اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المُضارِبَ ورَبَّ المالِ إذا اختلَفا في تَلَفِ المالِ أو بَعضِه أو خَسارَتِه أو ضَياعِه بأنِ ادَّعى المُضارِبُ تَلفَ المالِ أو أنَّه خَسِر أو أنَّه سرَق أو غرَق أو ما أشبَهَ ذلك، وأنكَرَه رَبُّ المالِ، فالقَولُ قَولُ المُضارِبِ مع يَمينِه عندَ جَميعِهم، إلا قَولًا لِلمالِكيَّةِ بدونِ يَمينٍ؛ لأنَّ المُضارِبَ أمينٌ، والأمينُ مُصدَّقٌ في أمانَتِه؛ لأنَّ رَبَّ المالِ رَضيَه أمينًا في نَفْسِه، وإنْ لَم يَكُنْ أمينًا في الواقِعِ فهو أمينٌ، والأصلُ عَدمُ الخِيانةِ.
وقال المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ: وهذا إذا لَم تَقُمْ عليه بَيِّنةٌ أو قَرينةٌ؛ فإذا قامَت بَيِّنةٌ أو قَرينةٌ تَشهَدُ على كَذِبِه يُحكَمُ بها ويَضمَنُ.
ويُعرَفُ ذلك بسُؤالِ التُّجارِ في تلك السِّلعِ هل يَخسَرُ في مِثلِ هذا أو لا؛ فإنْ أجابوا بعَدمِ الخَسارةِ ضَمِن.
_________________
(١) «البيان» (٧/ ٢٣٣)، و«روضة الطالبين» (٣/ ٧٦٥)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٦١)، و«نهاية المحتاج» (٥/ ٢٧٨)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٨٥)، و«الديباج» (٢/ ٤٤٢).
(٢) «المغني» (٥/ ٤٥).
[ ٨ / ٥٧٢ ]
وزادَ الحَنابِلةُ: وإنِ ادَّعى الهَلاكَ بأمرِ ظاهِرٍ كُلِّفَ ببَيِّنةٍ تَشهَدُ به، ثم حلَف بأنَّه تَلِف به.
وأمَّا اليَمينُ فلِلمالِكيَّةِ فيه ثَلاثةُ أقوالٍ:
الأولُ: عليه اليَمينُ، وهو الراجِحُ، وقيلَ: بغَيرِ يَمينٍ، وقيلَ: تَتَوجَّه إنْ كان مُتَّهمًا وإلَّا فلا (^١).
وقال الشافِعيَّةُ: يُصدَّقُ العامِلُ بيَمينِه، هذا إذا لَم يَذكُرْ سَببَ التَّلفِ ولا يُكلَّفُ بَيانَ سَببِه، أمَّا إذا ذكَر سَببَ التَّلفِ، وكان السَّببُ خَفيًّا كالسَّرقةِ صُدِّق بيَمينِه، وإنِ ادَّعاه بسَببٍ ظاهِرٍ كالحَريقِ والغارةِ والسَّيلِ؛ فإنْ لَم يَعرِفْ ما ادَّعاه بتلك البُقعةِ لَم يُقبَلْ قَولُه في الهَلاكِ به، وإنْ عُرِف بالمُشاهدةِ أو الاستِفاضةِ نُظِر: إنْ عُرِف عُمومُه صُدِّق بلا يَمينٍ، وإنْ لَم يُعرَفْ عُمومُه واحتَمل أنَّه لَم يُصِبْ مالَ المُضاربةِ صُدِّق باليَمينِ (^٢).