْ مالِ رَبِّ المالِ قال أبو الشَّريفِ أبو جَعفَرٍ: هذا قَولُ أكثَرِهم، أي: قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ، ويَحتمِلُ أنَّه إنْ كان عالِمًا بالحالِ فلا شَيءَ لِلعامِلِ كالغاصِبِ، وإنْ جَهِل الحالَ فلَه أجرُ مِثلِه، يَرجِعُ به على المُضارِبِ الأولِ؛ لأنَّه غَرَّه واستَعمَلَه بعِوَضٍ لَم يَحصُلْ له، فوجَب أجرُه عليه، كما لو استَعمَلَه في مالِ نَفْسِه.
وقال القاضي: إنِ اشتَرى بعَينِ المالِ فالشِّراءُ باطِلٌ، وإنْ كان اشتَرى في الذِّمَّةِ ثم نَقَد المالَ وكان قد شرَط رَبُّ المالِ لِلمُضارِبِ النِّصفَ فدَفَعه المُضارِبُ إلى آخَرَ على أنْ يَكونَ لِرَبِّ المالِ النِّصفُ، ويَكونَ النِّصفُ الآخَرُ بينَهما فهو على ما اتَّفقوا عليه؛ لأنَّ رَبَّ المالِ رَضيَ بنِصفِ الرِّبحِ
[ ٨ / ٥١٤ ]
فلا يَدفَعُ إليه أكثَرَ منه، والعامِلانِ على ما اتَّفَقا عليه، وهذا قَولٌ قَديمٌ لِلشافِعيِّ، وليس هذا مُوافِقًا لِأُصولِ المَذهَبِ ولا لِنَصِّ أحمدَ؛ فإنَّ أحمدَ قال: لا يَطيبُ الرِّبحُ لِلمُضارِبِ، ولأنَّ المُضارِبَ الأولَ ليس له عَملٌ ولا مالٌ ولا يَستحِقُّ الرِّبحَ في المُضاربةِ إلا بواحِدٍ منهما، والعامِلَ الآخَرَ عَمِل في مالِ غَيرِه بغَيرِ إذنِه ولا شَرطِه فلَم يَستحِقَّ ما شرَطه له غَيرُه كما لو دفَعه إليه الغاصِبُ مُضارَبةً، ولأنَّه إذا لَم يَستحِقَّ له رَبُّ المالِ في المُضاربةِ الفاسِدةِ فما شَرَطه له غَيرُه بغَيرِ إذنِه أوْلى.
قال: وإنْ أذِنَ رَبُّ المالِ في دَفعِ مُضاربةٍ جازَ ذلك، نَصَّ عليه أحمدُ، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا، ويَكونُ العامِلُ الأوَّلُ وَكيلًا لِرَبِّ المالِ في ذلك؛ فإنْ دفَعه إلى آخَرَ ولَم يَشرُطْ لِنَفْسِه شَيئًا مِنَ الرِّبحِ كان صَحيحًا، وإنْ شرَط لِنَفْسِه شَيئًا مِنَ الرِّبحِ لَم يَصِحَّ؛ لأنَّه ليس مِنْ جِهَتِه مالٌ ولا عَملٌ، والرِّبحُ إنَّما يُستَحَقُّ بواحِدٍ منهما.
وإنْ قال: «اعمَلْ برأيِك أو بما أراكَ الله ﷾»، جازَ له دَفعُه مُضارَبةً، نَصَّ عليه؛ لأنَّه قد يَرى دَفعَه إلى أبصَرَ منه، ويَحتمِلُ ألَّا يَجوزَ له ذلك؛ لأنَّ قَولَه: «اعمَلْ برأيِك»، يَعني في كَيفيةِ المُضاربةِ والبَيعِ والشِّراءِ وأنواعِ التِّجارةِ، وهذا يَخرُجُ به عن المُضاربةِ، فلا يَتناوَلُه إذْنُه (^١).
_________________
(١) «المغني» (٥/ ٢٨، ٢٩)، و«المحرر» (١/ ٣٥١)، و«الفروع» (٤/ ٢٩٠)، و«الإنصاف» (٥/ ٤١٧)، و«كشاف القناع» (٣/ ٥٨٦، ٥٨٧)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٥٥)، و«مطالب أولى النهي» (٢/ ٥٠٧).
[ ٨ / ٥١٥ ]