ذهَب جُمهورُ أهلِ العِلمِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في أحَدِ القَولَيْن عندَهم إلى أنَّه يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يَستأجِرَ أرضًا لِيَزرَعَها أو يأخُذَ أرضًا مُزارَعةً أو مُساقاةً ويُنفِقَ عليها مِنْ مالِ المُضاربةِ.
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٨٧)، و«الاختيار» (٣/ ٢٤)، و«الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٤٥، ٤٤٦)، و«اللباب» (١/ ٥٤١)، و«مختصر الوقاية» (٢/ ١٨٩)، و«مجمع الأنهر» (٤/ ٦٥)، و«الدر المختار» (٤/ ٣١٦)، و«الإنصاف» (٥/ ٤١٧).
(٢) «الشرح الكبير» (٥/ ٢٨٦)، «شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٠٨)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥١٠)، و«التاج والإكليل» (٤/ ٤١٦)، و«منح الجليل» (٧/ ٣٣٣)، و«المغني» (٥/ ١٤)، و«المحرر» (١/ ٣٥١)، و«الفروع» (٤/ ٢٩٠)، و«الإنصاف» (٥/ ٤١٧)، و«كشاف القناع» (٣/ ٥٨٦، ٥٨٧)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٥٥)، و«مطالب أولى النهي» (٢/ ٥٠٧).
[ ٨ / ٥١٧ ]
وقال الحَنفيَّةُ: ولو دفَع إليه ألفَ دِرهمٍ مُضارَبةً وأمَرَ المُضارِبَ أنْ يَعملَ في ذلك برأيِه أو لَم يأمُرْه فاستأجَر المُضارِبُ ببَعضِه أرضًا بَيضاءَ واشتَرى ببَعضِه طَعامًا فزَرَعه في الأرضِ فهو جائِزٌ على المُضاربةِ بمَنزِلةِ التِّجارةِ؛ لأنَّ عمَل الزِّراعةِ مِنْ صُنعِ التُّجارِ يَقصِدون به تَحصيلَ النَّماءِ، وما كان مِنْ عَملِ التُّجارِ يَملِكُه المُضارِبُ بمُطلَقِ العَقدِ.
ولو استأجَرَ أرضًا بَيضاءَ على أنْ يَغرِسَ فيها شَجَرًا أو أرطابًا، فقال: ذلك مِنَ المُضاربةِ، فهو جائِزٌ، والوَضيعةُ على رَبِّ المالِ والرِّبحُ على ما اشتَرطا؛ لأنَّه مِنْ صَنيعِ التُّجارِ يَقصِدون به استِنماءَ المالِ، ولو كان دفَع إليه مُضاربةً بالنِّصفِ، وقال له: «اعمَلْ فيه برأيِك»، فأخَذ المُضارِبُ نَخلًا وشَجرًا وأرطابًا مُعامَلةً على أنَّ ما أخرَجَ اللهُ ﷾ بَعدُ مِنْ ذلك فنِصفُه لِصاحِبِ النَّخلِ ونِصفُ المُضارِبِ على المُضارِبِ، فعَمِل وأنفَق مالَ المُضاربةِ عليه؛ فإنَّ ما خرَج مِنْ ذلك بينَ صاحِبِ النَّخلِ والمُضارِبِ نِصفانِ، ولا يَكونُ لِرَبِّ المالِ شَيءٌ مِنْ ذلك؛ لأنَّه إنَّما استحَقَّ النِّصفَ بعَقدِ المُعامَلةِ، وفي عَقدِ المُعامَلةِ العامِلُ يُؤاجِرُ نَفْسَه وصاحِبُ المالِ إنَّما فَوَّض الأمرَ إلى رأيِه في المُضاربةِ؛ لأنَّ مَنافِعَ يَدِه فيما يَستوجِبُ بإقامَتِه العَملَ بمَنافِعِه تَكونُ له خاصَّةً، والنَّفقةَ التي أنفَقَها مِنْ مالِه خاصَّةً وهو ضامِنٌ لِما أنفَق مِنْ ذلك مِنْ مالِ المُضاربةِ؛ لأنَّه صَرَف إلى حاجةِ نَفْسِه على وَجهٍ لَم يأذَنْ له رَبُّ المالِ فيه، ولو كان المُضارِبُ أخَذَ مِنْ رَجلٍ أرضًا بَيضاءَ على أنْ يَزرعَها طَعامًا فما خرَج منها فنِصفُه لِصاحِبِ الأرضِ ونِصفُه على المُضاربةِ، فاشتَرى طَعامًا ببَعضِ المالِ فزَرعَه في الأرضِ ثم
