قال الحَنفيَّةُ: لا يُشترطُ إسلامُهما، فتَصحُّ المُضاربةُ بينَ أهلِ الذِّمَّةِ وبينَ المُسلِمِ والذِّمِّيِّ والحَربيِّ المُستأمَنِ حتى لو دخَل حَربيٌّ دارَ الإسلامِ
_________________
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٤٦)، و«البيان» (٧/ ١٨٩، ١٩٠)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٤٨)، و«نهاية المحتاج» (٥/ ٢٦٠)، و«الديباج» (٢/ ٤٣٢)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٧٠).
[ ٨ / ٣٩٨ ]
بأمانٍ، فدفَع مالَه إلى مُسلِمٍ مُضاربةً، أو دفَع إليه مُسلِمٌ مالَه مُضاربةً فهو جائِزٌ؛ لأنَّ المُستأمَنَ في دارِنا بمَنزِلةِ الذِّمِّيِّ، والمُضاربةَ مع الذِّمِّيِّ مُضاربةٌ جائِزةٌ، فكذلك مع الحَربيِّ المُستأمَنِ؛ فإنْ كان المُضارِبُ هو المُسلِمَ فدخَل دارَ الحَربِ بأمانٍ فعمِل بالمالِ فهو جائِزٌ؛ لأنَّه دخَل دارَ رَبِّ المالِ فلَم يُوجَدْ بينَهما اختِلافُ الدارَيْن فصارَ كأنَّهما في دارٍ واحِدةٍ.
وإنْ كان المُضارِبُ هو الحَربيَّ فرجَع إلى دارِه الحَربيُّ؛ فإنْ كان بغَيرِ إذنِ رَبِّ المالِ بطَلت المُضاربةُ، وإنْ كان بإذنِه فذلك جائِزٌ، ويَكونُ على المُضاربةِ، ويَكونُ الرِّبحُ بينَهما على ما شرَطا إنْ رجَع إلى دارِ الإسلامِ، مُسلِمًا أو مُعاهَدًا، أو بأمانٍ استِحسانًا، والقياسُ أنْ تَبطُلَ المُضاربةُ.
وَجهُ القياسِ: أنَّه لَمَّا عادَ إلى دارِ الحَربِ بطَل أمانُه وعادَ إلى حُكمِ الحَربِ كما كان، فبطَل أمرُ رَبِّ المالِ عندَ اختِلافِ الدارَيْن، فإذا تَصرَّفَ فيه فقد تَعدَّى بالتَّصرُّفِ، فملَك ما تَصرَّفَ فيه.
وَجهُ الاستِحسانِ: أنَّه لَمَّا خرَج بأمرِ رَبِّ المالِ صارَ كأنَّ رَبَّ المالِ دخَل معه، ولو دخَل رَبُّ المالِ معه إلى دارِ الحَربِ لَم تَبطُلِ المُضاربةُ، فكذا إذا دخَل بأمرِه بخِلافِ ما إذا دخَل بغَيرِ أمرِه؛ لأنَّه لَمَّا لَم يأذَنْ له بالدُّخولِ انقطَع حُكمُ رَبِّ المالِ عنه، فصارَ تَصرُّفُه لِنَفْسِه فمَلَك الأمرَ به.
وقد قالوا في المُسلِمِ إذا دخَل دارَ الحَربِ بأمانٍ فدفَع إليه حَربيٌّ مالًا مُضاربةً مِئةَ دِرهَمٍ: على قياسِ قَولِ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ جائِزٌ؛ فإنِ اشتَرى المُضارِبُ على هذا ورَبِح أو وضَع فالوَضيعةُ على رَبِّ المالِ، والرِّبحُ على
[ ٨ / ٣٩٩ ]
ما اشتَرط، ويَستوفي المُضارِبُ مِئةَ دِرهمٍ، والبَقيَّةُ لِرَبِّ المالِ، وإنْ لَم يَكُنْ في المالِ رِبحٌ إلا مِئةً، فهي كلُّها لِلمُضارِبِ، وإنْ كان أقَلَّ مِنْ مِئةٍ، فذلك لِلمُضارِبِ أيضًا، ولا شَيءَ لِلمُضارِبِ على رَبِّ المالِ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ لَم يَشترطِ المِئةَ إلا مِنَ الرِّبحِ.
