ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا مات رَبُّ المالِ أو المُضارِبُ بطَل عَقدُ المُضاربةِ، أما مَوتُ المُضارِبِ:
_________________
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣٠٨، ٣٠٩)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥٣١، ٥٣٢)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٢٣)، و«التاج والإكليل» (٤/ ٤٣٤، ٤٣٥)، و«مواهب الجليل» (٧/ ٣٥٢)، و«البهجة الوردية» (٢/ ٢٥٧)، و«حاشية الصاوي» (٨/ ٥٢٤، ٤٢٥).
[ ٨ / ٦٠٥ ]
فلأنَّ عَقدَ المُضاربةِ عُقِد له، دونَ غَيرِه، فأشبَهَ الوَكالةَ، ومَوتُ الوَكيلِ يُبطِلُ الوَكالةَ.
وأمَّا مَوتُ رَبِّ المالِ: فلأنَّ المُضاربةَ تُصرَفُ بالإذنِ، والمَوتَ يُزيلُ الإذنَ، ولأنَّ المُضاربةَ تَوكيلٌ، ومَوتَ المُوكِّلِ يُبطِلُ الوَكالةَ.
وسَواءٌ عَلِم المُضارِبُ بمَوتِ رَبِّ المالِ أو لَم يَعلَمْ؛ لأنَّه عَزلٌ حُكميٌّ، فلا يَقِفُ على العِلمِ، كما نَصَّ على ذلك الحَنفيَّةُ (^١).
وقال الشافِعيَّةُ: وإذا كان المَيِّتُ المالِكَ فلِلعامِلِ البَيعُ واستيفاءُ الدُّيونِ بغَيرِ إذنِ الوارِثِ، بخِلافِ ما إذا ماتَ العامِلُ؛ فإنَّه لا يَملِكُ وارِثُه البَيعَ والاستيفاءَ دونَ إذنِ المالِكِ؛ لأنَّه لَم يَرضَ بتَصرُّفِه؛ فإنْ أذِن المالِكُ لِوَرثتِه بالبَيعِ والتَّنضيضِ فذاك، وإلا تَولَّاه أمينٌ مِنْ جِهةِ الحاكِمِ.
ولو أرادَ الاستِمرارَ على العَقدِ؛ فإنْ كان المالُ ناضًّا فلَهما ذلك، بأنْ يَستأنِفا عَقدًا بشَرطِه، ولا بأسَ بوُقوعِه قبلَ القِسمةِ، وهل يَنعَقِدُ بلَفظِ التَّركِ والتَّقريرِ، بأنْ يَقولَ الوارِثُ، أو القائِمُ بأمرِه: «تَركتُك أو قَرَّرتُك على ما كُنْتَ عليه»؟ فيه وَجهانِ: أصَحُّهما: نَعَمْ؛ لِفَهمِ المَعنى.
وإذا كان المالُ عَرضًا ففي جَوازِ تَقريرِه على القِراضِ وَجهانِ: أصَحُّهما المَنعُ؛ لأنَّ القِراضَ الأولَ انقَطَع بالمَوتِ، ولا يَجوزُ ابتِداءُ القِراضِ على عَرضٍ.
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ١١٢)، و«الهداية» (٣/ ٢٠٨)، و«العناية شرح الهداية» (١٢/ ١٦٧)، و«مختصر الوقاية» (٢/ ١٩٢)، و«الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٥٩)، و«الاختيار» (٣/ ٢٧)، و«اللباب» (١/ ٥٤٦)، و«درر الحكام» (٣/ ٤٨٧).
[ ٨ / ٦٠٦ ]
ولا يَجوزُ تَقريرُ وارِثِه على القِراضِ إذا كان المالُ عَرضًا؛ فإنْ كان ناضًّا فلَهما ذلك بعَقدٍ مُستأنَفٍ.
فإنْ كان رأسُ مالِ المَيِّتِ مِئةً والرِّبحُ مِئتَيْن وجَدَّد الوارِثُ العَقدَ مع العامِلِ مُناصَفةً كما كان بلا قِسمةٍ فرأسُ مالِ الوارِثِ مِئتانِ مِنْ ثَلاثِمِئةٍ، والمِئةُ المُتبَقِّيةُ لِلعامِلِ، فعندَ المُقاسمةِ يأخُذُها وقِسطَها مِنَ الرِّبحِ، ويأخُذُ الوارِثُ رأسَ مالِه مِئتَيْن ويَقتَسِمان ما بَقيَ (^١).
وقال الحَنابِلةُ: إنْ كان المَيِّتُ -أو المَجنونُ ونَحوُه- هو العامِلَ وأرادَ رَبُّ المالِ ابتِداءَ القِراضِ مع وارِثِ العامِلِ أو مع وَليِّه إنْ لَم يَكُنِ الوارِثُ جائِزَ التَّصرُّفِ وكانَ المالُ ناضًّا جازَ لِعَدمِ المانِعِ، ويَكونُ رأسُ المالِ الذي أعطاه المَوروثُ وحِصَّتُه مِنَ الرِّبحِ رأسَ مالٍ، وحِصَّةُ العَملِ مِنَ الرِّبحِ شَركةً له مَشاعًا، وهذه الإشاعةُ لا تَمنَعُ صِحَّةَ العَقدِ؛ لأنَّ الشَّريكَ هو العامِلُ، وذلك لا يَمنَعُ التَّصرُّفَ.