[ ٨ / ٥١٨ ]
أنفَق ما بَقيَ مِنَ المُضاربةِ عليه حتى بلَغ فهذا جائِزٌ؛ لأنَّه مُستأجِرٌ الأرضَ بنِصفِ الخارِجِ منها ولو استأجَرَها بدَراهمَ جازَتِ المُضاربةُ، فكذلك إذا استأجَرَها بنِصفِ الخارِجِ منها، ولو استأجَرَها بدَراهمَ جازَ على المُضاربةِ لذلك، وتَصرُّفُه هنا في المالِ؛ فإنَّ استِحقاقَه لِلخارجِ باعتِبارِ أنَّه بما بَذَره، والبَذرَ مِنْ مالِ المُضاربةِ؛ فلِهذا كان نِصفُ الخارِجِ لِصاحِبِ الأرضِ ونِصفُه يُباعُ يَستَوفي رَبُّ المالِ رأسَ مالِه والبَقيَّةُ بينَه وبينَ المُضارِبِ على الشَّرطِ، وإنْ لَم يَكُنْ قال له: «اعمَلْ فيه برَأيِك»، فالمُضارِبُ ضامِنٌ لِلمُضاربةِ؛ لأنَّه أشرَكَ غَيرَه في مالِ المُضاربةِ، وقد بَيَّنَّا أنَّ بمُطلَقِ العَقدِ لا يَملِكُ المُضارِبُ الإشراكَ، وهو بمَنزِلةِ دَفعِه بَعضَ المالِ مُضارَبةً إلى غَيرِه، وإذا صارَ مُخالِفًا بتَصرُّفِه ضَمِن مالَ المُضاربةِ، وهو مِلكُ المَضمونِ به، فما خرَج مِنَ الزَّرعِ بينَ المُضارِبِ ورَبِّ المالِ نِصفانِ على الشَّرطِ.
وقال الكاسانيُّ ﵀: ولو أخَذَ المُضارِبُ نَخلًا أو شَجَرًا أو رَطبةً مُعامَلةً على أنْ يُنفِقَ مِنَ المالِ لَم يَجُزْ على رَبِّ المالِ، وإنْ كان قال له رَبُّ المالِ حين دفَع إليه: «اعمَلْ فيه برأيِك»؛ لأنَّ الأخْذَ منه مُعامَلةً عَقدٌ على مَنافِعِ نَفْسِه ومَنافِعِ نَفْسِ المُضارِبِ لا تَدخُلُ تَحتَ عَقدِ المُضاربةِ، فصارَ كما لو آجَرَ نَفْسَه لِلخِدمةِ، ولا يُعتبَرُ ما شرَط مِنَ الإنفاقِ؛ لأنَّ ذلك ليس بمَعقودٍ عليه، بل هو تابِعٌ لِلعَملِ كالخَيطِ في إجارةِ الخَيَّاطِ والصَّبغِ في الصِّباغةِ.
وكذا لا يُعتبَرُ قَولُه: «اعمَلْ برأيِك»؛ لِما ذكَرنا أنَّ ذلك يُفيدُ تَفويضَ الرأيِ إليه في المُضاربةِ، وأنَّ المُضاربةَ تَصرُّفٌ في المالِ، وهذا عَقدٌ على
[ ٨ / ٥١٩ ]
مَنافِعِ نَفْسِه، ومَنافِعَ نَفْسِ المُضارِبِ لا يَجوزُ أنْ يَستحِقَّ بَدَلَها رَبُّ المالِ.
ولو أخَذَ أرضًا مُزارَعةً على أنْ يَزرَعَها فما خرَج مِنْ ذلك كان نِصفَيْن، فاشتَرى طَعامًا ببَعضٍ، فزَرَعه، قال مُحمدٌ: هذا يَجوزُ إنْ قال له: «اعمَلْ برأيِك»، وإنْ لَم يَكُنْ قال له: «اعمَلْ برأيِك» لَم يَجُزْ؛ لأنَّه يُوجِبُ حَقًّا لِرَبِّ الأرضِ في مالِ رَبِّ المالِ، فيَصيرُ كأنَّه شارَكه بمالِ المُضاربةِ، ولا يَملِكُ الإشراكَ بإطلاقِ العَقدِ ما لَم يَقُلِ: «اعمَلْ برَأيِك»، فإذا قال مَلَك، كذا هذا.
