الإبضاعُ: مَصدَرُ أبضَعَ، ومنه البِضاعةُ، والبِضاعةُ مِنْ معانيها القِطعةُ مِنَ المالِ يُبعثُ بها لِلتِّجارةِ، وأبضَعَه البِضاعةَ أعطاه إيَّاها.
ويُعرِّفُ الفُقهاءُ الإبضاعَ بأنَّه بَعثٌ بالمالِ مع مَنْ يَتَّجِرُ به تَبرُّعًا، والرِّبحُ كلُّه لِلعامِلِ ورَبِّ المالِ، والأصلُ أنْ يَكونَ الإبضاعُ تَبرُّعًا مِنَ العامِلِ، وعَدَّه المالِكيَّةُ إبضاعًا ولو كان بأجْرٍ.
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ المُضارِبَ إذا أبضَعَ المالَ بإذنِ رَبِّ المالِ جازَ، وإنْ نَهاه عن إبضاعِه فأبضَعَه فتَلِف ضَمِنه.
ثم اختَلَفوا فيما إذا لَم يَأذنْ له ولَم يَنهَهُ عن الإبضاعِ، وهي المُضاربةُ المُطلَقةُ، هل له أنْ يُبضِعَ بمالِ المُضاربةِ بأنْ يُرسِلَ به مع غَيرِه لِيُتاجِرَ فيه تَبرُّعًا، ويَكونَ الرِّبحُ كلُّه لِلعامِلِ ورَبِّ المالِ أو لا يَجوزُ؟
فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يُبضِعَ المالَ ولو لِرَبِّ المالِ؛ لأنَّ الإبضاعَ مِنْ عادةِ التُّجارِ؛ ولأنَّ المَقصودَ مِنْ هذا العَقدِ هو الرِّبحُ، والإبضاعَ طَريقٌ إلى ذلك، ولأنَّه يَملِكُ الاستِئجارَ على عَملِ التِّجارةِ بعِوَضٍ، فالإبضاعُ أوْلَى؛ لأنَّ الاستِئجارَ استِعمالٌ في المالِ بعِوَضٍ، والإبضاعَ استِعمالٌ فيه بغَيرِ عِوَضٍ، فكان أوْلَى؛ لأنَّه أقَلُّ ضَررًا؛ فإذا مَلَك ما هو أكثَرُ ضَررًا مَلَك ما هو أقَلُّ؛ وإنَّما جازَ الإبضاعُ لِرَبِّ المالِ؛ لأنَّه لَما جازَ الاستِعانةُ بالأجنَبيِّ فلَأنْ يَصحَّ استِعانَتُه برَبِّ
[ ٨ / ٥١٦ ]
المالِ -وهو أشفَقُ عليه- أوْلَى؛ لأنَّ الإبضاعَ ما هو إلا استِعانةٌ (^١).
وذهَب المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهَبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يُبضِعَ المالَ بغَيرِ إذنِ رَبِّ المالِ؛ لِما فيه مِنَ الغَرَرِ، ولأنَّه لَم يَرضَ بغَيرِ يَدِه، فلو فعَل ضَمِن؛ فإنْ فعَل بإذنِ رَبِّ المالِ فلا بأسَ به إنْ لَم يأخُذِ المالَ على ذلك، كما نَصَّ على ذلك المالِكيَّةُ؛ لأنَّه لا يَجوزُ عندَهم أنْ يَشترطَ رَبُّ المالِ على العامِلِ الإبضاعَ؛ فإنِ اشتَرط عليه فسَد القِراضُ أمَّا إنْ أذِنَ له دونَ شَرطٍ صَحَّ وجازَ له الإبضاعُ (^٢).
وأمَّا الشافِعيَّةُ فلَم أقِفْ لهم على قَولٍ، وإنْ كان ظاهِرُ مَذهَبِهم يَدلُّ على عَدمِ الجَوازِ إلا بإذنِ رَبِّ المالِ.