وإنْ كان المالُ عَرضًا وأرادَ الوارِثُ مع العامِلِ إتمامَه لَم يَجُزِ القِراضُ عليه؛ لأنَّ القِراضَ قد بطَل بالمَوتِ، ودفَع العَرضَ إلى الحاكِمِ فيَبيعُه ويُقسِّمُ الرِّبحَ على ما شرَطا عندَ ابتِداءِ المُضاربةِ ولا يَبيعُه أحَدُهما بغَيرِ إذنِ الآخَرِ لِاشتِراكِهما فيه.
وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ جَوازُه؛ لأنَّه قال في رِوايةِ علِيِّ بنِ سَعيدٍ: إذا ماتَ
_________________
(١) «البيان» (٧/ ٢٢٧، ٢٢٩)، و«روضة الطالبين» (٣/ ٧٦٢، ٧٦٣)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٥٧)، و«نهاية المحتاج» (٥/ ٢٧٢، ٢٧٣)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٨١).
[ ٨ / ٦٠٧ ]
رَبُّ المالِ لَم يَجُزْ لِلعامِلِ أنْ يَبيعَ وأنْ يَشتريَ إلا بإذنِ الوَرثةِ، فظاهِرُ هذا بَقاءُ العامِلِ على قِراضِه؛ لأنَّ هذا إتمامٌ لِلقِراضِ لا ابتداءٌ له، ولأنَّ القِراضَ إنَّما مُنِعَ في العُروضِ؛ لأنَّه يَحتاجُ عندَ المُفاصَلةِ إلى رَدِّ مِثلِها أو قِسمَتِها، ويَختلِفُ ذلك باختِلافِ الأوقاتِ، وهذا غَيرُ مَوجودٍ ههنا؛ لأنَّ رأسَ المالِ غَيرُ العُروضِ، وحُكمُه باقٍ، ألَا تَرى أنَّ لِلعامِلِ أنْ يَبيعَه لِيُسلِّمَ رأسَ المالِ ويُقسِّمَ البَقيَّةَ.
والوَجهُ الأولُ أقيَسُ؛ لأنَّ المالَ لو كان ناضًّا كان ابتِداءَ قِراضٍ، وكانت حِصَّةُ العامِلِ مِنَ الرِّبحِ شَركةً له يَختَصُّ بها دونَ رَبِّ المالِ، وإنْ كان المالُ ناضًّا بخَسارةٍ أو تَلفٍ كان رأسُ المالِ المَوجودِ منه حالَ ابتِداءِ القِراضِ، فلو جَوَّزنا ابتِداءَ القِراضِ ههنا وبِناءَهما على القِراضِ لَصارتْ حِصَّةُ العامِلِ مِنَ الرِّبحِ غَيرَ مُختَصَّةٍ به، وحِصَّتُهما مِنَ الرِّبحِ مُشتَركةً بينَهما، وحُسِبت عليه العُروضُ بأكثَرَ مِنْ قيمَتها فيما إذا كان المالُ ناقِصًا، وهذا لا يَجوزُ في القِراضِ بغَيرِ خِلافٍ، وكَلامُ أحمدَ يُحمَلُ على أنَّه يَبيعُ ويَشتري بإذنِ الوَرثةِ كبَيعِه وشِرائِه بعدَ انفِساخِ القِراضِ.
ولِلعامِلِ بَيعُ عُروضٍ، واقتِضاءُ دُيونٍ.
وإنْ كان المَيِّتُ -أو المَجنونُ ونَحوُه- هو العامِلَ، وأرادَ رَبُّ المالِ ابتِداءَ القِراضِ مع وارِثِه أو وَلِيِّه؛ فإنْ كان ناضًّا جازَ كما قُلنا فيما إذا ماتَ رَبُّ المالِ، وإنْ كان عَرضًا لَم يَجُزِ ابتِداءُ القِراضِ إلا على الوَجهِ الذي يَجوزُ ابتِداءُ القِراضِ على العُروضِ فيه، بأنْ تُقوَّمَ العُروضُ ويُجعَلَ رأسُ المالِ قيمَتَها يَومَ العَقدِ؛ لأنَّ الذي كان منه العَملُ قد ماتَ أو جُنَّ وذهَب
[ ٨ / ٦٠٨ ]
عَملُه، ولَم يُخلِّفْ أصلًا يَبني عليه وارِثُه، بخِلافِ ما إذا مات رَبُّ المالِ؛ فإنَّ المالَ المُقارَضَ عليه مَوجودٌ ومَنافِعَه مَوجودةٌ فأمكَن استِدامةُ العَقدِ وبِناءُ الوارِثِ عليه.