وقال الحَسَنُ بنُ زِيادٍ ﵀: إنَّ الأرضَ والبَذْرَ والبَقَرَ إذا كانت مِنْ قِبَلِ رَبِّ الأرضِ، وكان العَملُ على المُضارِبِ لَم يَكُنْ ذلك على المُضارَبةِ، بل يَكونُ لِلمُضارِبِ خاصَّةً، لِما ذكَرنا أنَّه عَقدٌ على مَنافِعِ نَفْسِه، فكان له بَدَلُ مَنافِعِ نَفْسِه فلا يَستحِقُّه رَبُّ المالِ، وكذلك إذا شرَط البَقَرَ على المُضارِبِ؛ لأنَّ العَقدَ وَقَع على مَنفَعتِه؛ وإنَّما البَقَرُ آلةُ العَملِ، والآلةُ تَبَعٌ ما لَم يَقَعْ عليها العَقدُ.
ولو دفَع المُضارِبُ أيضًا بغَيرِ بَذرٍ مُزارَعةً جازَت سَواءٌ قال: «اعمَلْ برأيِك»، أو لَم يَقُلْ؛ لأنَّه لَم يُوجِبْ شَركةً في مالِ رَبِّ المالِ، إنَّما آجَرَ أرضَه والإجارةُ داخِلةٌ تَحتَ عَقدِ المُضارَبةِ (^١).
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٩٥)، و«المبسوط» (٢٢/ ٥٤، ٧٢، ٧٣)، و«الهداية» (٤/ ٤)، و«تبيين الحقائق» (٥/ ٢٠٧)، و«البحر الرائق» (٦/ ٢٦٤)، و«مجمع الضمانات» (٢/ ٦٥٥)، و«الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٣٤).
[ ٨ / ٥٢٠ ]
وقال المالِكيَّةُ: لا يَجوزُ لِرَبِّ المالِ أنْ يَشترِطَ أنْ يَزرَعَ مِنْ مالِ القِراضِ؛ فإنْ فعَل فسَد، ولِلعامِلِ أُجرةُ مِثلِه في ذِمَّةِ رَبِّ المالِ، سَواءٌ حصَل رِبحٌ أو لا.
فلو زرَع العامِلُ مِنْ غَيرِ شَرطٍ في أرضٍ اشتَراها مِنْ مالِ القِراضِ أو اكتَراها جازَ ذلك إذا كان بمَوضِعِ أمْنٍ وعَدلٍ ولا يَضمَنُ، وأمَّا إنْ خاطَرَ به في مَوضِعِ ظُلمٍ وغَرَرٍ يَرى أنَّه خَطَرٌ؛ فإنَّه ضامِنٌ، ولو أخَذَ العامِلُ نَخلًا مُساقاةً فأنفَقَ عليها مِنْ مالِ القِراضِ كان كالزَّرعِ، ولَم يَكُنْ مُتعَدِّيًا (^١).
ومِنَ الحَنابِلةِ قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ قال له: «اعمَلْ برأيِك»، هل له الزِّراعةُ؟ يَحتمِلُ ألَّا يَملِكَ ذلك؛ لأنَّ المُضارَبةَ لا يُفهَمُ مِنْ إطلاقِها، وقد رُويَ عن أحمدَ ﵀ فيمَن دفَع إلى رَجلٌ ألفًا وقال: «اتَّجِرْ فيها بما شِئتَ»، فزرَع فرَبِح فيه فالمُضاربةُ جائِزةٌ، والرِّبحُ بينَهما، قال القاضي: ظاهِرُ هذا أنَّ قَولَه: «اتَّجِرْ بما شِئتَ» دَخَلت فيه؛ لأنَّها مِنَ الوُجوهِ التي يُبتَغى بها النَّماءُ، وعلى هذا لو هَلَك المالُ كُلُّه لَم يَلزَمْه ضَمانُه (^٢).
أمَّا الشافِعيَّةُ؛ فإنَّهم يَقولون: إنَّ وَظيفةَ العامِلِ التِّجارةُ، وهي الاستِرباحُ بالبَيعِ والشِّراءِ، وكذا تَوابِعُها مما جَرَت العادةُ أنْ يَتولَّاه بنَفْسِه، كنَشرِ الثِّيابِ وطَيِّها وذَرعِها وغَيرِ ذلك.