فأمَّا على قَولِ أبي يُوسُفَ فالمُضارَبةُ فاسِدةٌ، ولِلمُضارِبِ أجْرُ مِثلِه، وهذا فَرعُ اختِلافِهم في جَوازِ الرِّبا في دارِ الحَربِ لِما عُلِم (^١).
وقال المالِكيَّةُ في المَشهورِ والحَنابِلةُ: تُكرهُ شَركةُ كِتابِيٍّ ولو غَيرَ ذِمِّيٍّ، وكذا المَجوسيُّ، قال الحَنابِلةُ: لأنَّه لا يُؤمَنُ مُعامَلتُهم بالرِّبا، والعُقودِ الفاسِدةِ، إلا أنْ يَليَ المُسلِمُ التَّصرُّفَ، أو يَتصرَّفَ الذِّمِّيُّ بحَضرَتِه، ولا يَغيبُ عنه في شِراءٍ ولا بَيعٍ ولا تَقاضٍ، فلا تُكرهُ لِلأمنِ مِنَ الرِّبا؛ لأنَّ الذِّمِّيَّ إذا تَولَّى الشِّراءَ باعَ بحُكمِ دِينِه، وأدخَلَ في مالِ المُسلِمِ ما لا يَحِلُّ له، والمُسلِمُ مَمنوعٌ مِنْ أنْ يَجعلَ مالَه مُتَّجرًا في الرِّبا والخَمرِ والخِنزيرِ (^٢).
وجاءَ في «المُدوَّنةِ» في مُقارضةِ مَنْ لا يَعرِفُ الحَلالَ والحَرامَ:
قال: وقال مالِكٌ: لا أُحِبُّ لِلرَّجلِ أنْ يُقارِضَ رَجلًا إلا رَجلًا يَعرِفُ الحَلالَ والحَرامَ، وإنْ كان رَجلًا مُسلِمًا، فلا أُحِبُّ له أنْ يُقارضَ مَنْ يَستحِلُّ شَيئًا مِنَ الحَرامِ في البَيعِ والشِّراءِ، رُويَ أنَّ سَعيدَ بنَ المُسيِّبِ قال:
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٨١، ٨٢).
(٢) «شرح ابن بطال» (٧/ ١٨، ١٩)، و«مواهب الجليل» (٧/ ٥٢، ٥٤)، و«منح الجليل» (٦/ ٢٥٠)، و«المغني» (٥/ ٣)، و«الكافي» (٢/ ٢٥٧)، و«المبدع» (٥/ ٤)، و«كشاف القناع» (٣/ ٥٨١)، و«مطالب أولى النهى» (٣/ ٤٩٥).
[ ٨ / ٤٠٠ ]
«لا يَصلُحُ أنْ يُقارِضَ الرَّجلُ اليَهوديَ والنَّصرانيَّ»، قال اللَّيثُ، وقال رَبيعةُ: «لا يَنبَغي له أنْ يُقارِضَ رَجلًا يَستِحلُّ في دِينِه أكلَ الحَرامِ» (^١).
وقال الشافِعيَّةُ: تُكرَهُ مُشارَكةُ الذِّمِّيِّ مُطلَقًا، ومَن لا يَحترِزُ مِنَ الرِّبا ونَحوِه، سَواءٌ كان هو المُتصرِّفَ بالبَيعِ والشِّراءِ، أو المُسلِمُ؛ لِما رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: «أكرَهُ أنْ يُشارِكَ المُسلِمُ اليَهوديَّ والنَّصرانيَّ»، ولا مُخالِفَ له.
ولأنَّهم لا يَمتَنِعون مِنَ الرِّبا، ومِن بَيعِ الخُمورِ، ولا يُؤمَنُ أنْ يَكونَ مالُه الذي عَقدَ عليه الشَّركةَ مِنْ ذلك، فكُرِه؛ فإنْ عَقدَ الشَّركةَ معه صحَّ؛ لأنَّ الظاهِرَ مما هو بأيديهم أنَّه مِلكُهم، وقد «اقتَرضَ النَّبيُّ ﷺ مِنْ يَهوديٍّ شَعيرًا، ورَهنَه دِرعَه» (^٢).