وعلى الأولِ يَدفَعُ العَرضَ إلى الحاكِمِ فيَبيعَه ويُقسِّمَ الرِّبحَ على ما شرَطا عندَ ابتِداءِ المُضاربةِ، ولا يَبيعُه أحَدُهما بغَيرِ إذنِ الآخَرِ؛ لِاشتِراكِهما فيه (^١).
وقال المالِكيَّةُ: لا يَنفسِخُ عَقدُ القِراضِ بمَوتِ العامِلِ؛ وإنَّما لَم يَنفسِخِ ارتِكابًا لِأخَفِّ الضَّررَيْن، وهُما ضَررُ الوَرثةِ في الفَسخِ، وضَررُ رَبِّه في إبقائِه عِندَهم ولا شَكَّ أنَّ ضَرَرَ الوَرثةِ بالفَسخِ أشَدُّ لِضَياعِ حَقِّهم في عَملِ مُورِّثِهم.
فإنْ ماتَ العامِلُ قَبلَ نُضوضِ المالِ وله وارِثٌ أمينٌ، ولو كان دونَ أمانةِ مُورِّثِهم أنْ يُكمِلَه على حُكمِ ما كان مُورِّثُه؛ فإنْ لَم يَكُنْ أمينًا فعَليه أنْ يأتيَ بأمينٍ، كالمَيِّتِ في الأمانةِ والثِّقةِ؛ فإنْ لَم يَجِدْ أمينًا سلَّم الوَرثةُ المالَ لِرَبِّه هَدرًا، أي: بغَيرِ شَيءٍ مِنْ رِبحٍ أو أُجرةٍ؛ لأنَّ عَملَ القِراضِ كالجُعلِ لا يَستحِقُّ العامِلُ فيه شَيئًا إلا بتَمامِ العَملِ.
وهذا إذا مات العامِلُ بعدَ الشُّروعِ في العَملِ؛ فإنْ ماتَ قَبلَ أنْ يَعملَ فيه فالمالُ لِصاحِبِه.
_________________
(١) «المغني» (٥/ ٣٩)، و«كشاف القناع» (٣/ ٦١١، ٦١٢)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٨٤).
[ ٨ / ٦٠٩ ]
وإنْ ماتَ رَبُّ المالِ قبلَ أنْ يَعملَ المُقارِضُ فيه ويُشخِّصَ فأحَبَّ الوَرثةُ أو الوَصيُّ أخذَ المالِ فذلك لَهم، وإنْ أحَبُّوا أقرُّوه على قِراضِه وليس لهم أنْ يَنتزِعوا المالَ إذا كان قد شرَع فيه بالعَملِ والتِّجارةِ، ولو تَجهَّز منه طَعامٌ أو كِسوةٌ لِسَفرِه ثم مات رَبُّ المالِ وأرادَ الوَرثةُ رَدَّ القِراضِ أخَذوا ما تَجهَّز به بعَينِه ولَم يُضمِّنوه ما نقَص ذلك.
وإذا مات رَبُّ المالِ والحالُ أنَّ العاملَ ببَلدِ رَبِّ المالِ والمالَ بيَدِه عَينًا ثم حَرَّكه العامِلُ بعدَ مَوتِ رَبِّ المالِ وعِلمِه بمَوتِه؛ فإنَّه يَكونُ ضامِنًا لِتَعدِّيه؛ لأنَّ المالَ انتَقَل إلى الوَرثةِ بمُجرَّدِ المَوتِ، أمَّا لو كان المالُ عَرضًا فحَرَّكه فلا ضَمانَ عليه، وليس لِلوَرثةِ أنْ يَمنَعوه مِنَ التَّصرُّفِ فيه وهُم في ذلك كمُورِّثِهم سَواءٌ، وكذلك لا ضَمانَ عليه إذا اتَّجَر قبلَ عِلمِ مَوتِه.
ولا ضَمانَ إذا لَم يَكُنِ العامِلُ في بَلدِ رَبِّ المالِ، ولو قَرُبتِ الغَيبةُ، ويَنبَغي أنْ تَكونَ الغَيبةُ القَريبةُ كالحاضِرِ، وإذا فعَل به بعدَ عِلمِه بمَوتِه؛ فإنَّه يَضمنُ، سَواءٌ اتَّجَر لِنَفْسِه أو لِلقِراضِ، والرِّبحُ له إنِ اتَّجَر لِنَفْسِه وإلا فلا، وأمَّا إنِ اتَّجَر به قبلَ العِلمِ فخَسِر؛ فإنَّه يَضمَنُ لِخَطَئِه على مالِ الوارِثِ، وقيلَ: لا يَضمَنُ؛ لأنَّ له شُبهةً، وهذا هو المُعتَمدُ (^١).
_________________
(١) «المدونة الكبرى» (١٢/ ١٣٠)، و«الكافي» (٣٨٦)، و«الاستذكار» (٧/ ٢٧)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣٠٩)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥٣٢)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢١٣، ٢٢٣)، و«التاج والإكليل» (٤/ ٤٣٥)، و«مواهب الجليل» (٧/ ٣٥٢).
[ ٨ / ٦١٠ ]