_________________
(١) «تهذيب المدونة» (٢/ ١٨٤)، و«الشرح الكبير» (٥/ ٢٨٧)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥١٠، ٥١١، ٥١٨)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٠٧)، و«التاج والإكليل» (٤/ ٤١٥، ٤١٦)، و«حاشية الصاوي» (٨/ ٤٠٣، ٤٠٤)، و«منح الجليل» (٧/ ٣٣٢).
(٢) «المغني» (٥/ ٢٦).
[ ٨ / ٥٢١ ]
وخرَج بالتِّجارةِ استِخراجُ العامِلِ الرِّبحَ باحتِرافٍ، فلو قارَضه لِيَشتريَ حِنطةً فيَطحَنَ ويَخبِزَ، أو غَزلًا يَنسِجُه ويَبيعُه فسَد القِراضُ في الصُّورتَيْن؛ لأنَّ القِراضَ شُرِع رُخصةً لِلحاجةِ، وهذه الأعمالُ مَضبوطةٌ يُمكِنُ الاستِئجارُ عليها فلَم تَشمَلْها الرُّخصةُ والعامِلُ فيها ليس مُتَّجِرًا، بل مُحتَرِفٌ، فلَيست مِنْ وَظيفةِ العامِلِ (^١) فعلى هذا واللهُ ﷾ أعلَمُ هم لا يُجيزون الزِّراعةَ بمالِ المُضاربةِ.
ثم وَجدتُ قَولَ العِمرانيِّ في «البَيانِ» والنَّوَويِّ في «الرَّوضةِ» يَقولان: ولو قارَضه على أنْ يَشتريَ نَخيلًا أو دَوابَّ أو أرضًا أو مُستَغلَّاتٍ يَكونُ أصلُها مَوقوفًا، بأنْ يُمسِكَ رِقابَها لِثِمارِها ونِتاجِها وغَلَّتِها، وتَكونَ الفَوائِدُ بينَهما، فهو فاسِدٌ ولَم يَصحَّ القِراضُ؛ لأنَّ عَقدَ القِراضِ مَوضوعٌ على أنْ يَتصرَّفَ العامِلُ في رَقبةِ المالِ، وهذا قد شُرِط مَنعُه مِنْ ذلك، فلَم يَصحَّ. ولأنَّه ليس رِبحًا بالتِّجارةِ، بل مِنْ عَينِ المالِ (^٢).
_________________
(١) «مغني المحتاج» (٣/ ٣٤٣، ٣٤٤)، و«نهاية المحتاج» (٥/ ٢٥٤، ٢٥٥)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٦٢، ٢٦٣)، و«الديباج» (٢/ ٤٢٨، ٤٢٩)، و«كفاية الأخيار» (٣٤١)، و«حاشية البيجوري على شرح ابن قاسم» (٢/ ٤٤).
(٢) «البيان» (٧/ ٢٠٠)، و«روضة الطالبين» (٣/ ٧٤٢)، وجاء في «الروضة» (٣/ ٧٥٨): وقال النَّوويُّ في «الروضة» قال: فصلٌ فيما يَقعُ في مالِ القِراضِ من زِيادةٍ أو نَقصٍ. أما الزِّيادةُ: فثَمرةُ الشَّجرةِ المُشتَراةِ للقِراضِ ونِتاجُ الدَّابةِ وكَسبُ الرَّقيقِ وولدُ الجارِيةِ ومَهرُها إذا وُطئِت بشُبهةٍ وبَدلُ مَنافعِ الدَّوابِّ والأرضِ وسواءٌ وجَب باستِعمالِها عُدوانٌ أو بإِجارةٍ صدَرت من العاملِ فإنَّ له الإِجارةَ، فإذا رأَى فيها المَصلحةَ أطلَق الإمامُ والغَزاليُّ أن هذه كلَّها مالُ قِراضٍ؛ لأنَّها من فَوائدِه وقال المُتولِّي: إن كان في المَالِ رِبحٌ وملَّكنا العاملُ حصَّتَه بالظُّهورِ فالجوابُ كذلك، فإن لم يكنْ ربِحَ أو لم نُملِّكْه فمن الأصحابِ من قال مالُ قِراضٍ، وقال جُمهورُهم: يفوزُ بها المالكُ؛ لأنَّها ليسَت من فَوائدِ التِّجارةِ ويُشبهُ أن يَكونَ هذا أولَى، فإن جعَلناها مالَ قِراضٍ فالأصحُّ أنها من الرِّبحِ، وقِيل: هي شائِبةٌ في الرِّبحِ ورأسِ المالِ.
[ ٨ / ٥٢٢ ]